استهّلت حركة حماس العام 2021 بالتحضير للمشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. وها هي اليوم تخوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل. لكن المثير للدهشة أن الحركة نفذّت هاتين الخطوتين بحماسة غير متوقعة، ما يدفع إلى التساؤل: أي نهج منهما يعكس جوهرها بأفضل صورة؟

والإجابة ببساطة أن الاثنين يعكسان جوهر الحركة، إذ ثمّة تناسق بارز في النهج الذي تعتمده حماس. لكن الكشف عن ذلك يدفعنا إلى دراسة المرونة التكتيكية التي تتمتّع بها الحركة ومحاولاتها الرامية إلى احتلال موقع الصدارة في أوساط الرأي العام الفلسطيني. وكان النجاح حليف حماس في الحالتين. ومنذ العام 2007، جرت محاصرتها في غزة، وأُلقيت على كاهلها مسؤولية حكم السكان الخاضعين للحصار في القطاع، ناهيك عن أنها خاضت مواجهات مسلحة مع إسرائيل كانت تلجمها بين الحين والآخر اتفاقيات هشّة لوقف إطلاق النار. وقد حمل هذا العام في جعبته فرصتين للحركة من شأنهما مساعدتها على الخروج من هذا الوضع، وهما الانتخابات والحرب الراهنة مع إسرائيل.

فقد منحت الانتخابات حماس فرصة حقيقية، وإن محدودة، للبروز من جديد في الضفة الغربية، حيث طغت عليها إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والانخراط في الهياكل الوطنية الفلسطينية، المتمثّلة في برلمان عاود الالتئام ومنظمة التحرير الفلسطينية. كانت حماس تأمل في السيطرة على كتلة كبيرة جدًّا داخل برلمان منقسم، ولو تحقّق ذلك لوجدت نفسها منخرطة في عملية صنع القرار الفلسطيني وطرفًا فاعلًا لا يمكن احتواؤه أو تجاهله بعد الآن. فهي قد انتخبت لتوها قيادة جديدة على استعداد لتقديم تنازلات للرئيس الفلسطيني محمود عباس وفتح لإحراز تقدّم على مسار إجراء الانتخابات وتحقيق مصالحة فلسطينية. وعندما ألغى عباس الانتخابات خوفًا من الانقسامات داخل حركته (استنادًا إلى أسس مُفترضة وغير مقنعة بأن الانتخابات كانت تُعرقل في القدس)،

خرجت حماس خالية الوفاض من دون أي مقعد. مع ذلك، برزت في مواجهتها جهات منافسة تنخرها الانقسامات الآن، ورئيس لا يتمتّع بالصدقية ولا تتوافر أمامه سوى خيارات محدودة.

هذا الفراغ السياسي الذي أعقب إلغاء الانتخابات تسبّب بأزمة عميقة الجذور مرتبطة بالقدس، فاقمت الصدمات التي يعانيها الفلسطينيون راهنًا وتلك التي عانوها في السابق. وحين عمدت إسرائيل إلى طرد الفلسطينيين المقيمين في حي الشيخ جراح، ذكّر ذلك بأحداث النكبة التي أسفرت عن طرد الفلسطينيين من أراضيهم في العام 1948 بعد تأسيس إسرائيل. لكنها، من خلال رغبتها في فرض سيطرتها على كامل المدينة، وإعادة إحياء مطالب اليهود بملكية عقارات تعود إلى ما قبل العام 1948، واستمرارها في انتهاك حقوق الفلسطينيين، جعلت النكبة تبدو وكأنها فعلٌ مستمر بدل أن تبقى ذكرى تاريخية.

وعلى ما يبدو، تزامنت هذه الخطوات أيضًا مع تخلّي المجتمع الدولي عن الفلسطينيين. فإدارة ترامب دعمت الجهود التي بذلها متطرّفون إسرائيليون لطرد الفسلطينيين من منازلهم في القدس واستبدالهم بمستوطنين إسرائيليين. لكن هذه المسألة اتخذّت طابعًا دينيًا، بعد أن فرضت إسرائيل إجراءات مشدّدة لتقييد حركة المصلّين في المدينة خلال شهر رمضان، واستهدفت أولئك الذين كانوا في باحات المسجد الأقصى، وهو من أكثر الأماكن قدسية للفلسطينيين والمسلمين في جميع أنحاء العالم. وأدّت صور الاشتباكات من داخل مجمّع المسجد، ومقاطع الفيديو التي شوهدت على نطاق واسع وأظهرت اقتحام الشرطة الإسرائيلية للمسجد، إلى تنامي الغضب الفلسطيني.

