ألكساندر ميلياغرو-هيتشنز أستاذ محاضر في شؤون الإرهاب في قسم الدراسات الحربية في جامعة كينغز كولدج في لندن. وهو مؤلّف كتاب بعنوان Incitement: Anwar al-Awlaki’s Western Jihad (التحريض: الجهاد الغربي لأنور العولقي) صدر عن منشورات جامعة هارفرد في العام 2020. وشارك مؤخرًا مع سيموس هيوز وبينيت كليفورد في تأليف كتاب Homegrown: ISIS in America (الدولة الإسلامية في أميركا: ظاهرة محلية المنشأ) صدر عن منشورات أي. بي. توريس في العام 2020. أجرت "ديوان" مقابلة مع هيتشنز في أواخر شباط/فبراير للنقاش حول كتابه الأخير.

مايكل يونغ: شاركتَ مؤخرًا في تأليف كتاب بعنوان Homegrown: ISIS in America، حول اختراق تنظيم الدولة الإسلامية الولايات المتحدة وتنفيذ هجمات في البلاد. ما أبرز الحجج التي تقدّمها في الكتاب؟

ألكساندر ميلياغرو-هيتشنز: يحاول الكتاب أن يشرح كيف نجح تنظيم الدولة الإسلامية في الحفاظ على وجود مُلفت وإن محدود نسبيًا في الولايات المتحدة. حاولنا، من خلال الاستعانة بمجموعة متنوعة من المصادر الأساسية، مثل وثائق المحاكم ومقابلات مع أعضاء أميركيين سابقين في الدولة الإسلامية، رسم صورة مفصّلة ومتاحة للعامة حول الطرق التي يتبعها التنظيم لتجنيد عناصر جدد وإلهامهم على شنّ هجمات.

خلصنا إلى أن التنظيم، بعد أن دعا في البداية الأميركيين للانضمام إلى صفوفه في سورية، بات يسعى بشكل أساسي إلى إلهام الشباب رجالًا ونساءً على تنفيذ هجمات إرهابية منفردة في الولايات المتحدة. وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة عددًا من هجمات الذئاب المنفردة، مثل عملية الدهس بواسطة شاحنة صغيرة أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص في مانهاتن في تشرين الأول/أكتوبر 2017. ولم تكن لمنفّذ العملية روابط تجمعه بالدولة الإسلامية سوى متابعة منشورات التنظيم على الإنترنت. لكن دعاية الدولة الإسلامية شكّلت مصدر إلهام إيديولوجي له، إذ استوحى التكتيكات التي استخدمها من الكتيّبات التي أصدرها التنظيم ونشرها على نطاق واسع.

يجادل الكتاب أيضًا بأن دراسة حالة الدولة الإسلامية في الولايات المتحدة تعلّمنا دروسًا قيّمة مفادها أن الجماعات الإرهابية غير التابعة للدول قادرة على مواصلة نشاطها في بلدان لا تتمتع فيها بقاعدة شعبية تُذكر. ونظهر على نحو مفصّل كيف برع تنظيم الدولة الإسلامية في استخدام التقدّم المُحرَز على مستوى تكنولوجيا الاتصالات، مثل تطبيقات المراسلة المشفّرة التي باتت متاحة أينما كان، للتعويض عن عدم وجوده فعليًا في البلاد.

يونغ: تشير إلى نقطة اختلاف أساسية بين الهجمات التي يشنّها تنظيم الدولة الإسلامية في أوروبا وتلك التي يشنّها في الولايات المتحدة، تتمثّل تحديدًا في أن منفّذي الهجمات الأميركية غير مرتبطين بشبكات رسمية. ماذا تقصد بذلك، وما تداعيات هذا الواقع؟

هيتشنز: على خلاف أوروبا، حيث تمكّن تنظيم الدولة الإسلامية من استغلال شبكات تجنيد الجهاديين التاريخية، ما من قاعدة شعبية جهادية فعليًا في الولايات المتحدة. لهذا السبب جزئيًا، يُعدّ نشاط الدولة الإسلامية في الولايات المتحدة أقل بكثير من مثيله في أوروبا.

