بعد مسيرة حافلة ومتنوعة في عوالم النشر والإنتاج السينمائي وريادة الأعمال، توفي نعيم عطاالله في 2 شباط/فبراير عن عمر ناهز الـ89. وستبقى مكانته محفوظة في المشهد الأدبي في لندن بفضل حفلاته الباذخة والأحداث التي جمعته مع محرّرات شابات جميلات ومتعلمات أحاط نفسه بهنّ. لكن ما لا يكاد يُذكر عن رحلته المدوية منذ بداياته المتواضعة كمهاجر فلسطيني ووصولًا إلى نجاحاته كرجل أعمال تغلغل في أوساط المجتمع البريطاني الراقي، هو الدور الذي لعبه في أكبر فضيحة مالية شهدها الشرق الأوسط آنذاك.

بدأ عطاالله حياته المهنية في أواخر الخمسينيات كتاجر عملات أجنبية في مكاتب بنك Crédit Foncier d’Algérie et de Tunisie ثم أصبح مقرّبًا جدًّا من المصرفي الفلسطيني اللامع والمثير للجدل يوسف بيدس الذي أخذه تحت جناحه، وهو الرجل الذي جعل بنك إنترا اللبناني أكبر مصرف في المنطقة.

أسّس بيدس وثلاثة مستثمرين آخرين بنك إنترا في العام 1951 الذي أصبح في أوائل الستينيات مصرفًا بارزًا لديه فروع في الولايات المتحدة ومعظم العواصم الأوروبية والبرازيل وجزر البهاما وغرب أفريقيا. شملت أصول بنك إنترا عقارات فخمة في نيويورك وباريس وشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية وحوض بناء سفن كبير في فرنسا. وبدا أن هذا البنك خير تجسيد لعصر لبنان الذهبي.

على الرغم من النفوذ الذي تمتع به بيدس محليًا وإقليميًا، ضاقت المنظومة اللبنانية ذرعًا بهذا الفلسطيني الثري الذي لديه أملاك واسعة في لبنان. وفي العام 1966، في لحظة من العصبية ورهاب الأجانب، ساهمت السلطات اللبنانية في هندسة انهيار إنترا. أخبرني عطاالله حين أجريتُ معه مقابلة في لندن في شباط/فبراير 2006: "لقد ارتكب بيدس غلطة كبرى حين انخرط في السياسة. كان يسكر على متن طائرات شركة طيران الشرق الأوسط ويقول أشياء من قبيل: "أتى رئيس الجمهورية لزيارتي". كان ذلك مجرّد تباهٍ لكن لم يكن مستساغًا بتاتًا، ولا سيما إذا كنتَ فلسطينيًا، فهذا يجعل الأمور سوءًا، وتحديدًا في تلك المرحلة. كان عليه البقاء بعيدًا عن السياسة وتفادي التصريحات المتهورة".

كتب نجيب علم الدين، رئيس شركة طيران الشرق الأوسط والوزير الراحل في الحكومة اللبنانية، في سيرته الذاتية بعنوان "الشيخ الطائر" أن نائب حاكم مصرف لبنان آنذاك جو أورغورليان انتقد بيدس والأصول الضخمة التي راكمها من خلال بنك إنترا في اجتماع في واشنطن قائلًا: "لماذا فعلت كل هذا؟ من طلب منك ذلك؟ أنت لست لبنانيًا ولبنان لا يريدك أن تتحكم باقتصاده".

وحين حدث الانهيار كان سريعًا وقاسيًا. ففي أوائل شهر تشرين الأول/أكتوبر 1966، انتشرت تسريبات مفادها أن بنك إنترا متعثّر. وبحسب علم الدين صدرت في بادئ الأمر هذه الشائعات عن القصر الجمهوري ومكتب رئاسة الحكومة، ثمّ عن مؤسسات مالية منافسة لإنترا. وتسبّب ذلك بتهافت الناس لسحب أموالهم من البنك، وكان على مصرف لبنان أن يتدخّل، بيد أنه لم يحرّك ساكنًا. ومع أنه أنقذ مصارف لبنانية أخرى تعثّرت نتيجة الأزمة، رفض أن يمدّ حبل نجاة إلى بنك إنترا.

