حقّق طلاب علمانيون مستقلون انتصارات مدوّية في الانتخابات التي شهدتها جامعات لبنانية عدة. وبما أن الانتخابات الجامعية في لبنان تشكّل مؤشّرًا على مايمكن أن تؤول إليه الانتخابات النيابية المقبلة، ينبغي على كل من يسعى إلى تغيير السلطة السياسية القائمة أن يقرأ بتمعّن نتائج الانتخابات الراهنة.

في خطوة غير مسبوقة، حصد المرشحون الذين يعرّفون عن أنفسهم كعلمانيين مستقلين عددًا كبيرًا من مقاعد المجالس الطالبية في كلٍّ من الجامعة اللبنانية الأميركية، والجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة القديس يوسف، وغيرها. اعتنق هؤلاء الطلاب هوية سياسية "علمانية" تتعارض بشكل قاطع مع النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة بين الطوائف الكبرى في البلاد.

ينصّ هذا النظام الطائفي على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحيًا مارونيًا، ورئيس الحكومة مسلمًا سنيًّا، ورئيس مجلس النواب مسلمًا شيعيًا، ويتألف المجلس من 128 نائبًا موزعين أيضًا بحسب الانتماء الطائفي. يُضاف إلى ذلك أن الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية، بدءًا من الزواج والطلاق ومرورًا بحضانة الأطفال ووصولًا إلى الميراث، تخضع كلها إلى القوانين الخاصة بكل طائفة.

يعتبر الطلاب العلمانيون أن أصل الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعانيها لبنان يُعزى إلى النظام الطائفي، ويرَوْن أن العلمانية، التي يعرّفونها بأنها فصل الدين عن الدولة، تعبّد المسار الوحيد نحو الإصلاح الحقيقي. تبنّى هؤلاء الطلاب شعارات عدة من بينها "قاومنا النظام"، ذلك أنهم يحمّلون النظام القائم لائمة الانهيار الاقتصادي في البلاد، ومسؤولية الانفجار الضخم الذي دمّر مرفأ بيروت وعشرات شوارع العاصمة في 4 آب/أغسطس الفائت.

إضافةً إلى حجم الانتصارات التي حصدها الطلاب العلمانيون في الانتخابات الجامعية، كان مُلفتًا إعلان الكثير من أحزاب السلطة انسحابها من السباق الانتخابي في جامعات عدة قُبيل تاريخ الاستحقاق. ففي جامعة القديس يوسف، إحدى أعرق الصرح التعليمية في لبنان، والتي أسّسها الرهبان اليسوعيون في العام 1875، فازت لائحة "طالب" المستقلة بـ39 مقعدًا (من أصل 101 ترشحت عليها) بالتزكية حتى قبل البدء في إدلاء الأصوات، وذلك لأنها ببساطة لم تلقَ منافسة من أحد، على عكس السنوات السابقة حين كانت تُخاض منافسات شرسة على هذه المقاعد. وهكذا، بلغ مجموع المقاعد التي حصدتها لائحة "طالب" 85 مقعدًا، كما فازت برئاسة جميع الكليّات التي خاضت السباق عليها، وهي اثنتا عشرة كليّة.

أما في الجامعة الأميركية في بيروت، فقد أصدرت النوادي الطالبية التابعة لأحزاب السلطة بيانات أعلنت فيها مقاطعة الانتخابات هذه السنة بحجة عدم انتظام العام الدراسي نتيجة وباء فيروس كورونا، ومُشكِّكةً في فعالية التصويت الإلكتروني. لكن الفوز الكاسح الذي حقّقه الطلاب العلمانيون وقرار الانسحاب من الانتخابات يشيران إلى رفض شرائح واسعة من الشباب اللبنانيين أحزاب السلطة. ومع أن هذه الأحزاب لطالما ركّزت على العمل الجامعي بحثًا عن كوادر مُحتملين، يبدو أن قرارها الاستراتيجي بمقاطعة الانتخابات نابعٌ من رغبتها في تجنّب الإذلال بعد أن فشلت في إقناع عدد كافٍ من الطلاب بالانضمام إلى صفوفها.

