ماذا حدث؟

في خضمّ الاحتجاجات المتنامية في لبنان، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، والانهيار الكبير في قيمة الليرة، أدلى قائد الجيش العماد جوزيف عون بكلمة أمام الضباط في مقر قيادة الجيش، توجّه فيها إلى الطبقة السياسية الحاكمة متناولًا الأزمة التي تعيشها البلاد وسط تعرقل عملية تشكيل حكومة جديدة. خاطب عون المسؤولين السياسيين سائلًا إياهم: "إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا تنوون أن تفعلوا؟ حذّرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع".

وتطرّق عون أيضًا إلى التداعيات التي خلّفتها الأزمة على العسكريين الذين فقدت رواتبهم 80 في المئة من قيمتها منذ أواخر العام 2019، قائلًا: "الشعب جاع، الشعب فقر... والعسكري أيضًا يعاني ويجوع". وعبّر كذلك عن رفضه الانتقادات الموجّهة إلى الجيش لقبوله مساعدات خارجية، مشدّدًا: "لولا هذه المساعدات لكان الوضع أسوأ بكثير". وأتى هذا التصريح ردًّا ضمنيًا على الجهات التي انتقدت الجيش لقبوله مساعدات أميركية وغيرها.


 

لماذا هذا الخطاب مهم؟

شكّل خطاب قائد الجيش أول انتقاد علني يصدر عن مسؤول عسكري رفيع ضد النخبة السياسية منذ بدء مسار الانهيار اللبناني أواخر العام 2019، ما يشير إلى أن الجيش قد اتّخذ قرارًا لا رجعة فيه. فقد أدلى قائد الجيش بكلمته عند الساعة العاشرة صباحًا. وظهرًا، ناشد رئيس الجمهورية ميشال عون الجيش بفتح الطرق. وبحلول الخامسة من بعد الظهر، لم يُتّخذ أي إجراء في هذا الصدد. لذا، يبدو أن العلاقات المدنية العسكرية في لبنان قد دخلت في نفق المجهول.

أما على مستوى الإنفاق العسكري، فيقدّر الجيش أن حساباته قادرة على تغطية رواتب العسكريين والأجور التعاقدية حتى نهاية حزيران لا أكثر. وبعد هذا التاريخ، سيتعين على الحكومة إما القبول بتوفير تمويل إضافي أو ستصبح القوات المسلحة عاجزة عن دفع رواتب أعداد متزايدة من عناصرها. ويمكن أن يستخدم الجيش موارد الميزانية العامة المخصّصة لمجالات أخرى مرتبطة بعمليات التأهب والتعبئة. وعلى الكوادر العسكرية العليا أن تقيّم أن الانهيار العملاتي بات وشيكًا، لكن لا يمكن قول الأمر نفسه حول فعالية الجيش وقدرته على التعبئة.

دقّ عون في خطابه هذا ناقوس الخطر، سائلًا بكل صراحة السياسيين: هل تريدون للبنان جيشًا قويًا وقادرًا أم لا؟ وكانت رسالته واضحة ومفادها: اتخذوا قرارات تحظى بصدقية وإلا فلا تعتمدوا على الجيش في لعب الدور الأمني الذي تعتبرونه من المسلّمات. بعبارة أخرى، وفيما يتنامى الاستياء الشعبي، قد لا يستطيع السياسيون التعويل على الجيش لحمايتهم، ناهيك عن الوقوف في وجه المتظاهرين.


 

ما المضاعفات على المستقبل؟

وجّه عون رسائل ضمنية ثلاثة للسياسيين والشعب: أولًا، أن الجيش لا يريد أن يتمّ إقحامه في اللعبة السياسية، وأنه سيحجم عن تنفيذ بعض الأوامر الجديدة. ثانيًا، وبما أن معاناة الجيش والشعب واحدة، على المتظاهرين الاستفادة من هذا الوضع وتنظيم صفوفهم. وثالثًا، أن الجيش سيقف إلى جانب المتظاهرين إذا بقيت الاحتجاجات سلمية.

أما على الصعيد المؤسسي للجيش، فعبّر خطاب عون عن اتجاهات مُقلقة. واقع الحال أن المساعدات الأجنبية لا تزال أساسية لمساعدة القوات المسلحة على مواصلة مهماتها. وفيما يتعيّن على دول كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة الالتزام بالقيود المفروضة على تخصيص مساعدات لدعم رواتب جيوش أجنبية، يمكنها حثّ مموّلين آخرين، مثل الإمارات العربية المتحدة، على دعم الجيش اللبناني للحفاظ على معنويات عناصره.

من شأن هذه المساعدات أن تسهم في احتواء اتجاهين اثنين قد يهدّدان الكفاءة المهنية للجيش، وهما: الارتفاع النسبي في عدد طلبات التقاعد المبكر، ما يعني مغادرة الضباط المتمرّسين،؛ وازدياد عدد الطلبات التي يقدّمها عناصر أدنى رتبة للحصول على إجازة غير مدفوعة الأجر أو إجازة غياب لمدّة ثلاثة أشهر تقريبًا لمزاولة أعمال إضافية تدعم رواتبهم العسكرية.

في هذا الإطار، تلوح في الأفق مخاطر عدة. قد تلجأ بعض الأطراف إلى العنف لتوجيه رسائل تحذيرية إلى المؤسسة العسكرية، بسبب خوفها من أن يتمتّع الجيش باستقلالية أكبر. فحزب الله وحركة أمل ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل هم الأطراف التي ستتكبّد الخسائر الأكبر في حال نأى الجيش بنفسه على نحو متزايد عن الطبقة الحاكمة. على سبيل المثال، قد ترغب هذه الأطراف وغيرها في اختبار عزيمة الجيش في الشارع، ما يقودنا إلى مسألة موازية: إذا تقهقرت قوة الجيش، فلن يتأثّر حزب الله، بل على العكس هو الوحيد الذي سيبقى صامدًا، وهذا سيناريو لا يريده أحد خارج لبنان تقريبًا، ولا سيما في واشنطن.    

يُضاف إلى ذلك خطرٌ حقيقي يتمثّل في عودة المجموعات المتطرفة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية على طول الحدود مع سورية وفي المراكز الحضرية التي يزداد فيها اليأس والعوز. أراد عون إذًا توجيه رسالة حول ضرورة ضمان جهوزية الجيش، ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال الشركاء الخارجيين فقط. فالمطلوب تحقيق التوافق بين الأفرقاء الداخليين وتوفير التمويل اللازم لضمان حفاظ الجيش على دوره في الدفاع عن استقرار لبنان وسلامة أراضيه.