راي تاكيه باحث حائز على منحة حسيب ج. الصباغ لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، تركّز أبحاثه على الشؤون الإيرانية والإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، والحركات والأحزاب الإسلامية. قبل الانضمام إلى مجلس العلاقات الخارجية، كان مستشارًا بارزًا حول إيران في وزارة الخارجية الأميركية. له مؤلفات عدة، أحدثها كتاب بعنوان The Last Shah: America, Iran, and the Fall of the Pahlavi Dynasty (الشاه الأخير: أميركا وإيران وسقوط السلالة البهلوية). وقد ألّف سابقًا ثلاثة كتب هي: Guardians of the Revolution: Iran and the World in the Age of the Ayatollahs (حرّاس الثورة: إيران والعالم في عصر آيات الله) وHidden Iran: Paradox and Power in the Islamic Republic (إيران الخفية: التناقض الذاتي والقوة في الجمهورية الإسلامية) وThe Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser's Egypt, 1953–1957 (أصول عقيدة أيزنهاور الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر في عهد عبد الناصر 1953-1957). أجرت "ديوان" مقابلة مع تاكيه في أوائل نيسان/أبريل للتحدث عن كتابه الأخير.

مايكل يونغ: تركّز في كتابِك الصادر مؤخرًا بشكل أساسي على عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي. لماذا قرّرت وضع كتاب آخر عن الشاه، وما الأمر الجديد والمهم الذي أردت تقديمه للقرّاء؟

راي تاكيه: بعد مرور أربعة عقود ونيّف على سقوط الشاه، بات من الممكن إجراء تقييم أكثر موضوعية لعهده، لأن المشاعر المتّقدة قد هدأت والنقاشات باتت منطقية أكثر، وبدأت تصدر كذلك سجلّات عن تلك الحقبة. ولا بدّ من الإشارة في هذا الصدد إلى أن الجمهورية الإسلامية أكثر سخاءً للمؤرّخين من الأرشيف الوطني الأميركي، إذ إنها نشرت وثائق كثيرة من السجلات الرسمية للشاه. في المقابل، لم يصبح إلا النزر اليسير من وثائق إدارة كارتر عن الثورة الإيرانية متاحًا في الآونة الأخيرة.

يونغ: يبدو أن كتابك يرمي جزئيًا إلى إعادة تقييم إرث الشاه. إلى أي مدى تتوافق هذه المقاربة مع المزاج السائد في إيران اليوم؟ بعبارة أخرى، هل تشهد البلاد على نطاق أوسع عملية إعادة نظر في عهد الشاه، وإلى أي حدٍّ استلهمت الجمهورية الإسلامية من سياساته لصياغة سياساتها الخاصة؟

تاكيه: يسود في الداخل الإيراني اليوم بعض مشاعر الحنين للشاه والسلالة البهلوية. فإيران دولة تعيش تاريخها، لذا من غير المستغرب أن يحتلّ حدث تاريخي الصفحات الأولى من الصحف. ويبدو أن الكتب التي تتناول حياة الشاه، ولا سيما والده، لها جمهورها. ليس كل النقاشات الدائرة تنمّ عن تبصّر وعمق تفكير، لكن المهم أنها تُجرى.

يبدو أن الجمهورية الإسلامية لم تستخلص الدروس والعبر من تجربة الشاه لأنها تكرّر الكثير من الأخطاء التي اقترفها. فالنظام عاجز عن إجراء الإصلاحات في ظل الفساد المستشري، والبلاد متورّطة في مغامرات خارجية تبدو تكاليفها أكبر من مكاسبها.

يونغ: يتنافى تحليلك للانقلاب الذي حدث ضد رئيس الوزراء محمد مصدق في العام 1952 مع معظم وجهات النظر المنتشرة ومفادها أنه يحمل بشكل أساسي توقيع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات البريطاني. كتبتَ أن "موازنة الأدلّة تشير إلى مؤامرة إيرانية أكثر من مؤامرة أميركية". هل يمكنك التوسع في شرح هذه النقطة؟

تاكيه: عمومًا، وكما يدرك مؤرّخو أجهزة الاستخبارات جيّدًا، من الصعب أن نعرف بدقّة لماذا تنجح بعض العمليات السرية فيما يفشل بعضها الآخر. في آب/أغسطس 1953، شهدت إيران انقلابين وليس انقلابًا واحدًا. لا جدل حول الانقلاب الأول الذي باء بالفشل، والذي كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية منخرطة فيه مع متواطئين إيرانيين.

أما الانقلاب الثاني فأكثر إثارة للجدل. فواشنطن تخلّت عن هذا المجهود، لكن موظّف وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية البارز في إيران كيرميت روزفلت بقي يتابع الموضوع. وفي العام 2017، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية حوالى 1000 صفحة من الوثائق الجديدة، المؤلفة بمعظمها من برقيات المخابرات. وأعتقد أن الإيرانيين تسلّموا أكثر من الأميركيين زمام قيادة الانقلاب الثاني. لكن هذا الجدل لا ينتهي.

مع ذلك، لا يكمن الجانب الأبرز من الانقلاب في آلياته بل في تأثيره على المشهد السياسي الإيراني. يرسم الكثير من الخبراء والمؤرّخين خطًّا فضفاضًا للغاية بين الانقلاب والثورة وكأنّ ربع قرن لم يمرّ بين الحدثين. لا أعتقد أن الانقلاب غيّر جوهريًا النظام السياسي الإيراني. فقد تعزّزت دكتاتورية الشاه بشكل كامل في الستينيات، التي تُعتبر عقدًا حاسمًا في السياسات الإيرانية.

