الانتهاكات التي قامت وما زالت تقوم بها اسرائيل من خلال استهداف المدنيين ومحاولات التهجير الواسعة ضد المواطنين المقدسيين من الأحياء المقدسية في الشيخ جراح وسلوان وغيرهما، واستبدالهم بمستوطنين اسرائيليين، والقصف الإسرائيلي الأخير لغزة، هي جرائم حرب وتطهير عرقي تشكل خرقاً صارخاً للقوانين الدولية. لكن النتيجة النهائية أظهرت فشلاً ذريعاً للحكومة الإسرائيلية وآلتها العسكرية في كسر إرادة الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه وحقه التاريخي فيها. فلم يكن الشعب الفلسطيني موحداً كما هو اليوم في وقوفه ليس ضد الاحتلال الاسرائيلي فحسب، بل ضد ما أصبح واضحاً للعالم من ممارسات اسرائيلية لم يعد بالإمكان وصفها إلا بنظام الفصل العنصري "الابرتهايد".

لقد حاولت اسرائيل منذ تأسيسها أسلوب تفرقة الشعب الفلسطيني وشرذمته ليسهل عليها التعامل مع سكان البلد الأصليين، فوضعت من لم تستطع تهجيره من أرضه تحت الحكم العسكري لمدة ثمانية عشر عاماً، ثم مارست سياسة الاضطهاد والتمييز العنصري ضدهم حتى دشنت ذلك بقانون القومية اليهودي الذي يجعل فلسطيني الداخل مواطنين من الدرجة الثانية قانونياً، وهو التعريف القانوني لنظام الفصل العنصري. ثم قامت بانتهاك القانون الدولي صباحاً مساءً عند احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، إضافة الى محاولة عزل غزة عن الضفة الغربية، ولا تزال تحاول اقامة "باندوستانات" فلسطينية غير مترابطة ومحاطة من اسرائيل من كافة الجهات.

من الواضح اليوم أن هذه المحاولات مصيرها الفشل. فقد واجه الفلسطينيون، كل الفلسطينيين، القوة الاسرائيلية والحصار الجغرافي بتوحيد صفوفهم وأظهروا بجلاء حقيقة وجود أغلبية فلسطينية عددية داخل الأراضي التي تسيطر عليها اسرائيل، لا يمكن الاستهانة بها. فلم تعد اسرائيل تستطيع استخدام قوتها العسكرية لإخماد هذه القوة العددية التي باتت تشمل فلسطيني يافا وحيفا وعكا والناصرة والنقب، كما تشمل القدس ونابلس والخليل ورام الله وجنين وطولكرم وأريحا. كما تجددت ثقة الشارع الفلسطيني بقيادة جيل فلسطيني جديد، جيل ما بعد أوسلو، بقدرته على مواجهة القوة العسكرية، ومن شأن استمرار توحيد هذه الجهود الفلسطينية أن تؤثر ايجاباً على مجمل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

كما أن نظرية التطبيع الاسرائيلي مع دول عربية كبديل عن السلام مع الجانب الفلسطيني قد سقطت. فقد أصبح واضحاً أن التطبيع مع هذه الدول لم يؤد إلى جعل الموقف الاسرائيلي أكثر اعتدالاً—أو أقل تعنتاً—أو يُساهم بالتأثير على إسرائيل أو ردعها عن الاستمرار في انتهاكاتها الجسيمة. كما أصبح من الواضح أيضاً أن هذه الاتفاقيات ما زالت على مستوى الحكومات، وأن شعوب هذه الدول لا ترضى بمثل هذا التطبيع بينما يتعرض الشعب الفلسطيني للقصف والتهجير.

نشهد اليوم تحولاً واضحاً في موقف المجتمع الدولي من اسرائيل. فبينما دعم هذا المجتمع الجهود المبذولة سابقاً لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية بما يدعى بحل الدولتين، فقد وقف هذا المجتمع موقفاً محايداً من الانتهاكات الاسرائيلية للحقوق الفلسطينية والقانون الدولي بحجة أن انتقاد اسرائيل أو محاسبتها قد يقف عائقاً أمام هذا الحل.

بعد ثلاثين عاماً من مؤتمر مدريد، وبعدما أصبح واضحاً أن فرص هذا الحل باتت شبه معدومة، لم يعد باستطاعة المجتمع الدولي السكوت عن هذه الانتهاكات، وبخاصة في ضوء الغطرسة الاسرائيلية المتزايدة ومحاولتها ضم الاراضي المحتلة فعلياً، وقتل أي فرصة لحل الدولتين. وقد بدأنا نشهد مراكز ابحاث ومنظمات لحقوق الانسان ووسائل اعلام عالمية ورئيسية تنعت ما تقوم به اسرائيل من ممارسات بالفصل العنصري، وهو ما كان من المحرمات عالمياً حتى وقت قصير. هناك كتلة حرجة عالمية تكبر بإطراد تطالب بوقف الاستثناء الاسرائيلي المعمول به عالمياً، وبضرورة محاسبة اسرائيل على انتهاكاتها، ولم تعد هذه الكتلة تأبه بــــ "البروباغاندا" الاسرائيلية التي تنعت كل من ينتقد اسرائيل باللاسامية. بمعنى آخر، لم يعد المجتمع الدولي يحتمل الممارسات الاسرائيلية أو يتغاضى عنها بعد اليوم.

