سيفاك خاتشادوريان هو رئيس المجلس الأرمني في الولايات المتحدة ومقرّه في مدينة غلينديل، كاليفورنيا، وهو منظمة ترمي إلى ترقية الحقوق المدنية للجالية الأرمينة الأميركية. وُلد خاتشادوريان في الشرق الأوسط ويعيش بعض أفراد عائلته في لبنان وسورية ومصر.

أجرت "ديوان" مقابلة معه في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر للاطّلاع على ردود فعل الشتات الأرمني في العالم العربي حول نزاع ناغورنو-كاراباخ، وتحديداً حول التسوية التي وضعت حدّاً لجولة القتال الأخيرة.

مايكل يونغ: أدّى أرمن الشتات دوراً حاسماً في الصراع الذي شهده مؤخراً إقليم ناغورنو-كاراباخ. ما كانت ردة فعل الجاليات الأرمنية في العالم العربي تحديداً في هذا الصدد؟

سيفاك خاتشادوريان: لم يُفاجأ أرمن الشتات عموماً، سواء في أميركا أو أوروبا أو العالم العربي أو دول الاتحاد السوفياتي سابقاً، باندلاع حرب جديدة في إقليم ناغورنو-كاراباخ بدأت مع هجوم شنّته أذربيجان. صحيحٌ أن باكو تحاول منذ سنوات تقدير الجهوزية القتالية لأرمينيا وإقليم أرتساخ، لكننا صُدمنا بهذه الدرجة الكبيرة من العدائية، والتدخّل التركي السافر، ومشاركة مرتزقة سوريين في القتال، وقلة اهتمام المجتمع الدولي بالنزاع.

بذلت جاليات الشتات الأرمني، العالم العربي وخارجه، جهوداً حثيثة على المستوى الإنساني. لكن الحوارات التي أُجريت مع أفراد العائلة والأصدقاء والزملاء في المنطقة أظهرت جانبًا آخر من المسؤولية في أوساط الجاليات الأرمنية. فالتدخّل التركي لم يُظهر للأرمن فحسب أن النزاع قد يتسبّب بحدوث مذبحة أرمنية جديدة، بل أماط اللثام أيضاً عن محاولة لإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية من خلال طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان ونزعته القومية التركية. لذا، سعى الأرمن في العالم العربي إلى تحذير العرب من مغبّة الرغبة التركية في الهيمنة على المنطقة سياسياً واقتصادياً، ولا سيما أنها في عهد أردوغان أثارت، أو حاولت على الأقل، إشعال فتن في العراق وسورية وليبيا ودول الخليج ولبنان، وهي تسعى لأن تصبح قوة إقليمية عظمى تفرض إرادتها على الجميع.

يونغ: هل تعتبر الجاليات الأرمنية في العالم العربي أن دورها يتضاءل في الشرق الأوسط، لذا أصبحت أكثر انشغالاً بالتطورات في جنوب القوقاز، وتحديدًا أرمينيا ومحيطها؟

خاتشادوريان: لا، بل على العكس، يعتبر أرمن الشرق الأوسط أنهم جزء لا يتجزأ من الدول التي يعيشون فيها. وينظرون إلى النزاع في جنوب القوقاز، ولا سيما التدخّل التركي ومشاركة مرتزقة من المنطقة، على أنه امتداد للسياسة التركية التي اختبروها بدرجات متفاوتة كمواطنين في الدول التي يقطنون فيها. فعلى مدى سنوات، تصدّى الأرمن في سورية والعراق، ولا يزالون، للتعدّيات العسكرية التركية، فيما لم يغب عن أرمن لبنان ومصر ودول الخليج تعاظم الطموحات السياسية التركية بشكل مطّرد.

قبل تصاعد حدّة الصراع في ناغورنو-كاراباخ، واجه أرمن لبنان على سبيل المثال حملات مناهضة لهم مدعومة من تركيا، إذ أطلق بعض الأفراد شعارات عنصرية ضدّهم وأشادوا بالإيديولوجيا العثمانية وتركيا، وخصوصًا أردوغان. وتلجأ أنقرة إلى مثل هذا النهج من أجل نسج عدو خيالي في الداخل، يتمثّل في الأرمن اللبنانيين، لأولئك الذين يعتقدون بأنهم غير ممثلين في النظام السياسي اللبناني، ويتبنّون سردية العثمانية الجديدة وينظرون إلى أردوغان باعتباره منزّهاً عن الخطأ. ببساطة، تُعتبر هذه الدعاية، فضلاً عن الأعمال الخيرية المخصّصة حصراً لأولئك الذين يعتنقون هذه السردية، من بين الوسائل التي تستخدمها تركيا لكسب النفوذ وفرضه على الدوائر السياسية اللبنانية. بيد أن هذه الممارسات لم تثبط زخم الأرمن اللبنانيين الذين لا يزالون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اللبناني، ويعتبرون أن دورهم في البلاد مهم كلبنانيين.

