تشهد دول العالم العربي مجتمعةً مستويات من النزاعات المسلّحة والأزمات الإنسانية والإنفاق العسكري هي من بين الأعلى في العالم.

فمنذ العام 2015 وحتى الحين، خاض أكثر من نصف الدول العربية الحروب (إما في الداخل أو مع الجوار)، أو شهد تدخّلًا عسكريًا في المجالين السياسي أو الاقتصادي، أو واجه خطر الانزلاق مجدداً إلى نزاع مسلّح. يُضاف إلى ذلك أن حوالى 40 في المئة من مجمل اللاجئين في العالم موجودون في العالم العربي، ناهيك عن أن العلاقات بين الدول العربية تتّخذ على نحو مطّرد شكل استعراض للقوة العسكرية. أما داخل الدول، فعسكرة الحياة السياسية المحلية تغذّي النزعة السلطوية وتفاقم الانتهاكات التي تتعرَّض لها حقوق المواطنين. وهي أحدثت كذلك اتّكالًا على التوظيف في القطاع العسكري كوسيلة لتوفير الرعاية الاجتماعية، ما زاد بالتالي تفشّي الفساد في قطاعات الدفاع.

وعلى الرغم من استثمارات هائلة في تعزيز القدرات العسكرية، تجاهد دول عربية كثيرة في تحقيق السلام والأمن لمجتمعاتها. وقد شهدت دول عدة تفكّك القوات المسلحة الوطنية، ما طرح تحديات إضافية على مستويَي إعادة بناء ودمج هذه القوات. كذلك، ظهر الكثير من الجهات العسكرية التابعة وغير التابعة للدولة، ما هدّد التماسك الاجتماعي، وولّد ممارسات اقتصادية افتراسية، وأضعف بشكل أكبر سيطرة الدولة. فالتدخل العسكري في السياسة يتعاظم في مختلف أرجاء العالم العربي، وكذلك التدخل العسكري الأجنبي المباشر في الدول العربية.

أخيرًا وليس آخرًا، تطرح جائحة فيروس كورونا تهديدًا جديدًا على مستقبل استقرار العلاقات المدنية العسكرية القائمة. كما أن التحديات الاقتصادية والمالية التي ازدادت حدّتها في جميع الدول العربية على مدى السنوات العشرين الماضية ستتأزّم أكثر في المقبِل من السنوات، إذ ستواجه الحكومات قرارات صعبة بين: إما الإنفاق على الشأن الاجتماعي والاستثمار الرأسمالي في الاقتصاد، أو الحفاظ على المعدلات العالية من الإنفاق العسكري.

تُعزى هذه التحديات، جزئيًا، إلى واقع أن القادة أو حفنة قليلة من صانعي القرار في معظم الدول العربية يتّخذون بشكلٍ منفرد قرارات حاسمة مثل الاستثمار في تعزيز القدرات العسكرية أو إعلان الحرب، من دون فتح نقاش عام أو الخضوع إلى المساءلة والمحاسبة. وهؤلاء القادة هم من المدنيين في الكثير من الأحيان. لكن النقص الحاصل في العالم العربي على مستويَي المعلومات المُثبتة والمعرفة المهنية حيال الشؤون الدفاعية لدى الهيئات الحكومية والبرلمانات والخبراء المدنيين من خارج الحكومة، لا نظير له في أي منطقة أخرى في العالم تقريبًا. يقوّض كل ذلك فاعلية ونجاعة صنع السياسات الدفاعية، ويحرم القوات المسلحة الوطنية من موارد وخبرات مهمة تشتدّ الحاجة إليها في كافة المجالات العملياتية والمؤسسية.

تُعدّ الخبرات المدنية في مجموعة واسعة من الاختصاصات في غاية الأهمية كي تتمكن القوات المسلحة الحديثة من العمل بشكل فعّال. وتشمل هذه الاختصاصات مجالات تقليدية، كالتخطيط الاستراتيجي ووضع ميزانيات طويلة الأمد، وصولًا إلى التحديات التكنولوجية والتنظيمية والعقائدية الناشئة عن الحروب الآلية والروبوتية والأمن السيبراني. كما تُعتبر عمليات صنع القرارات المستندة إلى البيانات وأنظمة تبادل المعلومات المتكاملة أساسية من أجل معالجة هذه القضايا، مع الإشارة إلى أنه ليس باستطاعة أي قطاع دفاعي في العالم اكتساب مثل هذه المهارات من دون انخراط جهات مدنية متنوعة.