يونغ: ما السبب الأساسي وراء الخلافات الأميركية-الإيرانية خلال عهد الشاه، ولا سيما في السيتينيات؟ هلّا تشرح سياق الجهود التي بذلها اللواء محمد ولي قرني لتنظيم انقلاب ضدّ النظام الحاكم، وبدا أن للولايات المتحدة يدًا فيه؟

تاكيه: وقعت محاولة الانقلاب في العام 1958. وعلى الرغم من أن الأدلة الموثّقة محدودة، فهي تشير إلى تواطؤ أميركي. فبعد انقلاب العام 1953، بدت إدارة أيزنهاور مستاءة من عدم استعداد الشاه لتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية، إذ إنها أرادت منه توسيع نطاق حكمه والتركيز على الاقتصاد أكثر من التسلّح وتعزيز قدراته العسكرية. وحاولت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية توجيه رسالة إلى الشاه من خلال نشر أخبار في صحيفة نيويورك تايمز أشارت إلى خيبة أمل واشنطن من الشاه، ودعمها لأي مساعٍ تُبذل ضدّه. مع ذلك، من الصعب التأكد ما إذا أراد اللواء قرني أو إدارة أيزنهاور إطاحة الشاه، لكنهما كانا يأملان دفعه نحو إضفاء طابع دستوري أكبر على الحكم، والتركيز بشكل متزايد على الاقتصاد.

يونغ: غالبًا ما يُغفَل أن الشاه انخرط في برنامج إصلاحي جذري خلال الستينيات، عُرف باسم الثورة البيضاء. ما الإنجازات التي حققها هذا البرنامج، والأهم ما كانت أوجه القصور فيه، والتي أثّرت على بقاء النظام؟

تاكيه: حقّق هذا البرنامج نجاحات كبرى، إذ كانت المرة الأولى التي يأخذ فيها الملك أراضٍ من الأغنياء ويعطيها للفقراء. ربما لم تقطع الإصلاحات التي طالت القطاع العقاري شوطًا كبيرًا، لكن لا شكّ في أنها شكّلت مجهودًا مهمًا. علاوةً على ذلك، ارتفعت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وتراجعت معدلات وفيات الأطفال، وازدادت قدرةالشعب الإيراني على الحصول على الرعاية الصحية والمرافق التعليمية. وعمد الشاه إلى توسيع شريحة الطبقة الوسطى لكنه في المقابل حرمها من حقوقها السياسية. باختصار، تتمثّل المشكلة الأساسية في أن خطته لتحديث البلاد لم تترافق مع الانفتاح السياسي، بل حصل عكس ذلك تمامًا.

يونغ: تُجادل في كتابِك أن سقوط الشاه يُعزى في النهاية إلى أنه لم يرسّخ سلطته بشكل مناسب في المجتمع الإيراني، بل همّش فئات رئيسة من المجتمع، بما فيها الطبقة الوسطى ورجال الدين والشباب والتجار. هلّا تفسّر الديناميكيات التي فعلت فعلها تلك المرحلة؟

تاكيه: كان الشاه يتمتّع بشخصية ديكتاتورية، أي اعتقد أن الرجال العظماء، غير المثقلين بالأعباء الناجمة عن المؤسسات المتنافسة والسياسيين المتنازعين، هم وحدهم الذين يستطيعون تحقيق إنجازات عظيمة. واعتبر أن الديمقراطية ظاهرة فوضوية غربية تُخلّ بالنظام. لكن المشكلة أن الشاه كان يفتقر إلى الشجاعة والثقة بالنفس عند الشدائد. فحين تعقّدت الأوضاع، أثبت أنه دكتاتور لا يستطيع فرض سلطته. أظنّ أن الشاه كان ليستفيد من نظام حكم يتمّ فيه تقاسم السلطة على نطاق أوسع بين مختلف المؤسسات كالبرلمان والحكومة، إذ كان بحاجة إلى مجموعة حواجز تحصّنه، لكنه لم يُدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.

يونغ: على ضوء إجابتك السابقة، ما التغيير الذي أحدثته الجمهورية الإسلامية مقارنةً مع نهج الشاه، نظرًا إلى أنها همشّت أيضًا شرائح أساسية من المجتمع؟ وكيف تمكّنت من إحكام قبضتها على السلطة في حين أن الشاه لم يفلح في ذلك؟

تاكيه: المفارقة هنا هي أن الجمهورية الإسلامية اتّبعت نمطًا مماثلًا لحكم الشاه، إذ أعاقت تدريجيًا أي فرص للمشاركة السياسية الهادفة. وتمامًا كما فعل الشاه، أنفقت الأموال على سياسات خارجية لا تحظى بدعم محلي يُذكر. ويبدو أنها عاجزة عن تطبيق الإصلاحات التي تشتدّ الحاجة إليها. باختصار، تبدو الجمهورية الإسلامية اليوم غارقة في الفساد، في ظل تزايد حدة الانقسامات الطبقية تمامًا كما كانت عليه الحال خلال السنوات الأخيرة من حكم السلالة البهلوية.

لا يشير ذلك بالضرورة إلى أن النظام الحالي سينهار قريبًا، وبالطريقة نفسها مثل سلفه. لكن لا شكّ أن نموذج الحكم الذي تعتمده الجمهورية الإسلامية غير مجدٍ. وإن كان النظام لا يستطيع الاعتماد سوى على أجهزته الأمنية للحفاظ على بقائه، فهذا يعني أنه لا يملك قوة حقيقية.