ماذا حدث؟

أصبح تطبيق كلوب هاوس الجديد، القائم على الدردشة الصوتية والمتاح حصريًا في الوقت الراهن لمستخدمي نظام IOS الخاص بشركة آبل، التطبيق الأسرع انتشارًا في العالم. هذا التطبيق، الذي اقتصر استخدامه في آذار/مارس 2020 على روّاد أعمال سيليكون فالي، سُرعان ما تحوّل إلى إحدى أبرز منصات التواصل الاجتماعي. واليوم، يفوق عدد مستخدمي كلوب هاوس النَشِطين 10 ملايين شخص، بعد أن كانوا مليونين في كانون الثاني/يناير 2021 و600 ألف أواخر كانون الأول/ديسمبر، و1500 فقط في أيار/مايو 2020. وارتفعت من ثم قيمة "ألفا إكسبلورايشن"، الشركة الأم المالكة لكلوب هاوس، من 100 مليون دولار في أيار/مايو 2020 إلى مليار دولار في كانون الثاني/يناير 2021.


 

لماذا هذا الحدث مهم؟

لم تقتصر رقعة انتشار كلوب هاوس على الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وحسب، بل شملت أيضًا منطقة الشرق الأوسط، حيث نشأت المئات من غرف الدردشة المخصّصة لمناقشة مواضيع سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة.

في السعودية، مثلًا، بات كلوب هاوس تطبيق التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في متجر تطبيقات آبل. ونظرًا إلى أن الانضمام إليه يتطلّب دعوة خاصة، يبادر الكثيرون في المملكة اليوم إلى بيع دعواتهم عبر تويتر بأسعار تتراوح بين 4 دولارات و53 دولارًا. وفي أوائل شباط/فبراير،استخدم طلاب جامعيون في تركيا منصّة كلوب هاوس للتعبير عن معارضتهم قيام الرئيس رجب طيب أردوغان بتعيين أحد الموالين للحزب الحاكم رئيسًا لجامعة بوغازيتشي. وباطراد يتحول هذا التطبيق إلى أداة أساسية للحراك الاجتماعي في البلاد بعد سنوات من القمع الممنهج لحرية التعبير. كذلك، حقّق كلوب هاوس نجاحًا ملحوظًا في المشهد الرقمي المصري، إذ استضافت بعض غرف الدردشة التي ناقشت مواضيع متعلقة بمصر حوالى 2000 مستمع.

إذًا، تشهد غرف الدردشة الصوتية باللغة العربية على منصة كلوب هاوس العديد من النقاشات حول مختلف المواضيع المثيرة للجدل، بدءًا من القضايا السياسية، مرورًا بالمعتقدات الدينية، وصولًا إلى الميول الجنسية. ونظرًا إلى أن التطبيق يرتكز على الأحاديث الشفهية، فهو يكتسي طابعًا أكثر حميميةً من سائر تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر وإنستغرام. وقد ساهم كلوب هاوس في إضفاء طابع ديمقراطي أكبر على النقاشات، إذ يضع الشخصيات الشهيرة المؤثرة على قدم المساواة مع مستخدمين لديهم عدد قليل من المتابعين، ما عزّز جاذبية التطبيق في العالم العربي. وقد يفرز هذا الواقع تأثيرات كبرى على آليات ممارسة حرية التعبير، ومكانة وسائل الإعلام التقليدية، والعلاقات بين الدولة والمجتمع عمومًا.


 

ما المضاعفات للمستقبل؟

في مجتمعات الشرق الأوسط حيث تخضع وسائل الإعلام للرقابة، وتُكمّ الأفواه المعارِضة، ويُعتبر الاتصال الاجتماعي غائبًا أو ضعيفًا في ظل أنظمة حكم سلطوية، غالب الظن أن يعزّز تطبيق كلوب هاوس التواصل الاجتماعي، ويولّد نقاشًا مثمرًا حول القضايا الملحّة، مما يوطّد بشكل غير مباشر الأواصر الاجتماعية.

لقد ميّز الفيلسوف النمساوي-البريطاني كارل بوبر بين ما سمّاه "المجتمع المُنغلق" و"المجتمع المنفتح". ففيما يرتكز الأول على أنماط تفكير متحجّرة ومتجانسة، يشجّع الثاني الفكر الحر والتبادل المفتوح للأفكار والنقاش البنّاء. لذا، يأمل مستخدمو كلوب هاوس في الشرق الأوسط أن يشكّل هذا التطبيق خطوةً نحو بناء مجتمع أكثر انفتاحًا، قوامه الانعتاق من القيود الاجتماعية وتعزيز قيم التعددية الشاملة للجميع. أما منتقدو كلوب هاوس في المقابل، فيخشون من أن يزرع التطبيق بذور الشقاق، ويشعل جذوة الاضطرابات الاجتماعية. فبالنسبة لهؤلاء، لا تكمن الغاية المنشودة في ترقية حرية التعبير بل في ترسيخ القيم من خلال الحفاظ على قدسية الأديان وسلطة الدولة والتجانس الاجتماعي.

لا شكّ أن بعض الشخصيات المعارضة والناشطين الحقوقيين والمثقّفين في الشرق الأوسط سيستخدمون كلوب هاوس لخدمة أجنداتهم الخاصة وتعزيز نفوذهم. لذا، يُرجَّح أن تنظر المؤسسات الحاكمة إلى كلوب هاوس بعين الريبة، خوفًا من أن تستغلّه التنظيمات الإرهابية والقوى المعارضة لتحقيق مآربها الخاصة. وفي هذا الصدد، حذّر مقدّم برنامج تلفزيوني مسائي مصري من استخدام هذا التطبيق، زاعمًا أنه مُخترَق من قبل مجموعة إرهابية. إذًا، قد تعمد بعض الدول في المستقبل إلى حجب كلوب هاوس أو على الأقل إلى إبطاء وتيرة انتشاره، على غرار الصين التي حجبته في شباط/فبراير الماضي.

قد يصبح كلوب هاوس متاحًا هذا العام لغير مستخدمي نظام تشغيل IOS أيضاً، فيتدفّق إليه عدد متزايد من المستخدمين الجدد، وعندها لا شك أن استخدامه سيصبح مثار نزاع بين مناصري الاستقرار من جهة، والتوّاقين للحرية من جهة أخرى.