شريف محي الدين باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على قضايا مصر وشمال أفريقيا. كتب مؤخرًا مقالًا لكارنيغي حول الرعاية الصحية في مصر، بعنوان: "الرعاية الصحية في المناطق الحدودية المصرية: عندما لا يكون المال وحده كافياً". يشكّل المقال جزءًا من مشروع أوسع أطلقه كارنيغي حول المناطق الحدودية، بدعمٍ من شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية الذي يحظى بتمويل من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة. أجرت "ديوان" مقابلة مع محي الدين في أوائل كانون الأول/ديسمبر للنقاش حول مقاله هذا.

مايكل يونغ: نشرت مؤخرًا مقالًا لكارنيغي حول الرعاية الصحية في المناطق الحدودية المصرية. ما الفكرة الرئيسة التي طرحتها؟

شريف محي الدين: أشرتُ في المقال إلى وجود سرديّتين متناقضتين حول وضع الخدمات الصحية في المناطق الحدودية في مصر. تنتشر السردية الأولى على نطاق واسع داخل المجتمعات المحلية الحدودية، وتصوّر تردّي الخدمات الصحية كامتداد للإهمال الذي تعانيه تاريخيًا هذه المناطق. في المقابل، تعتبر السردية الثانية أن الخدمات الصحية داخل المناطق الحدودية ممتازة. أما الحقيقة فتكمن في منزلة ما بين هاتين الروايتين. بعبارة أخرى، يبدو أن تدنّي مستوى الرعاية الصحية في هذه المناطق يُعزى بشكل أساسي إلى سوء إدارة المنظومة الصحية، ولا ينمّ عن إهمال متعمّد.

يونغ: هل من الدقيق القول إن المناطق الحدودية مهمّشة على صعيد الرعاية الصحية؟

محي الدين: صحيحٌ أن جودة الرعاية الصحية هي دون المستوى المطلوب في أوساط المجتمعات الحدودية. لكن الدولة أنفقت أموالًا كثيرة منذ ثورة العام 2011 لتحسين الخدمات الصحية عمومًا، ولبناء منشآت صحية جديدة في المناطق الحدودية خصوصًا، ناهيك عن أنها تعمل راهنًا على إنشاء منظومة شاملة للرعاية الصحية تغطي كافة الأراضي المصرية. وفي المرحلة الأولى، خصّصت الحكومة حوالى 23.5 مليار جنيه مصري (1.5 مليار دولار) لتطوير البنى التحتية الصحية في ست محافظات تُعتبر طَرْفية.

لكن زيادة مصاريف الدولة على القطاع الصحي لم تحسّن بشكل ملحوظ مستوى الخدمات الصحية. ولا تزال المجتمعات الحدودية تشعر بوطأة التهميش حتى في ظل مساعي السلطات إلى تجنّب ذلك. لذا، على السلطات المصرية البحث عن وسائل أفضل لمعالجة السخط المحلي.

يونغ: برأيك، ما أبرز العوائق التي تحول دون توفير رعاية صحية عالية الجودة في المناطق الحدودية؟

محي الدين: تكمن المشكلة الأساسية في غياب الأطباء الأكفّاء، وذلك لأسباب عدة. يُعزى السبب الأول إلى تراجع أعداد الأطباء الذين يعملون في المستشفيات الوطنية والعيادات الحكومية التابعة لوزارة الصحة، وتفضيلهم العمل في القطاع الخاص أو الهجرة إلى دول مثل المملكة العربية السعودية وألمانيا والمملكة المتحدة.

ثانيًا، يشكّل معظم الأطباء العاملين في المناطق الحدودية جزءًا من نظام التكليف شبه الإلزامي، الذي يُلزَم بموجبه خريجو كليات الطب بالعمل لمدّة عامٍ أو اثنَين في مستشفى أو عيادة تابعة لوزارة الصحة كي يتمكنوا من الانخراط في القطاع العام. ويفضّل الكثير منهم العمل في المنشآت الطبية الواقعة في المناطق الحدودية لأنهم يحصلون فيها على رواتب أعلى نسبيًا. لكن هناك، لا تتاح أمامهم فرص كثيرة للتدرّب مع أطباء متمرّسين لأن هؤلاء يعملون في غالب الأحيان في المدن المصرية الرئيسة. وهكذا، يفتقر الأطباء العاملون في المناطق الحدودية إلى المؤهلات والخبرات الواسعة في التعامل مع الحالات الخطرة. إذًا، فيما تحاول الدولة تجنّب تهميش المناطق الحدودية من خلال ضمان أن يعمل الأطباء فيها لفترة من الوقت، يشكو سكانها من غياب الرقابة المناسبة للتأكد من أن الأطباء يعالجونهم كما يجب.

يونغ: كيف واجهت الدولة المصرية تفشي فيروس كوفيد-19 في المناطق الحدودية؟

محي الدين: لجأت الدولة إلى إقفال المعابر الحدودية وفرض حظر تجوّل وإغلاق تام للمناطق. نظرًا إلى أن معظم المناطق الحدودية أقل اكتظاظًا من مدن وادي النيل، تُعدّ نظريًا أقل عرضة للتأثّر بالفيروس. مع ذلك، وجّه أبناء شلاتين، وهي أكبر مدن مثلث حلايب على الحدود مع السودان، في آب/أغسطس من العام الجاري، نداءات متكررة إلى الحكومة المصرية لتقديم المساعدة إليهم، معبّرين أن "الإهمال الطبي" تسبّبَ بارتفاع عدد الإصابات والوفيات. وكان مستشفى شلاتين قد اشترى أجهزة تنفّس اصطناعي لمعالجة المرضى المصابين بفيروس كوفيد-19، لكن في ظل غياب الأطباء المؤهّلين لتشغيل المعدّات، تُرِك المرضى لمصيرهم وانضموا إلى عداد الوفيات، وأمكن تجنّب ذلك. يشكّل هذا خير مثال على العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن غياب الأطباء الأكفّاء.

يونغ: حقّقت بعض المنشآت الصحية نجاحًا، مثل مركز جراحات القلب في أسوان الذي ذكرته في مقالك. ما العوامل التي ساهمت في نجاح هذه المنشآت؟ وكيف يمكن أن تصبح نموذجًا يُحتذى به للمنشآت الحكومية؟

محي الدين: نجح مركز جراحات القلب في أسوان في التصدّي للتحديات التي عادةً ما تواجه قطاع الرعاية الصحية في المناطق الحدودية. فقد وفّر بيئة ممتازة للأطباء، وسمح لهم بأن يستقروا ويعملوا سنوات عدّة في المركز الواقع في أسوان، جنوب مصر. فعلى عكس نظام التكليف الذي يُرسل الأطباء المتخرجين حديثًا إلى العمل في منشآت المناطق الحدودية من دون أن يتلقوا التدريب المناسب، يوفّر أطباء مركز جراحات القلب خدمات صحية أساسية لأبناء المناطق الحدودية وللمرضى من مختلف أنحاء البلاد.

كذلك، يستوفي المركز المعايير الدولية ويقدّم العلاج الطبي مجّانًا للسكان المحليين الذين يعانون أمراضًا خطيرة. يحظى هذا المركز إذًا بترحيب للجميع، ويشكّل نموذجًا ممتازًا يمكن أن تقتدي به المنشآت الحكومية، من حيث إعطاء الأولوية القصوى لجودة الرعاية الصحية وتوفير بيئة عمل إيجابية للأطباء.