آرام نركيزيان مستشار أول لبرنامج العلاقات المدنيةالعسكرية في الدول العربية في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط. يركّز عمله على قطاع الأمن في لبنان، والتحوّل في القوة العسكرية في دول المشرق على المدى البعيد، والجهود الرامية إلى تطوير مؤسسات الأمن الوطني في المجتمعات المُنقَسِمة في مرحلة ما بعد النزاع. أجرت "ديوان" مقابلة مع نركيزيان قُبيل مؤتمر 17 حزيران/يونيو الذي دعت إليه فرنسا بهدف توفير الدعم للجيش اللبناني الذي يعاني تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان.

مايكل يونغ: ما هي الأهداف الأساسية على جدول أعمال مؤتمر دعم الجيش اللبناني هذا الأسبوع؟

آرام نركيزيان: على خلاف المبادرات المتعددة الأطراف التي أُطلقت سابقًا (مثل مؤتمر روما 1 ومؤتمر روما 2) بهدف تطوير قدرات الجيش اللبناني ورفع مستوى احترافيته، يركّز هذا المؤتمر الذي يُنظَّم بالتعاون مع مكتب المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، على توفير السبل المناسبة لتعزيز تماسك الجيش (وقوى الأمن الداخلي في نهاية المطاف) واستقراره، وتدعيم قدرته على الصمود والاستمرار، في وجه الأعباء المالية والاقتصادية الهائلة التي تثقل كاهل ميزانية الدفاع الوطني اللبنانية.

هذا المؤتمر هو ثمرة ترتيبات ثنائية رفيعة المستوى بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة، أبرزها مؤتمرهما الافتتاحي لموارد الدفاع الذي عُقد في أيار/مايو 2021، إضافةً إلى اجتماعات جمعت الجيش اللبناني مع المملكة المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2020، ومع فرنسا في أيار/مايو 2020، ركّزت بشكل خاص على طرق تعزيز تماسك الجيش اللبناني والحفاظ على استقراره.

يرمي مؤتمر باريس إلى حثّ الشركاء الدوليين على التفكير في سبل مساعدة الجيش اللبناني في العام 2021، ما يفسح المجال أمام قيادة الجيش للتركيز على إنجاز مهامها – وأبرزها ضبط أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وصون الاستقرار الداخلي – بدلًا من الانشغال في معركة الحفاظ على استقرار المؤسسة، في ظل غياب أي مساعدة فعلية من الحكومة اللبنانية.

مايكل يونغ: هلّا تصف الضغوط التي يعانيها الجيش راهنًا؟

نركيزيان: أدّى تردّي مستوى الحوكمة في لبنان، في ظل غياب أي إجراء إيجابي لتصحيح المسار الاقتصادي، والانهيار المستمر للّيرة اللبنانية، إلى إضعاف القدرات العملياتية للجيش اللبناني على نحو غير مسبوق، وتقويض ظروف عمل ومعيشة العسكريين وأفراد عائلاتهم.

وتقدّر تقارير الجيش أن انهيار الليرة في فترة 2019-2021 أدى إلى خفض الميزانية المخصصة للمشتريات العسكرية الأساسية بقيمة 94.5 في المئة؛ كذلك، تراجع حجم الإنفاق على العمليات والصيانة بنسبة 88.6 في المئة؛ وأدّى فقدان الليرة 87 في المئة من قيمتها مقابل الدولار إلى تدنّي رواتب العسكريين ومخصّصاتهم.

فقد كان الإنفاق الدفاعي على العسكريين مستقرًّا عمومًا عند حدود 2467 إلى 2501 مليار ليرة بين عامَي 2018 و2021. وأنفق الجيش اللبناني خلال العام 2019 ما يعادل 1.655 مليار دولار على العسكريين. وجرّاء انهيار قيمة الليرة في العام 2020، باتت الرواتب والمخصّصات الأخرى تعادل 332.4 مليون دولار عند متوسط يبلغ 7500 ليرة لبنانية للدولار الواحد. واستمر هذا المسار الانحداري خلال العام 2021، إذ بات الإنفاق على رواتب العسكريين ومخصّصاتهم يعادل 208.4 مليارات دولار إذا افترضنا أن المتوسط بات 12000 ليرة للدولار الواحد.

