كورنيليوس أدباهر زميل غير مقيم في كارنيغي-أوروبا. تركّز أبحاثه على السياسة الخارجية والأمنية، ولا سيما في ما يتعلق بإيران والخليج، وكذلك على الشؤون الأوروبية وعبر الأطلسية، ومشاركة المواطنين. باربرا ميتلهامر محلِّلة سياسية مستقلة ومستشارة مقيمة في برلين. تركّز على الأمن البشري، وعلى قضايا الجندر والسلام والأمن. وقد شارك كلاهما مؤخراً في وضع ورقة بحثية صادرة عن مؤسسة كارنيغي بعنوان A Feminist Foreign Policy to Deal With Iran? Assessing the EU’s Options (سياسة خارجية نسوية للتعامل مع إيران؟ تقييم خيارات الاتحاد الأوروبي). أجرت "ديوان" مقابلة معهما في مطلع كانون الأول/ديسمبر لمناقشة المواضيع المطروحة في الورقة البحثية.

مايكل يونغ: ما هي الحجّة الرئيسة في ورقتكما البحثية الأخيرة الصادرة عن كارنيغي حول وجوب اعتماد الاتحاد الأوروبي سياسة خارجية نسوية في التعاطي مع إيران؟

كورنيليوس أدباهر: تنطوي الخلاصة الجوهرية التي توصّلنا إليها على شقَّين، إذ حان الوقت لحدوث نقلة نوعيّة في كيفية تعاطي السياسة الخارجية الأوروبية مع التهديدات الأمنية المتصوَّرة؛ ويبدأ تحسين السياسات من الداخل. يقتضي الشق الأول نوع التفكير الجديد الذي يترافق مع المقاربة النسوية، والذي ينظر نظرة شاملة إلى وضع معيّن من أجل الكشف عن علاقات القوة الخفيّة، بما يشمل إنما أيضاً يتخطى أوجه اللامساواة الجندرية وتأثيراتها السلبية على المجتمع ككل. يستدعي ذلك مزيداً من التنوّع داخل دوائر صنع السياسات الأوروبية على مستوى الاتحاد الأوروبي وكذلك على مستوى الدول الأعضاء، فضلاً عن تعزيز مشاركة المجتمع المدني في تخطيط السياسات وتنفيذها.

باربرا ميتلهامر: صحيحٌ أن المساواة الجندرية هي مبدأ أساسي من مبادئ الاتحاد الأوروبي، غير أن آلية صنع السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي لا تراعي، في الجزء الأكبر منها، الجانب الجندري. وهذا ليس في مصلحة الاتحاد الأوروبي، لأن صنع السياسات القائمة على المساواة الجندرية والتنوّع يقود إلى نتائج أفضل.

يونغ: على ضوء العودة المحتملة إلى الاتفاق النووي مع إيران، تشيران إلى أن على الاتحاد الأوروبي توسيع الوسائل المتاحة أمامه للتعامل مع طهران. لكن ما مدى واقعية ذلك في ما يتعلق بحقوق المرأة نظراً إلى أن ما تسمّيانه "القالب الذي يتمحور حول الدولة، وتسيطر عليه الولايات المتحدة ويركّز على الأمن" سوف يطغى في الأغلب على جميع الاعتبارات الأخرى؟

أدباهر: إعادة إحياء الاتفاق النووي سهلة على الورق. يتعلق الأمر بالتزام الولايات المتحدة وإيران مجدداً بالبنود التي اتفقتا عليها قبل خمس سنوات. أما السياسة الخارجية النسوية فقد تهدف أيضاً إلى التمهيد لمفاوضات أوسع نطاقاً، لناحية المواضيع والدول المشارِكة، أي المفاوضات التي كان يُفترَض أن تستتبع هذا التفاهم الأوّلي.

ميتلهامر: بما أنك أتيت على ذكر حقوق المرأة، إنها بالطبع جزء لا يتجزأ من المقاربة النسوية، ولكن ينبغي ألا تُختزَل هذه المقاربة بمسائل من هذا القبيل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يعني تحقيق المساواة الجندرية تطبيق نظرة جندرية الطابع على برامج الدعم الاقتصادي والإغاثة الإنسانية من أجل تمكين المرأة وغيرها من المجموعات الهشّة التي تلقّت ضربة قاصمة بسبب العقوبات الاقتصادية وجائحة كوفيد 19.