في هذا الإطار، تعمد قطاعات الدفاع في جميع الدول التي تملك جيوشًا متقدّمة، سواء في الغرب أو روسيا أو الصين، إلى توظيف آلاف المهنيين المدنيين في المجالات المذكورة آنفًا، فضلًا عن عملها مع مدنيين أكفّاء من خارج الحكومة. ونتيجةً لغياب مثل هذا التعاون في الدول العربية، لا يزال أداء الكثير من قواتها المسلحة على أرض المعركة دون المستوى المطلوب، وتقف عاجزة عن توفيرالدفاع الوطني بتوازن بين الكلفة والفعالية.

ونادراً ما تستفيد قطاعات الدفاع العربية من المساعدات العسكرية الخارجية الضخمة التي تتلقّاها بفعالية عالية. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى غياب المحاسبة الفعلية على أدائها، وأيضًا إلى أن معظم قطاعات الدفاع لا تستعين بالمهارات المدنية الأساسية التي يمكن أن تساعدها على استقاء الدروس والإفادة من المساعدات المقدّمة. يُضاف إلى ذلك أنها ترفض خوض أي نقاش عام حول السياسة الدفاعية.

يُعتبر تعزيز دور المدنيين في الشؤون الدفاعية العربية إحدى الوسائل الواعدة لبناء علاقات مدنية عسكرية سليمة ومتوازنة، ما سيساعد في نهاية المطاف على تأسيس منظومة الأمن المفتوح التي من شأنها أن تحقّق مستقبلًا أكثر ازدهارًا وأمنًا للمجتمعات العربية. في هذا السياق، تشير الدلائل الأولية في الدول العربية التي تنامى فيها دور المهنيين المدنيين إلى تحسُّن المحاسبة والأداء الدفاعي.

هنا، لا بدّ من التطرّق إلى ثلاثة جوانب للمشاركة المدنية من شأنها تحقيق التوازن في العلاقات المدنية–العسكرية في الدول العربية. أولًا، يمكن تعزيز انخراط المدنيين من خلال فتح نقاش عام حول الشؤون الدفاعية، ما يسمح بترسيخ خطط إعادة الهيكلة والإصلاح العسكرية والمصادقة عليها. ولا يؤدي ذلك إلى توفير فرص للابتكار والإبداع وحسب، بل يساعد المجتمعات أيضًا على تفادي خوض المشاكل نفسها مرارًا وتكرارًا. ففي لبنان مثلًا، حيث تستعين القوات المسلحة أحيانًا بخبراء مدنيين في الشؤون الدفاعية، تبرز حلولجديدة من خلال التفاعل بين المدنيين والعسكريين.

ثانيًا، يُعتبر انخراط المدنيين في الشؤون الدفاعية حجر الأساس الذي تُبنى عليه الشراكة المدنية العسكرية. فالعلاقات المدنية العسكرية ذات المنفعة المتبادلة تتطلب خبرة مدنية ومشاركة مؤسساتية في الشؤون الدفاعية في دوائر المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والبرلمانات والدوائر المدنية الحكومية ووزارات الدفاع. فعلى سبيل المثال، أدرك القادة التونسيون ذلك، وبدأ المسؤولون المدنيون والعسكريون بالعمل معًا لمواجهة التحديات الأمنية المعقّدة.

ثالثًا، يسهم انخراط المدنيين في تحسين عملية تخطيط السياسات الدفاعية. صحيحٌ أن توافر الفرص والإرادة السياسية أمر ضروري، لكن من الأفضل أن يستند ذلك إلى عمل مسبق في مجالي تخطيط السياسات واستراتيجيات الإصلاح. مثلًا، تدرّس كليّة جديدة للدفاع في الإمارات العربية المتحدة القادة المدنيين والعسكريين جنبًا إلى جنب بهدف تطوير لغة مشتركة للتخطيط الاستراتيجي وصنع القرارات المرتبطة بالأمن الوطني. هذا الكادر من المفكرين الاستراتيجيين يرتكز على إرادة سياسية وطنية ترمي إلى صقل عملية تخطيط السياسات الدفاعية.

ختامًا، إن الجهود التي تبذلها أطراف عدة، من بينها برنامج العلاقات المدنية العسكرية فيالدول العربية في مركز كارنيغي، من أجل ترقية المشاركة المدنية في الشؤون الدفاعية العربية، تسهم في إنشاء بيئة تحدّ من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية والإنفاق العسكري، وترسم بالتالي معالم مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.