من يزور بغداد اليوم، لا بد أن تلفت نظره الجداريات الكبيرة المنتشرة في طريق المطار وفي بعض المناطق الحيوية من العاصمة، كالمنطقة الخضراء والكرادة والجادرية، لأبي مهدي المهندس، رئيس أركان (الحشد الشعبي) الذي قتل في الغارة الأمريكية التي استهدفت الجنرال قاسم سليماني في مطار بغداد. من الواضح أن تلك الجداريات والصور هي جزء من جهد منظم لإعادة تشكيل الفضاء العام المفكك بما يبرز السردية التي تتبناها الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي والتي جعلت من "شهادة" المهندس قيمة رمزية عالية، وبما يعكس أيضاً تصورها الخاص المتأثر كثيراً بأيديولوجيا النظام الإسلامي في إيران وبمقولات التشيع الجهادي الشيعي، عن الصراع مع "الشيطان الأكبر".

وفي وقت ينقسم الشيعة العراقيون – شأنهم شأن معظم المجتمعات في زمن السوشيال ميديا – الى جزر افتراضية منعزلة عن بعضها بعضاً، وتنتظم حول سرديات ورموز متصارعة، فإن الفضاء المكاني في بغداد وبقية المدن العراقية هو الساحة التي تلتقي فيها السردية مع القوة المادية والارغامية لتعكس – رمزياً – علاقات القوة الجديدة بعد صعود (الحشد الشعبي). ومنذ انحسار موجة الاحتجاجات التي انطلقت في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019، والتي صنعت ما يمكن تسميته بالسردية التشرينية المتمحورة حول فكرة الاحتجاج على نظام المحاصصة الحزبية وهيمنة القوى الإسلامية الشيعية، يبدو الفضاء العام في مركز بغداد أكثر طواعية لتأثير قوى (الحشد الشعبي)، بحيث طغت صور "شهداء النصر" (وهي التسمية التي تشير الى الجنرال سليماني والقائد ابي مهدي المهندس)، على الصور والرموز المتعلقة بـ "شهداء تشرين".

وبينما يرى كثيرون أن السردية التي تعتنقها الفصائل "الحشدية" تعكس علاقتها الخاصة بإيران، الى حد النظر الى تلك الفصائل كأذرع عسكرية-ايديولوجية للحرس الثوري الإيراني، يغفل هذا التصور أحياناً جانباً آخراً مهماً يتمثل في أن معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل كانت عنصراً اساسياً في خطاب محمد الصدر، الملهم والمؤسس لما سيعرف بالحركة الصدرية، والتي ينحدر الكثير من أعضاء الفصائل المسلحة النشطة في (الحشد الشعبي) منها. بل إن (عصائب أهل الحق)، احدى أكبر هذه الفصائل، عملت في بيانها الصادر بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتأسيسها على التذكير بأنها تشكلت على يد ثُلة من "الشبان" الذي تربوا على يد محمد الصدر، ليواجهوا أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية. كما لم يفت أكرم الكعبي، زعيم حركة (النجباء) وأحد المنشقين الآخرين عن مقتدى الصدر، في تعليقه على الصراع الذي تصاعد بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الأيام الأخيرة من رمضان، التأكيد أن "المقاومة" في العراق ستستهدف دعاة التطبيع أو المروجين لعلاقات مع إسرائيل وستعاملهم معاملة "الصهيوني الغاصب المهدور دمه".

من المهم النظر لخطاب فصائل مثل (العصائب) و (النجباء) في سياقه السياسي والفكري والاجتماعي، فهو، أولاً، يعكس الصراع السياسي المتصاعد بين هذه الفصائل – وبشكل خاص العصائب صاحبة الجناح السياسي- وبين التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر الذي ورث ولاء الجسم الأكبر من "الحركة الصدرية" بعد عام 2003. فالفصائل تريد هنا التأكيد على أنها الأكثر وفاءً للقيم التي نادى بها محمد الصدر، وأبرزها رفض الاستعمار ومعاداة الولايات المتحدة واسرائيل، وبالتالي فهي أكثر صدرية من "التيار الصدري" الذي أشار تقرير جديد للإيكونوميست عن تقارب براغماتي بينه وبين الولايات المتحدة. وثانياً، بتأكيدها صدريتها، تريد العصائب أن تؤكد "عراقيتها"، وهي "ثيمة" ترددت بكثرة مؤخراً في خطاب زعيمها، قيس الخزعلي، الذي رفض القول إن مواجهة الفصائل للأمريكيين تستهدف حصراً خدمة المصالح الإيرانية في العراق. ولربما يُمثل هذا الموقف أيضاً استعداداً لوضع تحصل فيه تهدئة إيرانية-أمريكية إذا توصلت طهران وواشنطن الى اتفاق على الملف النووي، بحيث يصبح على الفصائل أن تمضي الى شق طريقها الخاص الذي لا يجعلها مجرد أوراق في أي تسوية دولية أو إقليمية مستقبلية. ثالثاً، إن خطاب "المقاومة" صار مصدراً أساسياً تشتق منه الفصائل شرعيتها، لأنه من جهة يبرر استمرار امتلاكها للسلاح وتوظيفه لحجز مقعد على الطاولة والتأثير في معادلات القوة ضمن نظام لا تحتكر الدولة فيه سلطة "الارغام الشرعي"، ومن جهة أخرى يضمن استمرار التماهي مع المحور الإقليمي الذي تقوده إيران وما يوفره من حماية لأطراف ذات قواعد شعبية محدودة ومهددة بالعقوبات الأمريكية والدولية في الوقت نفسه.