وينطبق هذا على مجموعات داخل المجتمع الامريكي أيضاً. هناك تحول واضح داخل صفوف الشق التقدمي الليبرالي من الحزب الديمقراطي ضد الممارسات الاسرائيلية، ما أدى الى مطالبة عدد غير مسبوق من أعضاء الكونغرس، بربط جزء من المساعدات الأميركية لإسرائيل، باحترامها حقوق الانسان. كما قامت منظمة أميركية كبرى لحقوق الانسان، هيومن رايتس واتش، وكذلك أحد أهم وأقدم مراكز الأبحاث الأميركية الرئيسية، كارنيغي، بوصف ما تقوم به اسرائيل بالابرتهايد، ومطالبة الأخير بمقاربة تعتمد على احترام حقوق الفلسطينيين بالتوازي مع، وبمعزل عن أي مسار سياسي يرغب الجانبان في اتخاذه.

إن مثل هذه التحولات داخل المجتمع الأميركي تعني أن أي مقاربة أميركية تعتمد على المعطيات السابقة وتواصل استثناء اسرائيل من أي محاسبة وتهدف الى ادارة الصراع فقط لن تنجح في التوصل الى تهدئة طويلة الأمد، فالحقائق تغيرت على الأرض بسبب الارادة الفلسطينية الشعبية التي لم تعد تقبل انتهاكات متكررة واحتلالاً لا ينتهي.

ماذا يعني كل ذلك أردنياً؟ إن الدور الأردني التاريخي الذي حاول بجهود كثيفة ومخلصة انهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة على الأرض الفلسطينية، قد تجاوزته الأحداث الى حد كبير. فالتعنت الاسرائيلي وعمله ضد المصلحة الوطنية الاردنية واتفاقيات التطبيع العربية، قد أثرت الى حد كبير على ما كان للأردن من دور.

بالرغم من ذلك، تقتضي المصلحة الاردنية أن يبقى للأردن دور فاعل في انهاء الاحتلال الاسرائيلي وأن يكون حاضراً في أي محفل إقليمي أو دولي يبحث في المسارات السياسية لانهاء الاحتلال. لا بد من الادراك أردنياً بأن المقاربات وترداد المواقف السابقة وكأن الحقائق والواقع الفلسطيني هو ذاته وتجاهل كل المعطيات التي تم ذكرها أعلاه، لن يؤدي إلى استعادة الدور الأردني الذي يطمح اليه، لأن المقاربة الأردنية الحالية تفقد تدريجياً صلتها مع الواقع.

على أي دور أردني فاعل أن يقوم بإعادة تقييم شاملة باتجاه مقاربة تأخذ بعين الاعتبار واقع الحال مقارنة بما كان عليه في السنوات القليلة الماضية واضطرابات الوضع الداخلي. فلن يستطيع الأردن استعادة ثقله السياسي ومكانته على الساحة الدولية دون الالتفات جدياً للشأن الداخلي وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة المختلفة. فلا مجال اليوم للاستمرار في استخدام الشماعة الفلسطينية ذريعة لإعاقة المضي قدماً في موضوعات الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد حان الوقت أيضاً للتخلي عن النظرية التي اعتمدها بعض اركان الحكم في السابق التي تعتقد بأن المشروع الوطني الفلسطيني يتعارض مع المصلحة الأردنية العلياً، وإدراك أن المشروعين الوطنيين الأردني والفلسطيني متكاملان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ولا يتعارضان مع السياسة الأمنية الأردنية. فالأحداث الأخيرة رسخت حقيقة تشبث الفلسطيني بأرضه واستبساله في وجه أي محاولة تسعى الى انتزاع المزيد من أرضه وتهجيره. وبالمقابل، فإن مناعة الأردن تجاه أي مخطط صهيوني تتأتى من قوة جبهته الداخلية واستعادة ثقله السياسي في المنطقة.

لا تعني كل التحولات أعلاه أنها ستؤدي الى إنهاء الاحتلال والوصول الى سلام في القريب العاجل. فهذا لن يحدث. ولكن ما نحن في صدده هو تحول في الأطر العامة للصراع علينا أن نعيه ونعمل بمقتضاه.

قوة الموقف الأردني من الآن فصاعداً لن تكمن في ترديد المواقف السابقة من القضية الفلسطينية، وانما بترتيب الوضع الداخلي كأولوية والدفع عربياً ودولياً باعتماد مقاربة جديدة تعتمد الحقوق الفلسطينية بالتوازي مع المسارات السياسية أياً كانت. هذه مصلحة أردنية بامتياز أرجو من الحكومة التقاطها والخروج من الدوائر السابقة التي لم تعد صالحة لإنتاج حل يحظى بقبول الشعبين الأردني والفلسطيني ويحقق في ذات الوقت المصلحتين الأردنية والفلسطينية.