مهند صبري صحافي وكاتب مصري عاش في القاهرة حتى العام 2015، قبل أن يغادر إلى المنفى الطوعي بعد تعرّضه إلى تهديدات متنامية. في العام 2011، اختير في قائمة الترشيحات النهائية للفوز بجائزة ليفينغستون للتقارير الصحافية الدولية، ورُشِّح لجائزة "إيمي" ضمن فريق PBS Frontline الذي أنتج الشريط الوثائقي "مصر في أزمة" في أيلول/سبتمبر 2013. صبري ذو اطّلاع واسع على التطورات في شبه جزيرة سيناء، حيث تخوض الحكومة المصرية مواجهة ضد التمرد منذ سنوات عدة. وهو مؤلّف كتاب Sinai: Egypt’s Linchpin, Gaza’s Lifeline, and Israel’s Nightmare (سيناء: عماد مصر، حياة غزة، كابوس إسرائيل) (2015)، الذي حُظِر في مصر بُعيد صدوره. أجرت "ديوان" مقابلة مع صبري في أواخر أيار/مايو لمعرفة رأيه حيال الدور الذي أدّته مصر خلال النزاع الأخير في غزة.

مايكل يونغ: بعد التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار في غزة، كيف تقيّم سلوك مصر خلال النزاع الأخير؟

مهند صبري: شكّل وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة من مصر التي مارست ضغوطًا سريعة وحثيثة في هذا المجال، دليلًا على مدى فعالية الدور المصري خلال النزاع الأخير. فلولا الجهود المصرية، لتواصلت الحرب بين إسرائيل والفصائل المسلّحة في غزة لأسابيع وتسببت بسقوط مزيد من الضحايا بالمئات في صفوف المدنيين والعسكريين، فضلًا عن إلحاق دمار أوسع بقطاع غزة الذي يعاني أصلًا من الإنهاك.

ولكن الخطوات التي اتخذتها القاهرة خلال النزاع، والتي اختلفت إلى حد بعيد عن مواقفها السابقة بشأن غزة، تطرح تساؤلات وهواجس جدّية حول النوايا الحقيقية لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي. فالموقف الذي اتخذه النظام المصري دفاعًا عن غزة وشعبها، مثل استئناف التواصل بشكل كامل مع قادة حماس، يأتي في ظل استمرار القضاء المصري بملاحقة مئات الأشخاص وزجّهم في السجون بتهم الإرهاب والتعامل مع حماس. حتى الرئيس المصري الراحل محمد مرسي الذي أطاح به السيسي توفّي في قاعة المحكمة بعد اتهامه بالتعامل مع حماس.

مع أن السلوك المصري انّسم بالإيجابية، يتعين على القاهرة الآن الإيفاء بالوعود التي قطعتها من خلال التوصل إلى تسوية عادلة وسلمية للتحديات الطويلة الأمد المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة. فمقدّمو القنوات التلفزيونية المموَّلة من الدولة الذين أجهشوا بالبكاء على الهواء تحسّرًا على الضحايا المدنيين في قطاع غزة كانوا موضع تهكّم، نظرًا إلى أن الأبواق نفسها الناطقة باسم النظام دعت إلى إحراق غزة بأكملها قبل بضع سنوات. لذا، إن لم يتبلور تغيير حقيقي في السلوك المصري، ستبقى الخطوات المصرية الأخيرة من دون جدوى.

يونغ: ماذا كانت حسابات القاهرة في السياق الإقليمي؟ كانت مصر المحاوِر العربي الأساسي في المسائل الفلسطينية، لكن هل ما زالت كذلك اليوم؟ وما تأثير العوامل الإقليمية على الموقف المصري حيال غزة؟

صبري: مما لا شك فيه أن التطورات الإقليمية واتفاقيات التطبيع التي أُبرمت العام الماضي بين إسرائيل وبعض الدول العربية أثّرت بشكل كبير على الحسابات المصرية. يريد نظام السيسي أن يبرهن أن مصر كانت ولا تزال الوسيط الأقوى حيال النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، على الرغم من أهمية الاتفاقيات والتطورات الإقليمية الأخرى.

لقد شكّلت إعادة ترسيخ الدور المصري انتصارًا كبيرًا لنظام السيسي فاق جميع الحسابات الأخرى المتعلقة بصون السلام وحماية المدنيين في غزة. صحيحٌ أن مصر أشهرت الورقة الإنسانية المؤيّدة للسلام، لكن النظام كان أكثر اهتمامًا بتوطيد دعائم حكمه من خلال الحفاظ على نفوذه الإقليمي واستعراض مدى فعاليته. وسُرعان ما حصدت مصر ثمار هذه الخطوات، إذ كانت الطرف الوحيد الذي تلقّى إشادة دولية ورسائل امتنان من إسرائيل وغزة على السواء، وكذلك من الرئيس الأميركي جو بايدن وغيره من قادة العالم.

من جهة أخرى، تطرح هذه الإشادة تحدّيًا خطيرًا على مستوى علاقات مصر مع الدول العربية الأخرى، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الداعمتين والمموّلتين الأساسيتين للسيسي منذ الانقلاب الذي قاده إلى السلطة في العام 2013. فأي بوادر منافسة أو خصومة معهما قد تُخلّ بالعلاقات الهشّة أصلًا بين النظام المصري وقوى إقليمية أخرى.

