بعد فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، كثرت التكهّنات في أوساط اللبنانيين حول ما يعنيه ذلك لبلادهم وللمنطقة ككل. فلبنان أصغر من أن يلاحظه صنّاع السياسات الأميركيون، لكن ساحته الداخلية مشرّعة دائماً أمام الخصومات الإقليمية والدولية وما تحمله من تداعيات مضرّة بالبلاد.

وفيما كان العام 2020 مأسوياً للبنان مع ما شهده من انهيار اقتصادي يتوالى فصولاً، وانفجار مروّع في 4 آب/أغسطس الماضي، ومأزق مستمر تفرضه الطبقة السياسية الفاسدة، ربما يلوح في الأفق مشهدٌ أقل سوداوية إلى حد ما. فسوف تطرأ على الشرق الأوسط تغييرات أساسية في السنوات الأربع المقبلة، قد يساهم بعضها في تهدئة الأجواء المشحونة في لبنان، حتى لو لم يؤدِّ إلى تحسينات فورية في الأوضاع المالية والاقتصادية.

من النتائج التي يمكن أن تترتب عن فوز بايدن تبديلٌ في سلوك دول الخليج، وعلى رأسها السعودية. فقد ساورت السعوديين، لبعض الوقت، شكوكٌ مطّردة بشأن استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن المملكة في حال تعرّضت لتهديد إيراني. ورحّب السعوديون بحملة "الضغوط القصوى" التي مارستها إدارة ترامب على طهران، لكنهم رأوا أيضاً أن واشنطن لم تثأر لهم عندما تعرّضت منشآتهم النفطية في بقيق لهجوم في أيلول/سبتمبر 2019 زعم أنه على يد تنظيم أنصار الله اليمني، إنما يُرجَّح أن يكون الإيرانيون أنفسهم وراءه.

لا يبعث وصول إدارة بايدن إلى الحكم الطمأنينة في نفوس السعوديين. فقد انتقد الرئيس المنتخب سلوكيات المملكة في اليمن، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، ومقتل الصحافي جمال خاشقجي الذي خلصت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أنه نُفِّذ بأمرٍ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ومما لا شك فيه أن الرياض ستشعر بأنها أكثر هشاشة في السنوات المقبلة، ومن النتائج التي قد تترتب عن ذلك أن المملكة ستحاول الحد من التشنجات مع إيران لتجنّب التورّط في نزاعات قد تخسرها.

ما مآل ذلك؟ ربما تحقيق مرونة أكبر في اليمن، حيث أقرّ السعوديون ضمناً بأن جهودهم للقضاء على المكاسب التي حققها تنظيم أنصار الله مُنيت بالفشل. ففي الحرب الدائرة في اليمن، تسعى السعودية والإمارات العربية المتحدة خلف أهداف أخرى راهناً، سواء حماية الحدود السعودية، وهي الأولوية بالنسبة إلى الرياض؛ أو دعم الانفصاليين الجنوبيين، وهذا أمرٌ تركّز عليه الإمارات. والأهم أن السعودية تبحث عن مخرج ما، على الرغم من رغبتها في تجنّب الإذلال الذي قد يؤثّر سلباً في ارتقاء محمد بن سلمان، مهندس الحملة التي تقودها السعودية، إلى العرش.

لبنان هو أيضاً من البلدان التي قد يتأثّر من جرّاء التغيير في سلوكيات السعودية. لن يعود السعوديون إلى إرسال أموال طائلة إلى البلاد، لكن اعتماد مقاربة ألطف مع إيران قد يعيد زخم الدعم السعودي لسعد الحريري الذي واجه في الأعوام الأخيرة صعوبة في نيل تأييد الرياض. لقد أبقى الحريري قنوات الحوار مفتوحة مع حزب الله، ودفع ثمن ذلك في علاقاته مع صنّاع السياسات السعوديين. لكن إذا اعتمدت المملكة المقاربة نفسها مع إيران، سيعزّز ذلك صدقية الحريري. والأهم، مع احتدام الخصومة السعودية-التركية في مختلف أنحاء المنطقة، سيكون منطقياً أن يستثمر السعوديون جهودهمفي حليفٍ لبناني قادر على رصّ صفوف السنّة خلف المملكة وبعيداً عن تركيا.

من شأن هذا السيناريو إذا حدث أن يؤدّي إلى انفراج العلاقات السنّية-الشيعية في لبنان، إنما أيضاً إلى تغيير حسابات حزب الله. فالحزب متمسّك بتحالفه مع ميشال عون وصهره جبران باسيل، لأن موقع عون في سدّة الرئاسة منحَ شرعية رسمية للحزب الذي لن يتخلّى عن هذه الورقة الرابحة. ولكن إذا استعاد الحريري زخمه، قد يُضطر الحزب إلى اعتماد موقف أكثر توازناً في الخلاف بين الحريري وباسيل، ولا سيما إذا اقتضى ذلك دفع باسيل نحو تقديم تنازلات تسهّل حصول لبنان على رزمة مساعدات دولية.

من المؤكّد أن حزب الله سيسعى دائماً إلى استغلال الوضع من خلال تأليب الحريري على باسيل والعكس، تحقيقاً لمصالحه الخاصة. ولكن إذا واجه الحزب شريكاً سنّياً متراصّاً، فقد يتم التوصّل إلى اتفاقات حول قرارات أساسية تحسّن الأوضاع الاقتصادية، وهذا أمسّ ما يحتاج إليه لبنان في الوقت الراهن. في الواقع، يُعتبر تحسين روابط حزب الله مع السنّة أكثر قيمة بأشواط له، في مواجهته مع واشنطن، من علاقته مع زعيم مسيحي يرزح تحت وطأة العقوبات الأميركية.