يونغ: هلّا تشرحان ماذا يعني فعلياً النظر إلى مسائل "الأمن الصلب"، مثل الانتشار النووي والتصعيد العسكري الإقليمي، من منظور نسوي؟ بعبارة أخرى، هل ثمة فعلاً مقاربة نسوية للأمن أو للسياسة الخارجية؟ وفي هذه الحالة، ما هي مقوّماتها؟

ميتلهامر: ثمة تاريخ طويل من الحراك النسائي من أجل السلام، ومن التفكير النسوي، والمقاربات النقدية للشؤون الدولية، والتي ساهمت بما نسمّيه اليوم سياسة خارجية نسوية. تستند هذه السياسة إلى المبدأ الجوهري المتمثّل في المساواة الجندرية، وإلى إدراك أن عملية صنع السياسات، بما في ذلك السياسات الخارجية، فشلت حتى الآن في إشراك جميع المتضررين، أي الفتيات والفتيان والنساء والرجال على السواء، عبر الإصغاء إلى أصواتهم والاطلاع على حاجاتهم ومصالحهم، وأخذها في الاعتبار. فهذه المقاربة لا تسهم وحسب في تحليل صنع السياسات وتنويرها، إنما أيضاً في توجيه عمل الحكومات حول العالم.

تدحض المقاربة النسوية التمييز بين الأمن "الصلب" و"الناعم" على أساس أنه منحاز جندرياً إلى درجة كبيرة ويُحدّد الأولويات على نحو خاطئ. ففي أحيان كثيرة جدّاً، عانت المجتمعات، ولا سيما النساء ومجموعات مهمّشة أخرى، من النهج الدفاعي المزعوم في مواجهة التهديدات الأمنية "الصلبة". بدلاً من ذلك، السياسة الخارجية النسوية متجذّرة في مفهوم إيجابي للسلام والأمن يشتمل على أبعاد الأمن البشري، مثل التنمية العادلة والمستدامة، فضلاً عن الوئام الاجتماعي. وتشدّد هذه السياسة أيضاً على استحالة تحقيق السلام المستدام إلا عند معالجة جميع تلك الأبعاد.

أدباهر: تنأى المقاربة النسوية بشدّة عن استخدام الإجراءات العسكرية وغيرها من الإجراءات الإكراهية لتحقيق الأمن. فالقبول بهذه الإجراءات كأدوات سياسية مشروعة هو موضع اعتراض شديد من الباحثين والنشطاء النسويين. ولكن في حال اللجوء إلى القوة، لا بدّ أن يستند ذلك إلى تحليل سياقي يراعي الاعتبارات الجندرية، وأن يقترن بإجراءات تعالج العوامل البنيوية التي أدّت إلى التصعيد في المقام الأول.

في ما يتعلق بالأسلحة النووية وانتشارها، تدعو السياسة الخارجية النسوية إلى إلغاء جميع أسلحة الدمار الشامل، فيما تنتقد منظومة حظر الانتشار القائمة لامتيازاتها المضمَّنة التي تُعطي الأفضلية للدول المسلّحة نووياً والتي تحظى باعتراف رسمي. واقع الحال أن رفض هذه الدول التخلي عن أسلحتها النووية ومنع دول أخرى من حيازتها يولّد نظاماً دولياً مجحفاً وهرمياً يجب تصحيحه كي يصبح عالمنا خالياً من الأسلحة النووية.

يونغ: تدعوان الاتحاد الأوروبي إلى إثبات وجوده على نحوٍ أكبر في العالم. ولكن في ما يتعلق بتطبيق سياسة خارجية نسوية أكثر تجاه إيران، كيف ينسجم هذا التطلّع إلى إثبات الوجود مع ما تصفانه بـ"التحيّز الجندري المتأصّل في مصطلحات القوة"؟

ميتلهامر: هذه نقطة شائكة جدّاً، ولا سيما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. ففي بعض الأحيان، أُطلِقت أوصاف جندرية على استعداده الفطري للتعاون المتعدد الأطراف بدلاً من الانخراط في مناورات القوة، مثل المقارنة السيئة الذكر بين الولايات المتحدة التي لُقِّبت بـ"كوكب المريخ" وأوروبا التي لُقِّبت بـ"كوكب الزهرة". وفيما يبدو أن المنافسة الكبرى على النفوذ تطغى على النظام العالمي، يشعر الاتحاد الأوروبي بأنه مرغَم على "تعلّم لغة القوة"، بحسب ما جاء على لسان رئيسة المفوضية أورسولا فوندير لاين. ولكن يجب ألا يُساوى "إثبات الوجود المعزَّز" بالقدرة على السيطرة عسكرياً، بل يجب أن يُفهَم على أنه التصرف بذكاء وبشكل استراتيجي ومستدام.

