يترقّب الفلسطينيون إجراء انتخابات المجلس التشريعي الذي يضطلع بمهام البرلمان في السلطة الفلسطينية. قد تؤجَّل هذه الانتخابات أو تُلغى، فيما لا تزال الانتخابات الأخرى التي تعهّد القادة الفلسطينيون بإجرائها مُستبعدة، وهي الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني (وهو الهيئة التمثيلية للفلسطينيين في كل مكان). وتثير هذه الانتخابات أسئلة كثيرة، حتى لأولئك الذين صرفوا انتباههم منذ أمد طويل عن هذه المسألة: إلى أي مدى ستتدخّل إسرائيل فيها؟ وما الدعم الذي ستوفّره الأطراف الفاعلة الدولية الأساسية، ولا سيما أوروبا والولايات المتحدة؟ وكيف سيكون أداء حركة حماس؟ لا شكّ أن التفكير في احتمال إجراء الانتخابات أم لا وفي مجريات اليوم الانتخابي مهم، لكن الأهم: ماذا سيحدث بُعيد الانتخابات؟

من المنطقي طرح هذا السؤال منذ الآن. ففي العام 2006، بدا معظم الأفرقاء، حتى الفائزون منهم، غير مستعدّين للنتائج. لكن، في جولة العام 2021 لا ينبغي أن يؤخَذ أحد على حين غرة أمام النتائج، إذ على الأفرقاء الفلسطينيين والدوليين أن يواجهوا بشكل مباشر وسريع هذه المسائل المهمة. وفي حال أتت النتائج مثلما هو متوقَّع - أي برلمان من دون حزب يتمتع بأغلبية المقاعد، بل برلمان تحظى فيه حماس وكتل فتح المتنافسة ومجموعة من الأفرقاء الأصغر بتمثيل قوي – يبدو واضحًا نسبيًا ما نوع التحديات التي ستواجه مختلف الأطراف.

قد ينطوي النظام الداخلي والقواعد الإجرائية على مجموعة من المشاكل. وسُرعان ما ستجد الجهات الفاعلة الدولية نفسها أمام ثلاث مسائل أساسية عليها على الأرجح حسم مواقفها تجاهها.

أولًا، هل سيتمكن البرلمان من الالتئام؟ فسيكون بعض النواب في سجون إسرائيلية، فيما آخرون موزّعون بين الضفة الغربية وغزة. لقد عُقدت اجتماعات مشتركة بين رام الله وغزة أحيانًا عبر تقنية الفيديو، لكن أولئك المقيمين في الضفة الغربية وربما القدس سيواجهون قيودًا إسرائيلية محتملة. وسيتعين على القادة والنواب الفلسطينيين التعامل مع مسائل عدة للإجابة على الأسئلة التالية: ما السبيل إلى تحقيق النصاب القانوني، وأي أصوات ستُحتسب، وهل سيُسمح للأسرى بالتصويت بالوكالة؟

سيطلب المسؤولون الفلسطينيون على الأرجح دعمًا دوليًا لتسهيل عمل البرلمان، وقد يرغب الدبلوماسيون في الحصول على إجابات جاهزة، وسيتعيّن عليهم معالجة حتى المسائل الروتينية للغاية. فعلى سبيل المثال، إذا تمّت دعوتهم إلى حفل استقبال في البرلمان، فهل سيتجاهلون نوّاب حماس أم سيرحّبون بهم؟ وهل سيعاملونهم كبرلمانيين، متجاهلين انتماءاتهم الحزبية أم العكس؟

ثانيًا، من سيكون رئيس المجلس؟ والإجابة التي تتبادر إلى الأذهان واضحة وهي أن النائب الأكبر سنًا في المجلس سيشغل هذا المنصب مؤقتًا إلى أن ينتخب النواب الجدد رئيسًا دائمًا. لكن بغض النظر عن هوية رئيس المجلس، فهو لن يكون صاحب القرار وحسب، بل سيكون أيضًا الأول على لائحة المرشحين لمنصب الرئاسة، إن كان شاغرًا. علاوةً على ذلك، يشغل رئيس المجلس هذا المنصب لمدّة 60 يومًا في حال استقالة الرئيس الحالي أو وفاته، إلى حين إجراء انتخابات جديدة. وإذا كان البرلمان منقسمًا، سيدرك النواب أن عليهم الاتفاق على مرشح توافقي يؤدّي دورًا بارزًا، وإن مؤقتًا ربما، في أي عملية ملء للمنصب الشاغر. وقرّرت حركة فتح، على قائمتها الانتخابية الحالية، تخصيص عدد قليل من المناصب الرفيعة المستوى لشخصيات بارزة بهدف تجنُّب الاقتتال الداخلي. وسارعت قوائم برلمانية أخرى إلى تسمية شخصيات محلية ذات صدقية لرفع حظوظها في الفوز في الانتخابات. مع ذلك، قد لا تكون الخيارات كثيرة لجهة الأسماء المرشّحة لتولي منصب رئيس المجلس أو تسمية خلف محتمل.