يونغ: أبقت مصر معبر رفح مع غزة مفتوحًا لأسباب إنسانية، ما ينم عن موقف أكثر مرونة من السابق. كيف تُقيّم مقاربتها الراهنة للمسائل الإنسانية مقارنةً مع المراحل السابقة؟

صبري: يُثير الوضع في معبر رفح ومقاربة القاهرة للمسائل الإنسانية في غزة عمومًا، شكوكًا كبرى بشأن صدقية الموقف المصري. ففي حين بقي المعبر مفتوحًا أمام المسافرين العاديين، بما في ذلك الطلاب والأشخاص الذين حصلوا على تصاريح سفر قبل اندلاع النزاع، ظل مقفلًا أمام ضحايا الحرب وقوافل المساعدات الإنسانية والصحافيين والعاملين في المنظمات غير الحكومية.

وكانت قد انقضت بضعة أيام على بدء النزاع قبل أن تسمح مصر، في اليوم السابع، بمرور اثنَي عشر مصابًا فقط عبر الحدود لتلقّي العلاج. وقد أوردت مصادر في معبر رفح وداخل غزة أن أكثرية المدنيين المصابين مُنِعوا من العبور إلى مصر بسبب مخاوف أمنية. أما في ما يتعلق بالمساعدات، فلم تسمح مصر بدخولها إلا عند دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، حين أجازت لقافلة من 80 شاحنة العبور إلى غزة، وكانت الشاحنات مغطّاة بصور السيسي وتحمل الشعار التالي "هدية الرئيس [المصري] للشعب الفلسطيني"، ما أثار استهجانًا واسعًا.

مع ذلك، يبدو هذا الوضع مناقضًا لما شهده معبر رفح من إغلاق تام خلال حرب 2014. آنذاك، دعمت مصر بالكامل العمليات العسكرية الإسرائيلية، وأطلقت وسائل الإعلام المموَّلة من الدولة دعوات للقضاء كليًا على حماس وسائر الفصائل المسلّحة. وهذه المرة، ما فعلته مصر هو أقل من الحد الأدنى من إمكانياتها على المستوى الإنساني، نظرًا إلى الدمار الذي لحق بالبنى التحتية، وبمئات، لا بل آلاف المنازل التي يقطنها مدنيون، فضلًا عن إصابة نحو ألفَي شخص في النزاع.

أثارت مقاربة مصر للأزمة الإنسانية في غزة سؤالًا جديًا يتعيّن على نظام السيسي الإجابة عليه بطريقة عملية: هل القاهرة صادقة في سعيها إلى تخفيف معاناة أبناء غزة أم أنها تستخدم محنتهم بمثابة رافعة لتحقيق أهداف سياسية؟ جوابها على هذا السؤال إما يعزّز شعبيتها أو يقوّض بالكامل مصداقية تحوُّلها المفاجئ نحو تبنّي خطاب إنساني.

يونغ: وسط مؤشرات عن تعاظم الاستياء الإقليمي والدولي من سوء المعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين، كيف يمكن أن يؤثّر ذلك برأيك على السياسات المصرية حيال إسرائيل؟

صبري: لقد وظّفت مصر وإسرائيل موارد طائلة في بناء علاقات وثيقة بينهما على نحوٍ غير مسبوق خلال الأعوام الأخيرة بعد وصول السيسي إلى السلطة، وبالتالي لن تتخلّيا عن هذا المجهود بسبب استياء دولي أو إقليمي. إضافةً إلى ذلك، صبّت هذه العلاقة في صالح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأفادت كذلك الجيشَين المصري والإسرائيلي.

أظهرت هذه التناقضات بوضوح عمق العلاقات المصرية-الإسرائيلية وتعقيدها. ففيما سارع نظام السيسي إلى التوسط للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار ووضع حدٍّ لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، شنّ أيضًا حملة مناهضة لتل أبيب عبر القنوات التلفزيونية المموّلة من الدولة شاهدها مئات الملايين من الأشخاص في مختلف أنحاء المنطقة. مع ذلك، تلقّى رسائل شكر علنية من نتنياهو ومن السفيرة الإسرائيلية المحتفى بها في مصر أميرة أورون.

في غضون ذلك، يبقى السيسي زعيمًا لا يحظى بشعبية كبيرة، وسجلّه ملطّخ بالدماء في مجال حقوق الإنسان، على الرغم من التأييد الذي حصده بعد موقفه من الوضع في غزة. ويواجه نتنياهو بدوره تحديات خطيرة في الداخل قد تؤدّي إلى تنحيته من منصبه، ما يضع الحكومتَين المصرية والإسرائيلية والعلاقات بينهما عند منعطف مهم. سوف يُظهر المستقبل القريب مدى استعداد السيسي ونتنياهو لتقديم تنازلات حيال الوضع في غزة وما إذا ينبغي رفع الحصار عن القطاع. وسيكشف ذلك الأولوية القصوى لكلٍّ منهما.

سيُحدّد النهج التي يتبنّاه السيسي للتعامل مع إسرائيل في المرحلة المقبلة مصير سياساته الجديدة حيال غزة والشعب الفلسطيني. فإما يَظهر على أنه مدافِع عن غزة على الرغم من سجله، ويضغط من أجل التوصل إلى حلول دائمة للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، أو يبقى في حُلّة الدكتاتور صاحب القبضة الحديدية الذي استهلّ عهده بارتكاب مجزرة بحق المتظاهرين في شوارع القاهرة.