أتت الهجمات الإرهابية المخطَّط لها بعناية والتي ضربت في باريس وأسفرت عن عدد كبير من الضحايا، ومن ضمنها مجزرة مسرح باتاكلان، نتيجةً للوجود الراسخ لشبكات جهادية في مدن ومناطق معينة منذ ما قبل صعود الدولة الإسلامية. نادرًا ما تشهد الولايات المتحدة هجمات من هذا القبيل، حيث تُنفَّذ الهجمات غالبًا على أيدي ذئاب منفردة "ألهمهم" تنظيم الدولة الإسلامية أو حثّهم مقاتلوه على ارتكابها على الإنترنت.

يُشار إلى أن الفئة الثانية مثيرة للاهتمام خصوصًا نظرًا إلى أن التنظيم يعتمد بشكل كبير على شبكة من الدعاة المؤثّرين على الإنترنت وعلى أعضاء غربيين يحظون بالشعبية وعملوا على إعداد استراتيجية اتصال مُتقنة خاصة بتجنيد الأميركيين. فعبر استخدام مجموعة من منصات التواصل الاجتماعي المفتوحة مثل تويتر للقيام باتصال أولي مع مجنّدين محتملين ثم الانتقال إلى تطبيقات المراسلة المشفّرة، يسعى أعضاء الدولة الإسلامية الذين سمّيناهم "روّاد أعمال افتراضيين"، إلى مساعدة المجنّدين الأميركيين الجدد على التخطيط للهجمات وتنفيذها. وهكذا، تمكّن الإرهابيون المتمرّسون في المناطق التي كانت تسيطر عليها الدولة الإسلامية من التأثير بشكل كبير على العمليات الجهادية العنيفة في الولايات المتحدة.

يونغ: ما أبرز العوامل التي جذبت الجهاديين الأميركيين إلى تنظيم الدولة الإسلامية؟

هيتشنز: تتشابه هذه العوامل إلى حدّ كبير مع تلك التي أثّرت في سائر المجنّدين الغربيين. وثمة أسباب عدّة قد تدفع شخصًا يعيش حياة مريحة نسبيًا في الغرب إلى مقايضتها بأهوال المعارك في سورية. ومع أن مسارات التطرّف تختلف باختلاف الأفراد، ثمة عوامل مشتركة تشمل البحث عن الهوية ومعنى الحياة، وغالبًا ما تنبع من صراع داخلي يعيشه المجنّدون الممزّقون بين هويتهم الإسلامية من جهة وحياتهم في الغرب من جهة أخرى. لذا، تعمد دعاية التنظيم إلى تأجيج هذه النوازع وتسليط الضوء عليها. وفي الكثير من الأحيان، يتوق المجنّدون إلى خوض مغامرات وبناء صداقات وطيدة، وهو هدف يركّز التنظيم عليه في حملاته المخصّصة للتجنيد في الغرب.

وفي بعض الحالات، أبدى المجنّدون الذين سافروا إلى مناطق الدولة الإسلامية التزامًا تامًا بقضية دولة الخلافة "المثالية" التي زعم التنظيم أنه أقامها. وجذبهم أيضًا الادّعاء بأنه التنظيم الوحيد الذي يتبع قوانين الشريعة الإسلامية ويطبّقها بحذافيرها، وبأن الدولة التي يبنيها ستكون نموذجًا عن المجتمع الإسلامي المثالي. ويُعتبر هذا النمط اليوتوبي من التفكير دافعًا أساسيًا للعنف وغيره من السلوكيات المتطرّفة، وكان حاضرًا لدى مجموعة واسعة من الجماعات العلمانية والدينية على السواء، لذا من غير المستغرب أن يرافق مجنّدي الدولة الإسلامية أيضًا.