في حديث له عن هذه المرحلة، قال عطاالله: "كانوا يكرهون بيدس. فهو لم يكن من عائلة معروفة، وفجأةً بات الأقوى بينهم. أضف إلى ذلك أنه كان أجنبيًا. لا يمكن القول سوى أن انهيار بنك إنترا أفرحهم، فهذا الأخير كان يشكّل تهديدًا لهم، وكانوا عاجزين عن منافسته".

وفي خضم المعمعة القانونية التي أعقبت الانهيار، عُيّن عطاالله مسؤولًا عن ميراث بيدس، وهو دور طارده لعقود بعد ذلك. وفي العام 1995، أصدرت محكمة لبنانية استدعاءً باسم عائلة بيدس، متهمةً عطاالله بخيانة الثقة في تعاطيه مع تداعيات انهيار إنترا، لكنه حارب وفاز في القضية.

أخبرني عطاالله وفي صوته غمرة من الأحاسيس التي حاول إخفاءها: "هذه القضية برمتها أظهرت الفساد والنزعة الانتقامية المتأصلين في مجتمعنا، وكان بيدس الضحية". وأضاف: "عادةً حين يحصل تهافت لسحب الأموال من مصرف ما في أي اقتصاد متحضّر في العالم، يهبّ المصرف المركزي لنجدته، إذ يضع حدًا للشائعات ويحاول وقف انتشارها. لكن في قضية إنترا، لم يحرّك مصرف لبنان ساكنًا، مقوّضًا المصداقية المالية للبنان. ولا أعتقد أن البلاد تمكّنت من التعافي من تداعيات تلك الحادثة".

تعمّق علم الدين أكثر في تقييم الانهيار، واصفًا قضية إنترا بأنها كانت "بداية تفكّك لبنان [على يد] نظام فاسد في الأساليب والأخلاق، ابتُلي به لبنان منذ الاستقلال، وأغرقه في مستنقع الحرب الأهلية".

لا شكّ أن سمعة لبنان كمركز للعمليات المصرفية، تراجعت إلى حدّ كبير بعد الحرب الأهلية. وولّت إلى غير رجعة الأيام التي كان فيها لبنان للأموال بمكانة قناة السويس للشحن، كما وصفه بيدس بحذاقة. وبحلول العام 2016، بات بنك عودة المصرف اللبناني الأهم في المنطقة، محتلاً المرتبة التاسعة والعشرين. وكان القطاع المصرفي عالقًا في خضم مخطط بونزي ضخم، بدأت معالم انهياره في أواخر العام 2019. واليوم، يمرّ المشهد المالي اللبناني بأسوأ أيامه.

وُصف يوسف بيدس بالمجرم، ودخل السجن، وفي نهاية المطاف توفي في سويسرا في العام 1968 مكسور الخاطر. من جهته، لم يضيّع نعيم عطاالله الوقت بل أعاد تشكيل صورته ولعب دوره الأهم وسط مجموعة جديدة من الشخصيات البارزة والنافذة في لندن في سبعينيات القرن المنصرم. مع ذلك، بقي مخلصًا للرجل الذي ناداه "بابا"، وأكّد مرارًا على أنه لم يستفد شخصيًا من أزمة إنترا على الإطلاق، على الرغم من تلميحه إلى أن بيدس لم يكافئه بالكامل على ولائه.

قال عطاالله عن بيدس: "كان يعدُني دومًا بأمور مستحيلة، قائلًا: بُكرا في المشمش"، أي سيتحقق ما تريده حين ينضج المشمش، لكن المشمش مع بيدس لم ينضج أبدًا".

مايكل كرم كاتب لبناني مستقل مقيم في المملكة المتحدة. وهو مؤلّف كتاب Tears of Bacchus: A History of Wine in the Arab World (دموع باخوس: تاريخ النبيذ في العالم العربي) (منشورات جلجامش، 2020).