الأمر الثاني الذي قد يشكّل مدعاة اطمئنان للبنانيين هو أن رحيل ترامب سيهمّش مؤقتاً أصوات الفاعلين السياسيين في واشنطن ومراكز الدراسات والأبحاث التي دفعت الولايات المتحدة إلى اعتماد موقف أكثر تشدداً تجاه لبنان، وعدد كبير منهم مقرّبٌ من إسرائيل.

اعتبرت إسرائيل لبعض الوقت أن مقاربة أوباما للشرق الأوسط شكّلت قطيعة جذرية مع السلوك السابق، وكانت محقّة. فمن خلال تعزيز قدرة إيران عبر الاتفاق النووي الذي وُقِّع مع الدول الأعضاء الخمس في مجلس الأمن زائد ألمانيا، أقرّت واشنطن ضمناً برهانات إيران في المنطقة ومنحتها وسيلةً لتمويل سياساتها. وقد رأت إسرائيل في ذلك تهديداً لها، ولا سيما أن الاتفاق نصّ على رفع القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني بحلول العام 2025. لذا حثّت إسرائيل الرئيس دونالد ترامب على الانسحاب من الاتفاق.

انطوى رد الفعل هذا على بعدٍ لبناني. فقد أراد الإسرائيليون وأصدقاؤهم في واشنطن تثبيت مكاسبهم ضد إيران، لذا سعوا إلى تحقيق مكاسب ضد حزب الله أيضاً. وهكذا، روّجوا في العامَين الماضيين سرديةً مفادها أن لبنان وحزب الله هما الشيء نفسه، وهي عبارة أطلقها في البداية وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان. فمن خلال تضييق الخناق على لبنان ودعم قطع المساعدات المالية عنه، تأمل إسرائيل وأتباعها بزعزعة الاستقرار، وحتى باندلاع حرب أهلية في لبنان، ما قد يضعف حزب الله.

ومن الخطوات المهمة في هذا الاتجاه ما حدث في حزيران/يونيو الماضي، عندما أصدرت لجنة الدراسات الجمهورية المؤلَّفة من نوّاب جمهوريين محافظين ،استراتيجية للأمن القومي، ورد فيها أن أحد الأهداف هو الضغط على إيران وحلفائها. ومن التوصيات التي ذُكِرت في الاستراتيجية وقف المساعدات الأمنية الأميركية إلى لبنان، وفرض عقوبات على حلفاء حزب الله، وإقرار تشريعات "تحظّر تخصيص أيٍّ من أموال دافعي الضرائب الأميركيين لـ[صندوق النقد الدولي] من أجل إنقاذ لبنان". وأكّدت اللجنة أن هذه المساعدات المالية قد تشكّل "مكافأة لحزب الله في وقتٍ يطالب المتظاهرون اللبنانيون بوضع حد للفساد ويتصدّون لسيطرة الحزب".

بما أن الوثيقة كرّرت، بصورة شبه حرفية ما ورد في كتابات صادرة عن مراكز أبحاث محافظة في واشنطن، يُحتمل جدّاً أن تكون هذه المراكز التي أثّرت بشكل كبير في صياغة سياسات ترامب، هي التي خطّت فقراتٍ من الاستراتيجية المذكورة. ونظراً إلى أن تأثير هؤلاء لن يبقى كما كان، قد يحصل لبنان على متنفّس من سياسات أميركية متطرفة يمكن أن تتسبب بدمار لبنان وإفقار شعبه بدل تحريره من قبضة حزب الله.

سنبالغ إذا توقّعنا حدوث تغيير جذري في عهد بايدن. فالضغوط الأميركية سوف تستمر، ومعها ربما فرض العقوبات على السياسيين اللبنانيين. وسوف يظل للتفضيلات الإسرائيلية ثقلها في واشنطن، ولا سيما داخل الكونغرس. لكن بايدن وفريقه سيتعاملان مع إيران بطريقة مختلفة عن ترامب، وسيُبدون استعداداً أكبر للإصغاء إلى الجهات، ولا سيما الأوروبية منها، التي تحذّر من اتخاذ إجراءات تؤدّي إلى دمار لبنان. وفي ظل تركيز بايدن على الشؤون الداخلية، من غير المنطقي أن تقبل إدارته بسياسات كفيلة بتحويل لبنان إلى دولة فاشلة، ما قد يستدعي تدخّلاً أميركياً جديداً في الشرق الأوسط.

لم يخرج لبنان من دائرة الخطر في ما يتعلق بالمقاربة الأميركية تجاهه. ولكن فيما تواجه البلاد أزمات خطيرة ومتعددة، بدءاً من الانهيار الاقتصادي ووصولاً إلى تحديات وباء كوفيد 19، فإن التوجّه القائم على تدفيع البلاد بأسرها ثمن الجرائم التي ارتكبها مَن أساؤوا حكمها، قد لا يعود صالحاً. يحتاج لبنان إلى استراحة، وسوف تنتشر هذه الرسالة على نحوٍ أفضل عندما يتسلّم بايدن منصبه.