تُعتبر المشاهدات الميدانية من ضرورات عمل الباحثين الذين يدرسون ديناميكيات الحدود والمناطق الحدودية. لكن منذ آذار/مارس، ونتيجةً لجائحة كوفيد-19 والقيود المفروضة على السفر، أصبح الوصول إلى العديد من المناطق حول العالم صعبًا للغاية.

دفع هذا الواقع الباحثين إلى تعديل جذري في طريقة إجراء أبحاثهم. فقد علّق الفيروس جوانب عدّة من المسار البحثي، مثل ورش العمل والجلسات النقاشية والمقابلات الميدانية. وبهدف التعويض عن هذا النقص، عمد الباحثون إلى إقامة شراكات مع صحافيين وباحثين آخرين ومنظمات على الأرض، سعيًا لإيجاد طرق بديلة للحصول على المعلومات في ظل هذه الظروف الصعبة. وقد أتاح ذلك لهؤلاء الشركاء إمكانية التواصل مع جمهور عالمي من القرّاء. باختصار، وسط انشغال العالم بمكافحة فيروس كوفيد-19، مكّنت هذه الطرق الأفرقاء المحليين من إيصال أصواتهم.

لكن منح السكان المحليين على الأرض فرصة إسماع أصواتهم لا يعني بالضرورة تمكينهم سياسيًا، ولا أن الباحثين يسدون إليهم معروفًا. بل يسهم ذلك في بناء علاقات قوامها اكتساب المعارف القيّمة وتحليل الأحداث الاجتماعية من منظور محلي، أي ببساطة اتّباع مقاربة من أسفل إلى أعلى. أذكر أنني عندما بدأتُ العمل كباحث محلي، ورحتُ أنشر مقالات مع مركز كارنيغي في مطلع العام 2014، ركّز جانب من أبحاثي على كيفية مقاربة المعلومات الواردة من الميدان. فبتّ أعرف أهمية النظر إلى الأحداث المحلية بعيون السكان المحليين، بدلًا من فرض مفاهيم أو فرضيات من الخارج.

لكن العمل عن بعد ليس جديدًا. ففي سورية مثلًا، اتّخذ نظام الأسد منذ فترة طويلة خطوات عدّة لعزل البلاد عن العالم الخارجي، خوفًا من التهديد الذي قد تطرحه معلوماتٌ أو حقائق معيّنة، ونفّذ ذلك جزئيًا من خلال عرقلة الأبحاث الاجتماعية. لكن الحاجة إلى مثل هذه الأبحاث بدأت تتنامى منذ اندلاع الانتفاضة السورية في آذار/مارس 2011، ليس بسبب ضرورة فهم الآليات الكامنة وراء العنف وحسب، بل أيضًا لمعرفة كيفية منع اندلاع أعمال العنف في المستقبل.

عمومًا، يستند بناء المعارف إلى المنطق والعقلانية، فيما يرتكز العنف على الانفعالات والاندفاع الغريزي. وهكذا، مهّدت العدوانية التي أظهرها نظام الأسد تجاه الدقة في إنتاج المعارف، الطريق لممارسة العنف الشديد الذي شهدته سورية. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها أعمال العنف والنظام في حدّ ذاته، طوّر الباحثون طرقًا للعمل عن بعد من أجل رصد الأحداث وإبقاء سورية على اتصال بالعالم الخارجي، شملت إلى حدٍّ كبير العمل من خلال شبكات محلية.

أرغمت جائحة كوفيد-19 الباحثين على الاعتماد على هذه الطرق المُعدّة مسبقاً، وتعديل المنطق الذي تستند إليه أبحاثهم، والتفاعل على نحو وثيق مع مختلف الجهات على الأرض. على سبيل المثال، أجريتُ دراسة بالتعاون مع صحافي مقيم في تركيا، في إطار عملي على مشروع حول الحدود السورية-التركية. وأجرينا معًا العديد من المقابلات مع جهات محلية ومع بعض المواطنين، ونظّمنا بعدها جلسة نقاشية افتراضية دعونا إليها أشخاصًا مطّلعين على الديناميكيات الحدودية. ولم تكن النتيجة مجرّد مقال عن الحدود السورية-التركية، بل مشروعًا جماعيًا حول قضية أثّرت بشكل مباشر على حياة السكان المحليين وأثارت اهتمام قرّاء من خارج سورية.

صحيحٌ أن الباحثين بنوا شراكات مع جهات فاعلة على الأرض، إنما جمعتهم أيضًا روابط مع منظمات المجتمع المدني المحلية. على سبيل المثال، أعدّ حاليًا دراسة حول الحدود السورية-العراقية بالتعاون مع زميل لي، تستند جزئيًا إلى معلومات استقيناها من تواصلنا مع منظمتين من المجتمع المدني تعملان على الأرض. وقد وصلتنا هاتان المنظمتان بكل سخاء بأشخاص يمكننا التعاون معهم، وعملتا معنا على تحليل المعلومات ووضعها في سياقها المناسب، وهما منظمة "مسارات" للتنمية الثقافية والإعلامية، التي تُعنى بدراسة الأقليات والذاكرة الجماعية وحوار الأديان في العراق، ومنظمة IMPACT التي تركّز على قضايا مرتبطة بالمجتمع المدني والأبحاث الموجّهة نحو السياسات، ويندرج تحليل السياقات ضمن المواضيع الأساسية في برامجها. ولا شك في أن التعاون مع مثل هذه المنظمات يسهم في ضمان جودة المعلومات التي يتمّ جمعها خلال النقاشات المنتظمة حول الأحداث المحلية.

مع أن القيود المفروضة لمواجهة جائحة كوفيد-19 حرمت الباحثين من إمكانية القيام بالمراقبة الإثنوغرافية، نجح نموذج الشراكة الذي أفرزه هذا الواقع في إشراك مختلف الجهات في عملية إنتاج المعارف. يُشار أيضًا إلى أن هذا النموذج البحثي يشكّل صلة وصل بين القضايا والجهات المحلية وبين مراكز أبحاث عالمية تحظى بجمهور كبير من القرّاء حول العالم، ما يوفّر لهم فهمًا أدق للأحداث والديناميكيات التي ترسم معالم المنطقة.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.