لكن ما هو أكثر أهمية في هذا الموضوع، هو أنه يجسد التشرذم المتزايد في الفضاء السياسي-الاجتماعي الشيعي، والذي ينعكس صراعاً بين سرديات مختلفة تستمد وقودها من مصادر مختلفة للشرعية. إن هذا التشرذم هو نتاج لعوامل عدة يمكن تتبعها الى عام 2014 مع فشل نوري المالكي بالحصول على منصب رئيس الوزراء لدورة ثالثة رغم فوزه الكبير في الانتخابات التي جرت ذلك العام. لقد تمكن المالكي خلال ثمان سنوات في موقع رئاسة الوزراء وبالاستفادة من العوائد النفطية الكبيرة التي توفرت لحكومته قبل تراجع أسعار النفط عام 2013 ومن سيطرته على القوى الأمنية واتساع شبكات الموالين له في مؤسسات الدولة والعلاقات الزبائنية التي نسجها مع فئات اجتماعية متعددة، فضلاً عن ظروف التأجيج الطائفي في العراق والمنطقة والتي ظلّلت انتقاله من الاعتماد على الدعم الأمريكي الى التحالف مع طهران، من تحويل نفسه الى قطب مهيمن في الساحة السياسية الشيعية. ورغم التوتر المستمر بعلاقته مع السيد مقتدى الصدر، واحياناً مع المرجعية الدينية في النجف، الا ان المالكي كان يحث الخطى باتجاه الهيمنة على الواقع السياسي الشيعي وتأسيس نموذج "بوتيني" من السلطوية المرنة المدعومة بمخرجات انتخابية وحيل قانونية تضفي الشرعية عليها. غير أن صعود تنظيم "داعش" واحتلاله ثلث الأراضي العراقية في ذلك العام كان النكسة الأكبر في التاريخ السياسي للمالكي والتي وفرت الظروف الداخلية والدولية لإزاحته عن موقعه. ومنذ ذلك الحين، بدأ التحالف السياسي-الزبائني الذي ضم أيضاً جماعات شبه عسكرية، والذي تزعمه المالكي بالتفكك، ورافقه التفكك بالمؤسسات الأمنية التي قولبها المالكي وحاول تسييسها وبنفس الوقت كبح جماحها عن تهديد سلطته.

تلا ذلك صعود جيل جديد من الجهاديين الشيعة الذين تشكلت هويتهم السياسية والعسكرية والعقائدية في إطار صدامهم مع القوات الامريكية ومن ثم دخولهم في الحرب ضد تنظيم "داعش"، غالباً بدعم إيراني. ساعدت الظروف الجماعات المتعددة التي تمثل هذا الجيل في تعزيز قوتها العسكرية وسيطرتها على الأرض في بعض المناطق، ومن ثم انتقال معظمها بعد 2014 من العمل السري الى العمل العلني وسعيها لتحويل نجاحاتها العسكرية الى قوة سياسية واقتصادية تضمن لها مقعداً على طاولة القرار السياسي ووصولاً مستداماً الى الريع المالي. وقد تحقق لهذه القوى الجديدة الكثير من ذلك، خصوصاً في ظل حكومة عادل عبد المهدي وبشكل خاص بسبب نجاح ابي مهدي المهندس في مركزة القرار داخل (الحشد الشعبي) وفي التأثير الكبير الذي امتلكه على رئيس الحكومة السابق وبفعل علاقة الثقة والنضال الوطيدة التي ربطته بالجنرال سليماني. لكن هذا المعسكر أخذ يشهد تفتتاً وفقداناً للمركزية بغياب كل من سليماني والمهندس، لينعكس ذلك تنافساً بين الفصائل حول مواقع النفوذ وطريقة العمل، فضلاً عن ارتباكاً في العلاقة مع إيران ارتبط ايضاً بالتنافس بين المؤسسات الإيرانية حول تركة الجنرال سليماني.