وهكذا، انطوى ردّ فعل الأرمن المقيمين في الدول العربية تجاه نزاع ناغورنو-كاراباخ على بعدين: فهم أرادوا تحقيق نتيجة إيجابية لصالح وطنهم التاريخي وإضعاف الخصم التركي. واعتبروا أن النزاع ومجرياته والاستجابة الدولية له مؤشرات لما سيحصل في المستقبل. فامتناع المجتمع الدولي عن التنديد الحازم بجرائم الحرب المُرتكبة أو بمشاركة مرتزقة في القتال إلى جانب التحالف التركي-الأذربيجاني شرّع الأبواب فعلياً لاحتمال انتشار مثل هذه الممارسات بشكل أكبر في المنطقة.

يونغ: لم يرحّب الأرمن طبعاً بخروج تركيا منتصرةً من صراع ناغورنو-كاراباخ. كيف يؤثّر ذلك، برأيك، على وضع الأرمن في الدول العربية التي تضطلع فيها تركيا بدور متعاظم؟

خاتشادوريان: من المستبعد أن يؤثّر خروج تركيا منتصرةً من النزاع على الأرمن في الدول العربية. فهم يتحدّرون من أولئك الذين شهدوا الإبادة الجماعية الأرمنية، وبالتالي لطالما أزعجهم تعاظم النفوذ التركي في العالم العربي. سيبقى الأرمن إلى الأبد ممتنين للدول العربية التي رحّبت بأجدادهم واحتضنتهم وقدّمت لهم المساعدة. لهذا السبب يشعر الأرمن بالواجب إزاء الأوطان التي تبنّتهم، ويعتبرون أن عليهم تحذيرها من مغبّة الوقوع في شباك السياسة الخارجية التركية الطموحة دائماً. خلاصة القول إن الأرمن باتوا الآن أكثر قناعة بأن السياسة الخارجية التركية المرتكزة على التوّسع والسيطرة لا تشكّل خطراً على وطنهم التاريخي وحسب، بل تهدّد أيضاً الأوطان التي رعتهم واحتضنتهم.

يونغ: هل ستؤثر هزيمة ناغورنو-كاراباخ على العلاقات بين يريفان والجاليات الأرمنية في العالم العربي؟ وكيف ذلك؟

خاتشادوريان: شكّل خبر التسوية أُحادية الجانب التي تم التوصّل إليها بالوساطة لإنهاء الحرب صدمة للجاليات الأرمنية كلها. لكن الجالية الأرمنية العالم العربي ليست كتلة واحدة متراصة، بل تضم، على غرار سائر جاليات الشتات، الكثير من المنظمات ووجهات النظر المختلفة والرغبات المتنوعة. لذا، تسود خلافات بين المجموعات الأرمنية حول الإجراءات السياسية والعسكرية التي اتُّخذت قبل الحرب وخلالها، وتلك التي يجب اتخاذها في المستقبل. وفيما تتفاقم هذه الخلافات الآن بسبب خطورة التسوية وتداعياتها وعدم مرور وقت طويل عليها، لا شكّ أن الجميع يجمع على أهمية الحفاظ على سلامة أرض الأجداد وأمن شعبها. إذاً، ثمة تحديات تُحدق بالروابط التي تجمع يريفان ومجموعات الجالية الأرمنية في العالم العربي على المدى القصير، بيد أنها لن تلحق ضرراً طويل الأمد بهذه العلاقات.

يونغ: ما العبر التي يمكن استخلاصها من هذا الصراع بعد أن تم التوصّل إلى اتفاق؟

خاتشادوريان: هذا الاتفاق من جانب واحد، ولا يعالج العوامل الأساسية التي أطلقت شرارة النزاع الأولى ووسّعت نطاقه وأدّت إلى اندلاعه من جديد. وسيتأجّج هذا الصراع مجدّداً ويشعل إوار حرب أخرى، إن لم يتمّ تعديله ليشمل قضايا أساسية مثل المعاناة الإنسانية والعنصرية والحق في تقرير المصير.

لم يفشل المجتمع الدولي وحسب في درس إجراءات استباقية تمنع نشوب النزاع، بل عجز أيضاً عن اتّخاذ خطوات حاسمة لفرض وقف إطلاق النار. وقد أدّى هذا الفشل إلى فقدان الثقة بالهيئات الدولية، وإلى إدراك أرمينيا والشتات الأرمني لأوجه القصور التي شابتهما خلال الصراع. ويشعر الأرمن في العالم العربي وكأنهم يحاربون في جبهة أمامية أخرى الدعاية والمعلومات المغلوطة التي تنشرها تركيا وأذربيجان، وسياستهما الخارجية العدوانية بشكل صارخ.