أدباهر: تبدأ السياسة الخارجية النسوية بالتأمل الذاتي النقدي من أجل تكوين صورة أكثر اكتمالاً عن التحديات التي تلوح في الأفق. ومن خلال الفهم الواسع للأمن، عبر فك شفرة علاقات القوة (الدولية)، والاعتراف بالقدرة السياسية للمرأة وغيرها من المجموعات المهمّشة، تُقدّم السياسة الخارجية النسوية مقاربة أكثر فاعلية واستدامة. إضافةً إلى ذلك، المطلوب هو آلية إشراكية لصناعة السياسات تُمثَّل فيها جميع الفئات التي تتأثّر بالتبعات، ليس لأنه حقٌّ أساسي فحسب، بل يضاً لأن ذلك يولّد نتائج أفضل.

يونغ: ما المقوّمات التي يجب أن يرتكز عليها الاتحاد الأوروبي لاعتماد سياسة خارجية نسوية تجاه إيران؟

أدباهر: في ضوء التصعيد المتزايد في الخليج، ينبغي على صنّاع السياسات البحث عن استراتيجية شاملة ومستدامة لنزع فتيل التصعيد في المنطقة. لقد فشل الردع الوقائي والوسائل العسكرية في تحقيق ذلك. أما المقاربة النسوية فمن شأنها النظر أبعد من التنافس على النفوذ والملف النووي بحثاً عن فرص للتعاون وسبل تحقيق الأهداف الطويلة الأمد. تبدأ السياسة الخارجية النسوية في الداخل. بدايةً، يجب أن يحرص الاتحاد الأوروبي على ألا تعيد استراتيجياته وسياساته توليد أوجه اللامساواة الجندرية المتأصّلة في المنطقة.

ميتلهامر: في ما يتعلق بالسياسة الواجب اتباعها مع إيران، يقتضي ذلك ثلاثة تغييرات أساسية: أولاً، ينبغي على الاتحاد الأوروبي توسيع مقاربته وتكييفها مع طابع المنطقة. واقع الحال أن جائحة كوفيد 19 الكارثية تتيح فرصة لبناء الثقة بين الفاعلين الإقليميين من خلال الأمن الصحي والبشري. كذلك تكتسي المسائل البيئية وبصورة خاصة الشؤون البحرية في الخليج أهمية مشتركة للدول الساحلية. يمكن أن تساعد هذه الجهود على تعزيز دبلوماسية المسار الثاني غير الرسمية بهدف مناقشة الشؤون الأمنية الإقليمية. هذا فضلاً عن أن الدعم الاقتصادي الموجّه، مثل دعم قطاع الخدمات والشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، يمكن أن يؤدّي إلى نتائج مفيدة للنساء خصوصًا وللمجتمع ككل. يتيح انتخاب رئيس أميركي جديد إمكانية إدراج هذه المواضيع الأوسع نطاقاً في إطار مقاربة عابرة للأطلسي، بدلاً من أن يعتمد الأوروبيون نهجاً دفاعياً في مواجهة السياسات الأميركية العدوانية.

ثانياً، ينبغي على الاتحاد الأوروبي تذليل العقبات أمام تمثيل ومشاركة المرأة والمجموعات المهمّشة الأخرى في صنع السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي. وعلى الصعيد الداخلي في الاتحاد، يقتضي الوعي الجندري تقييم مختلف الوسائل والأدوات المستخدَمة لناحية تأثيرها الجندري على الأرض. وهذا ينطبق بصورة واضحة على استخدام الاتحاد الأوروبي المتزايد للعقوبات بصورة عامة (وضد إيران بين عامَي 2006 و2015). إضافةً إلى ذلك، ينبغي على الاتحاد الأوروبي الحرص على تأمين آلية لصنع القرارات تتّصف بالمساواة الجندرية وبقدر أكبر من التنوّع على مختلف المستويات. يتعلق ذلك، جوهرياً، بتحقيق نتائج أفضل.

وثالثاً، يتيح تعزيز المجتمع المدني الأوروبي والإيراني والعمل معهما مشاركة أوسع في إعداد سياسات أكثر شمولاً، فضلاً عن ممارسة تأثير دائم أكثر على الأرض. لا يقتصر ذلك على دعم المنظمات النسائية، وهو أمرٌ يصعب تحقيقه في إيران حيث النسوية هي من المحظورات السياسية، بل يشمل أيضاً دعم المنظمات الاجتماعية والبيئية.