البروفسور سليم أديب اختصاصي في علم الأوبئة ذو تدريب طبي حائز على دكتوراه في الصحة العامة في العام 1991 من جامعة ميشيغان في مدينة آن أربور. كان بين عامَي 2010 و2012 مديرًا لدائرة الصحة العامة في إمارة أبو ظبي. وفي العام 2013، عمل خبيرًا مهنيًا دوليًا في دائرة الأمراض غير المعدية في المكتب الإقليمي لشرق المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية في القاهرة. كان أديب عضوًا في مجلس الجمعية الدولية للأوبئة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 2014 إلى 2021، وهو عضو في المجلس التنفيذي لجمعية علماء الأوبئة الفرنكوفويين منذ العام 2017. أديب هو حاليًا أستاذ مادة علم الأوبئة وطب المجتمع في الجامعة الأميركية في بيروت. في العام 2017، شارك في تأسيس حزب "سبعة" الإصلاحي الديمقراطي الاجتماعي اللبناني (www.sabaa.org)، حيث يتولى حاليًا منصب رئيس حكومة الظل. أجرت "ديوان" مقابلة مع أديب في أواخر كانون الثاني/يناير للوقوف على وجهة نظره بشأن أزمة كوفيد 19 في لبنان.

مايكل يونغ: كيف تُقيّم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة جائحة كوفيد 19 في لبنان؟

سليم أديب: مرّت الاستراتيجية التي اعتمدها لبنان في مرحلتَين مختلفتين. الأولى بدأت مع التبليغ عن أول إصابة مؤكّدة بفيروس كورونا في أواخر شباط/فبراير 2020، والثانية بدأت في أيار/مايو 2020 وما زالت مستمرة.

خلال المرحلة الأولى، كان حجم الوباء لا يزال محدودًا نسبيًا، وانطبعت هذه المرحلة بانتشار الفيروس في مجموعات محددة تتمحور حول إصابات لمسافرين آتين من الخارج. وقد تعاملت الحكومة مع الوضع من خلال سلسلة من الإجراءات الجذرية التي شملت التوقيف الكامل لحركة السفر البرّية والبحرية إلى لبنان. وتكلّلت هذه المرحلة بنجاحٍ نسبي.

بعد ذلك، سيطر على الحكومة سلوكٌ احتفالي بالنصر، وأُعيد فتح المطار بطريقة فوضوية نحو أواخر أيار/مايو 2020. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الاستجابة متذبذبة وغير متماسكة تقودها العواطف والانفعالات وتستند إلى إجراءات غير مبررة إلى حد كبير. لم يجرِ العمل على معالجات فعلية في المجالات المعرَّضة للخطر، مثل استجابة منظومة الرعاية الصحية أو منظومة الترصد الهشّة، ما أدّى إلى خروج الوضع عن السيطرة. وازدادت الأمور سوءًا بسبب الإفلاس المالي الذي يعانيه لبنان وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس الماضي. وإذا كان انتشار الوباء قد حافظ على مستويات معتدلة نسبيًا ويبدو أن مساره يتقدّم ببطء نحو نتيجة مؤاتية، فذلك يعود فقط إلى عامل الحظ ولا شيء سوى الحظ.

يونغ: ترزح المستشفيات اللبنانية تحت وطأة الأعداد الكبيرة للمرضى الذين يعانون مضاعفات الفيروس، ويعتبر كثرٌ أن ذلك يبرّر فرض إغلاق عام مشدّد. ولكن البلاد تشهد احتجاجات متزايدة، ولا سيما في أوساط الشرائح السكانية الأكثر فقرًا، اعتراضًا على الإغلاق الأخير الذي يمنع هؤلاء الأشخاص من كسب معيشتهم. ما هو برأيك الحل لهذه المعضلة؟

