ماذا حدث؟

فشل رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري في الاتفاق على تشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة، في ظل تبادلهما الاتهامات بالتعطيل والعرقلة، ما يشي بأن العلاقة بينهما بلغت نقطة اللاعودة، وبات من المستبعد تأليف حكومة في المستقبل المنظور.

ينصّ الدستور اللبناني بعد العام 1990 على أن يوقّع كلٌّ من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة. في 22 آذار/مارس، سلّم الحريري عون قائمة بأسماء الوزراء المقترحين لحكومة تتألّف من اختصاصيين مدعومين من الكتل السياسية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة. لكن، سُرعان ما أعلن الحريري بعد الاجتماع أن الرئيس ما زال مصرًّا على أن يحظى بالثلث المعطّل الذي يضمن له حق نقض القرارات الحكومية، ما يمنحه هو وصهره جبران باسيل القدرة على التحكم بالأجندة الحكومية. وأفصح الحريري كذلك أن عون أرسل إلى بيت الوسط لائحة تتضمن إطارًا عامًّا للحكومة الجديدة، طالباً منه أن يملأها بأسماء الوزراء ورعاتهم السياسيين. وأضاف متجهّمًا أن عمل الرئيس المكلّف ليس أن يقوم بتعبئة أوراق من قبل أحد، وغادر.

بعد خمسة أشهر من الخلاف حول التشكيلة الحكومية، يأتي هذا الفشل في خضم انهيار مالي، ما يؤجّج وتائر التهديدات المُحدقة بأمن لبنان واستقراره.


 

لماذا هذا التطوّر مهم؟

يتخبّط لبنان منذ أواخر العام 2019 في أزمة مالية واقتصادية خطيرة، إذ خسرت الليرة اللبنانية 90 في المئة من قيمتها تقريبًا، ولم تتّخذ الطبقة السياسية أي خطوة لمعالجة هذه الأوضاع الكارثية. فهي تخشى من أن تؤدي الإصلاحات الفعلية إلى تقويض نفوذها السياسي، ولا سيما أن كارتيل زعماء الطوائف فقد تماسكه لأن السياسيين باتوا عاجزين عن الاتفاق حول كيفية تقسيم الغنائم في دولة مفلسة.

فحكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب، والتي استقالت عقب انفجار مرفأ بيروت المأساوي في آب/أغسطس الماضي، لا تتمتع إلا بصلاحيات محدودة، لذا تدور شكوك حول قدرتها على إدارة البلاد بشكل فعّال. هذا بالطبع ما لم تبتدع الطبقة الحاكمة، بأفكارها الخلّاقة دومًا، طريقةً لمنحها المزيد من الصلاحيات التنفيذية تسمح لها باتّخاذ إجراءات أكثر من مجرّد تأمين سير الأعمال الروتينية. لكن هذا الأمر يتطلّب توافقًا سياسيًا، وهذا غير مؤمَّن اليوم.

إذًا، فيما يسلك لبنان أسوأ منعطف في تاريخه بعد الحرب، مواجهًا شبح الانهيار على شتى المستويات، بدءًا من نظامه المالي، ومرورًا باقتصاده، ووصولًا إلى وضعه الأمني، ما من جهد يُبذل على الإطلاق لوقف هذا المسار الانحداري. ونظرًا إلى أن أكثر من 55 في المئة من سكانه "عالقون في براثن الفقر يكافحون لتلبية متطلبات العيش الأساسية"، بحسب تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، غالب الظن أن التداعيات المحلية والإقليمية ستكون وخيمة للغاية.


 

ما المضاعفات على المستقبل؟

يجب أن يبقى سقف التوقّعات منخفضًا حيال تشكيل حكومة جديدة. فعون والحريري شرعا في عملية التأليف متسلّحَين بأهداف يتعذّر التوفيق بينها، فيما حزب الله، الوسيط الأساسي في السلطة، لا يبدو أنه يريد حكومة في الوقت الراهن. وعلى الرغم من أنه دعا في مناسبات عدّة إلى تشكيل حكومة، ما من مؤشرات تدلّ على أنه سعى فعليًا لتحقيق ذلك. حتى إن أمينه العام حسن نصر الله اتّخذ الأسبوع الفائت موقفًا معارضًا لرؤية الحريري حول التشكيلة الحكومية، ما ضمن اعتماد عون موقفًا أكثر تشدّدًا في محادثاته مع الحريري، مقوّضًا بذلك أي إمكانية للتوصّل إلى اتفاق.