يونغ: ما الدور الذي أدّته التكنولوجيا في عملية تجنيد الجهاديين الأميركيين؟ هل عزّزت ذلك أم سهّلت على السلطات تعقبّهم؟

هيتشنز: إضافةً إلى ما ذكرتُه أعلاه، يستخدم مناصرو الدولة الإسلامية التكنولوجيا لغايات عدة، بما في ذلك جمع التبرعات من خلال استخدام العملات المشفّرة مثل البيتكوين، وهذا نشاط أُدين بسببه عددٌ من الأميركيين. وفي حالة أخرى، استخدم أحد طلاب تكنولوجيا المعلومات مهاراته التقنية لابتكار ذكاء اصطناعي أمكنه تلقائيًا تحديد الحملات الدعائية الخاصة بتنظيم الدولة الإسلامية، وتنزيلها، وحفظها، ونشرها على منصات إلكترونية مثل تيليغرام.

صحيحٌ أن وجود الدولة الإسلامية في العالم الافتراضي أفاد التنظيم، إلا أنه صبّ أيضًا في صالح السلطات. فقد استندت تقريبًا جميع محاكمات الأشخاص المتعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية أو مقاتليه في المحاكم الأميركية إلى أدلة تستند إلى البصمات الرقمية للمشتبه بهم، والمستمدّة إما من منصات التواصل الاجتماعي المفتوحة أو من مراسلات خاصة أحيانًا.

يونغ: كتبتَ أن في الولايات المتحدة حوالى 5 آلاف قضية متّصلة بالإرهاب قيد التحقيق. كم يبلغ برأيك عدد القضايا التي يمكن ربطها بالدولة الإسلامية، وما مدى التهديد الذي يطرحه التنظيم للبلاد خلال السنوات المقبلة؟

هيتشنز: من الصعب تحديد الأرقام الحالية بدقة. لكن، استنادًا إلى نقاشاتنا مع الأجهزة الأمنية في العام 2018، علمنا أن مكتب التحقيقات الفدرالي كان يعمل على حوالى 1000 تحقيق بشأن أنشطة مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في الولايات المتحدة. ولا يبدو أن هذه الأنشطة حكرٌ على بعض الولايات دون أخرى، إذ ثمة تحقيقات مفتوحة في كل ولاية تقريبًا.

لاحظنا أيضًا أن التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية تضاءل منذ أن فقد سيطرته على الأراضي في العراق وسورية. فقد أكسبته وضعيته ككيان شبيه بالدولة أفضلية على الجماعات الجهادية الأخرى التي تبحث عن مجنّدين أجانب، لذا أثّر واقع أنه لم يعد قادرًا على إثبات خلافته على شعبيته في أوساط المجنّدين المحتملين. صحيحٌ أن عمليات الاعتقال والملاحقات القضائية لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية أو المتعاطفين معه تراجعت مع مرور السنوات، وقد يستمر هذا المنحى في المدى القصير، بيد أن التهديد المنخفض المستوى الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية وحركة الجهاد العالمي سيبقى قائمًا لسنوات كثيرة في الولايات المتحدة. لقد أظهر التنظيم مرونته وقدرته على التكيّف، وما من سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا الأمر تغيّر.

يجدر الذكر أيضًا أن السجون الأميركية تعجّ بمناصري الدولة الإسلامية الذين أُدينوا بتهم مرتبطة بالإرهاب. ويبلغ متوسط مدّة العقوبة عشر سنوات ونيّف، في ظل غياب برامج ترمي إلى إعادة تأهيل السجناء المتطرّفين أو مكافحة التشدّد خلال فترة سجنهم. وهذا يعني على الأرجح أن عددًا كبيرًا من المتعاطفين مع الجهاديين سيغادرون السجون قريبًا، ومن غير المعروف ما إذا ثمة استراتيجية مدروسة لضمان أنهم لم يعودوا يشكّلون تهديدًا على البلاد.