كذلك جاء اندلاع الاحتجاجات الواسعة عام 2019 ليمثل عامل تغيير وتفتيت جديد. فهذه الاحتجاجات لم تؤد فقط الى اسقاط حكومة عبد المهدي، بل ومثلت تحدياً كبيراً للقوى الإسلامية الشيعية بأجيالها المختلفة، ذلك أنها -خلافاً للاحتجاجات "السنية" عامي 2012 و 2013 والتي كان يسهل لتلك القوى رميها بتهمة الميل البعثي او الطائفي او التحرك بتأثير اقليمي – انبثقت من الداخل الشيعي وانتشرت في المدن الشيعية وكان ملاكها من الشباب الشيعة الذين لم تعد تقنعهم السردية المؤسسة لسلطة الحركات الإسلامية الشيعية بعد 2003 والقائمة على انهاء "المظلومية" الشيعية، فمعظم المحتجين هم من جيل لم يختبر تلك المظلومية أو أن وعيه السياسي تشكل في اطار نظام ما بعد عام 2003 وتأثر بالفشل الذريع في إدارة الدولة وتأمين الفرص الاقتصادية وتطوير الخدمات والبنية التحتية. وإذا كانت الاحتجاجات قد تراجعت كقوة ضغط سياسية مباشرة، فأنها عمّقت من الاستقطاب بين "مدنيين" و"إسلاميين"، وفرضت على القوى الإسلامية خيارين أساسيين، اما ان تقدم بعض التنازلات السياسية والتكيفات الخطابية بحيث تتصالح مع بعض "المطالب" و"الأفكار" التشرينية (وهو الخيار الذي اعتمده بدرجات وصيغ متفاوتة كل من التيار الصدري وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم)، او تتمسك بسردية مضادة تشكك بدوافع تلك الاحتجاجات واغراضها (وهو عموماً خيار الفصائل المنضوية في "محور المقاومة" الذي تقوده طهران). اخذ هذا الاستقطاب الجديد يتمثل في صراع على تشكيل الفضاء العام وفي الخطاب السياسي عبر ثنائيات الدولة/الحشد، الوطن/الطائفة، الاعتدال/المقاومة، شهداء تشرين/شهداء النصر.

إن لهذا التشرذم علاقة بتعددية مراكز القوى وضعف قدرة الدولة على استعادة احتكار سلطة الارغام، والتداخل بين الصراعات الداخلية والإقليمية، وصعود جيل مسيس جديد منقسم بين نزعة شيعية عقائدية ونزعة عراقوية احتجاجية، فضلاً عن التنافسات التي تتبلور في المجال الديني الشيعي استعداداً لمرحلة ما بعد المرجع السيستاني. وبالطبع يتجسد هذا التشرذم بسرديات متعددة متنافسة تعبر من جهة عن تراجع الهيمنة الثقافية -بالمعنى الغرامشوي- لـ"الشيعية السياسية"، ومن جهة أخرى عن تراجع حدة الاستقطاب الهوياتي لصالح الاستقطاب الذي تحركه عناصر اجتماعية-اقتصادية.

ولأن ديناميات الصراع السياسي تفرض الدخول في تحالفات، فان الانقسام الشيعي الذي افرزته انتخابات 2018 بين "تحالف البناء" الذي جمع الأطراف ذات النزعة المتشددة والقريبة من إيران والساعية لتكريس علاقات القوة التي أفرزتها الحرب ضد تنظيم "داعش"، وبين تحالف "لإصلاح" ذي النزعة "المعتدلة" والمنفتح على علاقات إقليمية ودولية أوسع والمستوعب لبعض المطالب الإصلاحية او الاحتجاجية، يُحتمل أن يعكس النمط المقبل من الاستقطاب الشيعي، ومسارات ما بعد الانتخابات المقبلة، في حالة حصولها. أي أنه في حالة عدم انزلاق الأوضاع في العراق الى الفوضى أو الاقتتال الداخلي مجدداً، قد يفرز التشرذم الحالي، ثنائية "يمين"/"يسار"، أو "تشدد"/"اعتدال"، وهي ثنائية هشة وهلامية لكنها تضفي بعض الانتظام على التفكك السائد وصراع السرديات الذي يرافقه.