أديب: حتى في الظروف الطبيعية، لا تستطيع أي حكومة فرض إغلاق عام من دون إعداد شبكة أمان اجتماعي تكون بمثابة خطة طوارئ موجَّهة إلى الأشخاص الذين سيقعون في حالة من العوز الشديد. ولكن ذلك لم يتحقق. قد يُقال إن تأمين الحماية الاجتماعية في ضوء الظروف المالية العسيرة التي يمرّ بها لبنان متعذّر حاليًا. لذا، فالبديل هو التعاون مع القطاعات الاقتصادية المختلفة من أجل تحديد شروط السلامة التي يمكن أن تتّبعها بعض الأعمال والشركات لمواصلة العمل والحفاظ على حد أدنى من النشاط الاقتصادي. وهذا أيضًا لم يتحقق. لقد عمدت الحكومة إلى تعليق سداد الضرائب السنوية التي لم يكن أحد ليدفعها في مطلق الأحوال، ولكنها لم تحاول الحد من التضخم من خلال خفض الإنفاق العام التبذيري. وقد اضطُرّ الأطفال إلى متابعة التعلّم عن بعد من المنزل، إنما لم تُقدَّم أي مساعدة إلى الأسر الفقيرة كي تتمكّن من توفير الإنترنت لأطفالها مثلًا. يُعدّ الحرمان الاجتماعي إذًا خطرًا واضحًا وداهمًا تشعر به الشرائح السكانية الهشّة أكثر مما تشعر بتهديدٍ افتراضي يُشكّله فيروس. وعدم معالجة هذا الشعور بالحرمان يؤدّي إلى التململ والاضطرابات.

يونغ: هل من جهة في لبنان تتولّى جمع البيانات عن كوفيد 19 وتحليلها؟

أديب: الجهة التي يُفترَض بها جمع البيانات عن الوباء هي وحدة الترصد الوبائي في وزارة الصحة العامة. ولكن، منذ بداية تفشي الوباء، يتولّى مكتب منظمة الصحة العالمية في لبنان، ووحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، والصليب الأحمر اللبناني بجمع البيانات أيضًا. وفي معظم الأحيان، حصل تداخل وتناقض بين مجموعات البيانات في بعض النقاط، فيما تكاملت في نقاط أخرى. ولم يحصل تدقيق جدّي للتأكّد من صحة جميع هذه البيانات أو من طابعها الحاسم والنهائي. ولا تُجري أيٌّ من هذه الوكالات الحكومية تحليلات مُجدية للبيانات. لقد لاحظ المعنيّون الذين يستخدمون البيانات في إطار التحليلات والتوقعات عن الوباء، تراجعًا في نوعيتها عل ضوء الارتفاع في أعداد الإصابات واستمرار الوباء في التفشّي. في الوقت الراهن، جميع التحليلات عبارة عن تقديرات مستندة إلى آراء مطّلعة.

يونغ: هل كان إغلاق المدارس قرارًا صائبًا في ضوء ما كشفته الدراسات عن أن الأطفال لا يعانون في الغالب أعراضًا خطيرة في حال إصابتهم بفيروس كوفيد 19، وأنهم قد يشكّلون في الواقع حاجزًا أمام تفشّيه في المجتمع في حال إصابتهم به؟

أديب: كان إغلاق المدارس ليُعتبَر مبرَّرًا لو جرى في غضون ذلك تجهيزها وتدريب الموظفين من أجل خفض احتمال انتقال العدوى الفيروسية في قاعات التدريس إلى الحد الأدنى. لكن المدارس أُغلِقت من دون اتخاذ أي خطوات إضافية في هذا الصدد. ولم يتمّ التطرّق أبدًا إلى ما تسبّبَ به ذلك من لامساواة في التعليم. فالنتيجة المترتّبة عن إغلاق المدارس هي أن التلاميذ الذين ينتمون إلى أسر فقيرة خسروا سنوات دراسية، في حين أن أبناء الأسر الميسورة يمتلكون جميع الوسائل لمتابعة تعليمهم عن بعد، ويمكنهم أيضًا الاستعانة بأساتذة لإعطائهم دروسًا خصوصية في المنزل.