هذه ليست المرة الأولى التي يتصرّف فيها حزب الله بشكلٍ يتعارض مع موقفه المُعلن، ويرى العديد من المراقبين في بيروت أن الحزب يتعمّد تأخير تأليف الحكومة بانتظار مآل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي الإيراني. واقع الحال إذًا أن لبنان رهينة، ما يضمن قبول واشنطن بهيمنة طهران وحزب الله على البلد في إطار أي اتفاق إقليمي أوسع نطاقًا.

مع ذلك، لا يبدو أن حزب الله هو المذنب الوحيد في هذه الحالة. فقد أكّدت طريقة الحريري في التفاوض مع عون، أو بالأحرى عدم التفاوض معه، أن رئيس الوزراء المكلّف غير مستعد لقيادة حكومة لا تستوفي شروطه. فهو رفض إعطاء عون وباسيل الثلث المعطّل، ورفض كذلك منحهما حقيبتي الداخلية والعدل. لكنه وافق في المقابل على إعطاء حزب الله وحركة أمل حقيبة المالية. وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدلّ على ازدواجية في المعايير.

من السهل فهم سبب رفض الحريري القبول بالثلث المعطّل، لكن من غير الواضح لماذا امتنع عن مناقشة البدائل المتاحة. فالتشكيلة الحكومية التي طرحها في 22 آذار/مارس هي نفسها التي قدّمها في 9 كانون الأول/ديسمبر، ما يشير إلى أنه غير مستعد لتقديم تنازلات والتوصل إلى حلول توافقية. ربما يُعزى تعنُّت الحريري إلى معارضة السعوديين تولّيه رئاسة الحكومة، إذ إنهم لا يريدونه أن يؤمّن غطاءً لحزب الله. وهكذا، ما لم يتمكّن الحريري من تشكيل حكومة تلبّي الشروط الصارمة لراعيه الإقليمي، قد يفضّل سيناريو اللاحكومة، علمًا بأن الرياض قد تعيق حصول لبنان على أي مساعدات اقتصادية عربية.

والأسوأ أن الحريري لا يستطيع الاعتذار عن مهمة التكليف، إذ إن ذلك سيؤكد سوء التقدير الذي شاب مساعيه لتشكيل حكومة، ما قد يوجّه ضربة قاضية على علاقته المتوترة أساسًا مع السعودية ويدفعها هي والإمارات إلى تفضيل شقيقه الأكبر بهاء. ويشكّل ذلك معضلةً إضافية للحريري: ففي حال لم يحرز أي تقدّم خلال الأسابيع المقبلة، ستزداد الضغوط عليه إما لمحاولة تشكيل حكومة من جديد، أو التنحي وإفساح المجال أمام شخص آخر لتولّي المهمة.

حين أعلن الحريري ترشحّه لمنصب رئاسة الوزراء في تشرين الأول/أكتوبر 2020، ألمح إلى أنه في حال التوصّل إلى تفاهم مع حزب الله وحركة أمل، سيسعى إلى تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي التي تحظى بدعم فرنسي. وكان مفاد هذه الرسالة الضمنية أن التعاون الشيعي-السنّي إن حصل، سيدفع زعماء الطوائف الآخرين إلى السير في الركب. لكن الحريري صرّح أن الكرة في ملعب حزب الله، وعليه أن يختار إما الوقوف إلى جانبه أو إلى جانب عون وباسيل.

وجاء ردّ نصر الله الأسبوع الفائت بأن حزب الله لن يُجبَر على الاختيار، ما يضمن بأن الخلاف حول تشكيلة الحكومة الجديدة سيطول. لا شكّ أن أكثر ما يحتاج إليه لبنان الآن هو التغيير في القريب العاجِل، لكن النتيجة المؤكدة هي المزيد من المماطلة والجمود، ما سيفضي على الأرجح إلى عواقب وخيمة على البلاد، وربما على المنطقة ككل.