الجدير ذكره أن حماس لم يكن لها يد في إطلاق موجات التعبئة ضد عمليات الإخلاء، كما لم تتولَّ قيادة أي منها. لكن هذه التدابير أفسحت المجال أمامها للتحرّك، إذ يعتقد قادة حماس أنهم لن يُحمَّلوا مسؤولية الأثمان الباهظة التي يدفعها اليوم سكان غزة جرّاء الهجمات الإسرائيلية على المناطق السكنية ومقتل المدنيين، مع العلم بأن جولات القتال السابقة ارتكزت على هذه المعادلة. من جهته، أوضح رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، أن الحرب ليست خيار حماس، بل إن الفلسطينين هم من "نادوا الحركة" وطلبوا منها التدخل، قبل أن يدعو إلى قيادة فلسطينية جديدة.

أسفر هذا الصراع حتى الآن عن مقتل حوالى 200 شخص من سكان غزة، من بينهم 58 طفلًا و35 امرأة، فيما قُتل 11 إسرائيليًا في الهجمات الصاروخية. وتابعت حماس الحرب عبر إطلاق صواريخ على القدس الغربية ردًّا على اقتحام الشرطة الإسرائيلية المسجد الأقصى. وكانت حماس تأمل استخدام ذلك للتخفيف من

حدّة الحصار الذي فُرض ضدّ حكمها في غزة، إذ إن الحركة تعير اهتمامًا خاصًا لمكانتها بين السكان، ولا سيما تدقيق الشعب في خطواتها وقيادتها المُنتخبة. في هذا الإطار، شكّلت إعادة انتخاب يحيى السنوار في العام 2021 رئيسًا للحركة في قطاع غزة انتصارًا لنهج براغماتي في مسألة الانتخابات وتقاسم السلطة. وقرّرت حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية للخروج من مأزقها الحالي. فمنذ سيطرتها العسكرية على قطاع غزة في العام 2007، قامت حماس بقمع الأصوات المعارضة. وبات العديد من الشباب ينظرون إلى سلوك الحركة على أنه "فاسد" تمامًا كحكم فتح. يُضاف إلى ذلك أن العيش تحت الحصار ليس شكلًا قابلًا للاستمرار من أشكال المقاومة. وقد أدّى الحصار الإسرائيلي لقطاع غزّة إلى الحؤول دون تمكّن حماس من الوفاء بوعودها وتطبيق برامجها الانتخابية والاجتماعية، ما قوّض موقفها على المستوى المحلي. وعلى هذا الأساس، يعتبر العديد من سكان غزة أن مشروع حماس للجمع بين المقاومة المسلحة والسلطة الحاكمة قد فشل إلى حدٍّ بعيد.

مع ذلك، شكلّت عمليات القتال الأخيرة فرصة أمام حماس لتأكيد دعمها لسكان غزة وطمأنتهم بأن معاناتهم لم تذهب هباءً. وخلال تواصلنا مع أشخاص في غزة عبر تطبيق واتساب، تحدّث العديد ممن انتقدوا المواجهات العسكرية السابقة بين حماس وإسرائيل عن تأييدهم لخطوات الحركة اليوم. وفي خطاب ألقاه الأسبوع الماضي، حمل هنية راية "المدافع" عن سكان الشيخ جراح وعن المسجد الأقصى، وصوّر نفسه ممثّلًا عن الشعب الفلسطيني. لكن في الوقت الراهن على الأقل، يبدو التناقض مع حركة فتح غير الفعّالة صارخًا، ما يسمح لحماس بالقول إنها تمهد الطريق أمام تحقيق الوحدة الوطنية.