يونغ: يستعد لبنان للبدء بحملة تطعيم بواسطة لقاح "فايزر"، وقد اتخذ إجراءات تشمل إطلاق منصة للراغبين في تسجيل أسمائهم للحصول على اللقاح. ما موقفك من هذه الآلية؟

أديب: لقد أنشأت وزارة الصحة العامة لجنة للإشراف على عملية التطعيم. وقدّمت اللجنة خطة تطعيم هي أشبه بقائمة جاهزة مستمدّة نموذج منظمة الصحة العالمية. فلا تتضمن الوثيقة أي محاولة لتقدير عدد الأشخاص الذين يُتوقَّع أن تُعطى لهم الأولوية في الحصول على اللقاح. ولا تُحدّد الخطة جدولًا زمنيًا استنادًا إلى العقود المبرَمة. ولم يجرِ تأمين الموازنة الضرورية لإدارة عملية التطعيم، بدءًا من شراء اللقاحات ووصولًا إلى استيرادها وتوزيعها. يحيط الالتباس والغموض بالنقاشات حول المسائل المتعلقة بحفظ اللقاحات في درجات حرارة متدنّية، وتخزينها الآمن، والاتفاقات التي أُبرِمت مع مراكز التطعيم، والاعتبارات الخاصة التي يجب مراعاتها في تطعيم كبار السن.

ما يمكن توقّعه استنادًا إلى السلوكيات السابقة هو أن الجرعات الأولى التي جرى شراؤها بواسطة الأموال العامة سوف تصل إلى بيروت، ليُصار سريعًا إلى توزيعها على أفراد الطبقة السياسية وأزلامهم. أما باقي السكان فسوف يُترَكون لتدبّر أمورهم بأنفسهم وشراء اللقاحات المستورَدة من قبل جهات خاصة بأسعار السوق التي يتلاعب بها كبار مستوردي الأدوية. لحسن الحظ، بحلول ذلك الوقت، تكون مناعة القطيع قد بلغت العتبة المطلوبة لوقف تفشّي الفيروس.

يونغ: ما هي توقعاتك بشأن تطوّر الوباء في الأشهر المقبلة؟

أديب: بعد التفشي الفيروسي الذي تسببت به الفوضى في فصل الصيف، وتداعيات انفجار المرفأ، والاحتفالات التي رافقت موسم الأعياد، بلغت الإصابات ذروة جديدة في النصف الأول من شهر كانون الثاني/يناير 2021. ويبدو أن الذروة القصوى كانت نحو أواخر شهر كانون الثاني/يناير. تبذل جميع المستشفيات الخاصة مجهودًا كبيرًا يساهم، على نحو بطيء لكن بخطى ثابتة، في استيعاب الارتفاع في أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى عناية داخل المستشفى. لا تزال نسبة الوفيات إلى الإصابات أقل من 1 لكل 1000 إصابة، على الرغم من الزيادة في أعداد الوفيات. بحسب التقديرات، أصيب 30 في المئة من اللبنانيين حتى الآن بوباء كوفيد 19 وتعافوا منه، ما أكسبهم مستوى مهمًا من المناعة إلى حد ما.

ففي ظل فرض قيود أكثر تشدّدًا على الرحلات الدولية، والزيادة البطيئة إنما المطردة في أعداد الأشخاص الذين يحصلون على اللقاح من خلال وسائلهم الشخصية، والنسبة المتزايدة للأشخاص الذين يكوّنون مناعة طبيعية، ثمة احتمالٌ كبير جدًا بأن نصل بحلول أواخر آذار/مارس المقبل إلى عتبة الـ50 إلى 60 في المئة الضرورية للحدّ من انتشار العدوى في لبنان. بيد أن تجدُّد ارتكاب الهفوات من جانب الهواة في الحكومة التي يُفترَض بها إدارة الأزمة قد يؤدّي إلى استمرار هذه المحنة حتى صيف 2021.