ما حدث في مستشفى السلط الحكومي في الأردن الأسبوع الماضي، من انقطاع في الأوكسجين تسبب في وفاة سبعة أشخاص على الأقل يُعد كارثة بكل المقاييس. لكن حجم الكارثة يكبر إن قمنا بالتشخيص الصحيح لأسبابها.

السبب المباشر لهذه الكارثة هو الترهل الاداري الذي تكلم عنه كثيرون، وما هو إلا نتيجة لانهيار منظومة شاملة أكبر من القطاع الصحي، وهي منظومة ادارة البلاد والموارد وفق ثقافة وأدوات لم تعد تصلح لبناء الدولة الحديثة، وأصبحت نتائجها ماثلة للعيان في العديد من المواقع. وما كارثة مستشفى السلط إلا واحدة من شواهد عدة تدل على مدى الضرر الذي لحق بإدارة الدولة الاردنية.

من الضروري بمكان التشخيص الصحيح لما حدث، حتى لا يعتقد أحد بأن الموضوع يمكن أن يُحل باستقالات أدبية أو حتى ملاحقات جنائية. إن الهيكل العام للإدارة الاردنية، بكافة مكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحاجة لتجديد شامل، ولتغيير جاد ومتكامل للنهج الحالي المتبع، وإلا فلن تكون كارثة السلط هي الأخيرة، ولن تقتصر على القطاع الصحي فقط.

لقد تكالب عاملان رئيسيان في العقود الماضية ليتسببا في الترهل الاداري الذي نشهده حالياً. يكمن العامل الاول في التوسع غير المعقول لحجم القطاع العام لدرجة باتت الحكومة تصرف بالكاد على معاشات الموظفين بدلاً من الصرف على البنية التحتية التي من شأنها تحسين نوعية الخدمة. وترافق ذلك مع التوسع في ثقافة الواسطة والمحسوبية التي توظف الناس دون النظر الى كفاءتهم بالشكل الكافي، ودون الاهتمام بتخصيص الموارد اللازمة لتدريبهم وتطوير أدائهم، ودون تحديث لنظم الرقابة والمسائلة، فالمحسوبية والمسائلة لا تجتمعان، وهو ما أدى الى ما نشهده اليوم من تراجع واضح في نوعية الخدمات المقدمة، كما في أخلاقيات العمل، وثقافة الموظف العام الخادم للناس لأن الخدمة العامة تكليف بكل معنى الكلمة، وليست تشريفاً لصاحبها.

وإن كنا نشهد اليوم موتاً فعلياً للمواطنين بسبب نوعية الخدمات الصحية المقدمة، فإننا نشهد أيضاً موتاً غير مباشر لجيل كامل فشلنا في تقديم الخدمات التربوية المناسبة له أيضاً. وبعدما كُنّا نباهي المنطقة قبل عقود قصيرة بمؤسسات وصروح طبية وعلمية كالخدمات الطبية الملكية والجامعات الاردنية، بتنا نراقب الانحدار الساحق للصحة والتعليم دون أن نحرك ساكناً.

نعم، كلنا غاضبون لما حدث في مستشفى السلط، ولكن لننظر الى بيتنا الزجاجي قبل أن نرشق الآخرين بالحجارة. ألم نشارك نحن أيضاً في الجرم حين سمحنا للقطاع العام بمثل هذا التوسع؟ ألسنا شركاء في هذا الترهل في كل مرة توسطنا لشخص بالعمل في القطاع العام دون حق؟ ألم يكن باستطاعتنا يوم كانت المساعدات الخارجية تتدفق علينا للتخطيط للوقت الذي ستنحسر فيه هذه المساعدات لبناء اقتصاد معتمد على الذات، تعلو فيه قيم الانتاجية والكفاءة على المحسوبية والزبائنية.

نحترم ذكرى أرواح موتانا بل شهدائنا ليس فقط بمعاقبة من تسبب بموتهم، بل بمراجعة كل النهج القديم وأسلوب إدارة الدولة. بغير ذلك، لن يتعدى غضبنا فزعة آنية حتى تأتينا مصيبة أخرى هي نتيجة مباشرة للنظام الريعي الذي ما عاد قادراً على ادارة البلاد.

إن سلمنا بما سبق، فنحن بحاجة لمنظومة جيدة تحتوي على عناصر عدة من اهمها:

  • الابتعاد عن الثقافة السائدة بأن الحكومة هي المشغل الرئيس للعمالة. فقد أدت هذه الثقافة الى تُخمة نتج عنها ترهل إداري وتدهور نوعية الخدمات المقدمة. لا تستطيع الدولة الأردنية التشبث بهذه الثقافة الريعية، وبغض النظر عن أسبابها. فإن كانت نشأة الدولة الأردنية تطلبت مثل هذه الثقافة، فقد انتهى ذلك الزمن الى غير رجعة. إن واجب الدولة يقتص على اعداد النشء إعداداً جيداً يتلاءم مع متطلبات العصر، ولكن ليس من واجبها توظيف الناس في القطاع العام الا في حدود مقبولة وضرورية.
  • ان اعداد النشء يتطلب نظاماً تربوياً مختلفاً يهيئهم للتعامل مع تحديات الحياة ومتطلباتها المتغيرة باستمرار. أما النظام التربوي الحالي فلا يتيح للأجيال الجديدة العمل خارج القطاع العالم، وغالباً يكون عملهم داخله غير منتج.
  • على الدولة الأردنية تهيئة البيئة المناسبة للقطاع الخاص للتوسع والحلول مكان القطاع العام لتوفير الوظائف الحقيقية لا المصطنعة، وذلك من خلال بيئة تشريعية تجلب الاستثمار وتعظمه، اضافة للبيئة التربوية المطلوبة أعلاه.
  • ابداء الجدية في سن تشريعات تُجرّم الواسطة لطالبها ومقدمها. باءت كافة المحاولات السابقة لتحقيق ذلك بالفشل، لأن السلطتين التنفيذية والتشريعية ليستا جاهزتين للتعامل مع انعكاسات مثل هذه التشريعات على نفوذهما.
  • الابتعاد التدريجي عن تخصيص معظم الموارد المالية للأجور والنفقات الجارية وتطوير نظم تدريبية ورقابية تحاسب المقصر وتكافئ المنتج مؤسسياً، بما في ذلك عدم ربط الترفيعات بالأقدمية فقط، وانما بالإنتاجية أيضاً.

لن تعالج كارثة مستشفى السلط بأسلوب الفزعة وحناجر الصوت، وانما باعتماد نهج مؤسسي جديد لإدارة البلاد يشترك في وضعه كافة مكونات المجتمع للاتفاق على أطر جديدة من شأنها بناء دولة حديثة وحداثية في المئوية الثانية للأردن.