ثالثًا، من سيكون الوزراء الجدد؟ إن التأم البرلمان، سيتمّ إعادة إحياء الأحكام الدستورية التي يتعيّن بموجبها على الوزراء كافةً، بمن فيهم رئيس الوزراء، الحصول على دعم غالبية أعضاء البرلمان. ومرة أخرى، من المرجّح أن يؤدي انقسام البرلمان على نفسه إلى طرح مزيج من التكنوقراط وائتلاف من الوزراء السياسيين. وفي مثل هذه الحالة، سيُثار مجدّدًا السؤال عن كيف سيتعامل الأفرقاء الخارجيون مع وزراء يحظون صراحةً بدعم حماس أو ينتمون إليها.

أخيرًا، سيصبح النواب، بحكم منصبهم، أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني، أي الهيئة التشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وإذا استفاقت تلك الهيئة من سباتها مع دم حمساوي في عروقها، هل سيرحّب الأفرقاء الدوليون بذلك باعتباره خطوة نحو إعادة إحياء المؤسسات الفلسطينية، أم أنها مناسبة للعودة إلى تبنّي مواقف سياسية متمثّلة في تفادي منظمة التحرير الفلسطينية كان معظمهم قد وضعها جانبًا منذ جيل مضى؟

تلك هي المسائل التي ستشغل المجتمع الدولي على الأرجح بعد الانتخابات. لكن على الساحة المحلية ستبرز أسئلة أخرى أكثر إلحاحًا، وبشكل يومي ربما.

أولها، كيف سيكون شكل العلاقة بين المؤسسات الفلسطينية المُعاد إحياؤها وإدارة حماس في غزة؟ وهل ستتم بالكامل إعادة دمج الوزارات والهيئات الإدارية في غزة، والتي كانت فعليًا خاضعة لقيادة حماس طوال أربعة عشر عامًا؟ يبدو من المستبعد أن تسلّم حماس سلاحها أو تتخلّى عن دورها في الحفاظ على الأمن الداخلي، لذا لا بدّ من التساؤل حول الترتيبات التي ستُتَّخذ لحفظ الأمن وضبط الحدود ومراقبتها.

ثانيًا، ماذا سيحدث للمنظومة القانونية التي تعزّزت منذ تشوب الخلاف بين حماس وفتح في العام 2007؟ في هذا الصدد، يبرز جانبان لا بدّ من أخذهما في الاعتبار. أولًا، أصدر ما بقي من البرلمان ومجلس الوزراء الخاضعين إلى هيمنة حماس في غزة قوانين وقواعد تنظيمية. فهل سيتم إلغاؤها على الفور أم ستجري عملية فرز نوعًا ما؟ وهل ستبدأ محاكم الضفة الغربية بالتعامل مع الأحكام الصادرة عن محاكم غزّة على أنها صالحة؟

ثالثًا، ماذا سيحدث للقوانين التي أصدرها الرئيس محمود عباس بموجب مراسيم؟ فأحكام الدستور واضحة في هذا الشأن، إذ تنصّ على وجوب عرضها جميعها على البرلمان عند انعقاده، على أن تُبطَل المراسيم التي لا يوافق عليها. لكن قراءة المراسيم كافة ستستغرق ساعات طويلة وقد تدوم مراجعتها كلها سنوات. وهكذا، سيُطلب من البرلمان المصادقة حتى على المراسيم التي مهّدت الطريق لانتخابه.

هذه أسئلة قانونية بحتة وجافة، لكن طرق الإجابة عنها ستؤدّي إلى نتائج بعيدة المدى. صحيحٌ أنها ستحدّد هوية القادة الفلسطينيين، لكن لا ينبغي الانزلاق نحو اختزال السياسة الفلسطينية في حفنةٍ من الشخصيات. بدلًا من ذلك، على المهتمين في الشؤون الفلسطينية مراقبة ما سيحدث بعد الانتخابات، لأن ذلك سيحدّد ما إذا سيتحرّك الفلسطينيون ضمن إطار وطني جامع وكيفية حصول ذلك.