لا شكّ أن أحزاب السلطة تولي اهتمامًا كبيرًا للانتخابات الطالبية، التي ترتدي أهمية خاصة لأنها حملت تاريخيًّا دلائل عن رياح التغيير التي هبّت على لبنان. فإذ نعود بالزمن إلى الوراء، نرى أن انتفاضة الاستقلال التي شهدتها البلاد في ربيع العام 2005 لعبت دورًا حاسمًا في انسحاب القوات السورية من البلاد عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وبحلول فصل الصيف من العام نفسه، فازت كتلة المعارضة الداعمة لانتفاضة الاستقلال بالانتخابات النيابية الوطنية، وألحقت هزيمة بالقوى السياسية الموالية لسورية التي هيمنت على المشهد السياسي الداخلي منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1990.

قبل بضعة أشهر من هذا الفوز البرلماني، كان يمكن لمن تابع نتائج الانتخابات الجامعية آنذاك أن يلاحظ مؤشرات واضحة على ما ستؤول إليه الأمور. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2004، فاز تحالف مؤيد للاستقلال في الجامعة الأميركية في بيروت بغالبية المقاعد في انتخابات المجلس التمثيلي. وكان نائب رئيس لجنة الجامعة للأساتذة والطلاب، وهو أعلى منصب يمكن أن يتولاه طالب عبر الانتخابات، ناشطًا في التيار الوطني الحر. وبذلك، فاز هذا التيار المناهض لسورية آنذاك بهذا المقعد للمرة الأولى، مسجّلًا انتصارًا على مستوى الانتخابات الجامعية.

بعد العام 2005، باتت الانتخابات الطالبية تشهد استقطابًا متزايدًا. فالانقسامات الحادة بين تحالفَي 14 آذار المؤيد للاستقلال، و8 آذار الموالي لسورية، هيمنت على المشهد السياسي، وكذلك على الانتخابات الجامعية، لنحو عقد من الزمن. ودارت اشتباكات بين الطلاب المؤيدين لكلا التحالفين مع اقتراب موعد الانتخابات، مثل الإشكال الذي وقع في جامعة القديس يوسف في العام 2009.

تكرّر المشهد نفسه في الجامعة هذا العام، إلا أن ذلك لم يمنع العلمانيينالمستقلين من الفوز برئاسة المجلس الطلابي في كلية الحقوق والعلوم السياسية. وشكّل ذلك نجاحًا غير مسبوق في كليّة سمّاها طلاب القوات اللبنانية "جامعة بشير الجميّل". وكان الجميّل، الذي درس هناك، قائدًا للقوات اللبنانية ثم انتُخب رئيسًا للبلاد في آب/أغسطس 1982 قبل أن يتم اغتياله بعد ثلاثة أسابيع.

وبعد عشر سنوات من الخصومة بين معسكرَي 8 و14 آذار بدءًا من العام 2005، قرّرا حشد قواهما وتشكيل تحالف يضم أحزاب السلطة في الكليات الجامعية. أما اليوم، فيبدو أنلعبة معارضة النظام أصبحت حكرًا على الطلاب العلمانيين المستقلين المصرّين على التغيير عبر الحراك المناهض للمنظومة القائمة. فإضافةً إلى فوزهم في جامعة القديس يوسف، حصدوا مجدّدًا هذا العام مقعد نائب رئيس لجنة الجامعة للأساتذة والطلاب في الجامعة الأميركية في بيروت، وفازوا في الجامعة اللبنانية الأميركية بكل المقاعد التي ترشحوا عنها وأطاحوا بممثلي أحزاب السلطة في الانتخابات التي جرت في 9 تشرين الأول/أكتوبر.

تبعث هذه الانتصارات المتتالية الأمل في نفوس جميع من يتمنّى التخلّص من أحزاب السلطة، بانتظار كيف سيحوّل الطلاب انتصاراتهم إلى حركة وطنية قادرة على انتزاع غالبية مقاعد البرلمان. في الانتخابات الطالبية التي جرت في خريف العام 2017، كان الفوز المدوّي أيضًا حليف الطلاب العلمانيين. لكن، على الرغم من التفاؤل العارم آنذاك، لم تظهر النتائج نفسها في الانتخابات البرلمانية بعد بضعة أشهر في العام 2018.

لكن الطلاب العلمانيين الشباب متفائلون بأن ما ستحمله السنوات المقبلة سيكون مختلفًا. فهُم يَعتبرون أن "ما بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر ليس كما قبله"، في إشارة إلى الثورة الشعبية التي اندلعت في العام 2019 ضدّ النظام السياسي اللبناني وقادته الطائفيين.