مع أن حالات الفرار من الخدمة العسكرية لا تزال متدنية نسبيًا، ازدادت حالات التهرّب من الخدمة فيما بحث عددٌ من العسكريين عن وظيفة ثانية لزيادة رواتبهم الشهرية. فقد انخفض الراتب الشهري للضباط الأدنى رتبة مثلًا من 2000 إلى 200 دولار. كذلك، ازدادت حالات تغيّب العسكريين عن الخدمة من دون إذن مسبق. يُشار أيضًا إلى أن الأعوام الثلاثة الماضية شهدت أعلى معدلات تسرّب من الجيش، إذ قرّر عدد كبير من العسكريين مغادرة الخدمة العسكرية. فبدءًا من العام 2019، وللمرة الأولى منذ 2007، فاقت أعداد الذين غادروا الجيش اللبناني أعداد من التحقوا بصفوفه. وتراجع عديده بواقع 2,263 عنصرًا في العام 2019، و1,578 في العام 2020، و580 خلال الربع الأول من العام 2021.

والخطير هو أن الجيش يفقد راهنًا ضبّاطًا أكفّاء ورتباء يشكّلون خزينًا هامًّا له، فقد عمل أكثر من عشر سنوات على تعزيز قدراتهم. وإذا استمرّ هذا المنحى من دون اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على القدرات والمواهب المهمة، فسيشهد الجيش اللبناني بعد أن أصبح أحد أقدر جيوش المنطقة، تراجعًا تدريجيًا، ما يُنبئ بزعزعة استقرار البلاد على نطاق لم يشهده لبنان منذ السنوات الخمس السابقة للحرب الأهلية بين 1975 و1990 حين عملت الطبقة السياسية على إضعاف الجيش ونسف قدراته.

يونغ: ما نوع المساعدات التي يمكن أن تقدّمها الدول الصديقة لدعم الجيش اللبناني؟

نركيزيان: تمتلك بعض الدول إجراءات وقوانين تجعل تقديم الدعم المالي المباشر أسهل مما هو عليه في دول أخرى. فعلى سبيل المثال، تُعتبر مصر والعراق في وضع يخوّلهما تقديم مساعدات عينية كالمواد الغذائية والمستلزمات الطبية والوقود. أما دول أخرى، مثل المملكة العربية السعودية، فهي تمتلك الموارد لكن عليها إعادة مواءمة مصالحها مع فكرة دعم الجيش اللبناني، بعد أن أنحتها جانبًا منذ أكثر من خمس سنوات.

لا شكّ أن الطرف الذي سيُحدث الفارق الأكبر هو الولايات المتحدة، التي عمدت إلى زيادة حساب التمويل العسكري الخارجي الخاص بلبنان بنحو 15 مليون دولار ليبلغ 120 مليون دولار للسنة المالية 2021. ومن شأن ذلك أن يخفّف جزءًا كبيرًا من الضغوط التي ترزح تحتها ميزانية الجيش (شبه المعدومة راهنًا) المخصّصة للمشتريات وأعمال الصيانة. وتبدي الولايات المتحدة أيضًا استعدادها لتقديم مبلغ يناهز 59 مليون دولار إلى الجيش اللبناني في إطار تمويل مفوّض من وزارة الدفاع الأميركية بموجب المادة 1226، التي تتيح للحكومة الأميركية تقديم تمويل عسكري لدول شريكة رئيسة – ولا سيما لبنان والأردن – تستخدمه في عمليات أمن الحدود ومكافحة الإرهاب. وتُعدّ هذه المادة فريدة إذ إنها حاليًا الآلية الوحيدة التي تتيح للحكومة الأميركية تحويل الأموال مباشرةً إلى دولة شريكة. لكن أموال صندوق برنامج التمويل العسكري الخارجي وبرامج أخرى يُحتفظ بها في الولايات المتحدة وتدفع منها الحكومة الأميركية تكاليف النظم والتدريب وقطع الغيار لشركائها.

من المنطقي أنه في حال كان الجيش اللبناني يؤدي مهامه كمستفيد من التمويل المُقدّم بموجب المادة 1226 - كما فعل في العام 2017 خلال محاربته تنظيم الدولة الإسلامية، ما أدّى إلى حصوله على 48 مليون دولار في العام 2018 – سيصبح أسهل على الحكومة الأميركية تبرير تخصيص هذه الأموال لدعمه. ويمكن للجيش في هذه الحالة الانخراط في جهود مكافحة التهريب على طول الحدود مع سورية، ومواصلة التصدّي لتنظيم الدولة الإسلامية، والاستمرار في التحلّي بالحكمة حيال استخدام القوة في عملياته الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والمشاركة بحسن نية في المحادثات الثلاثية لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل والأمم المتحدة.

في غضون ذلك، يُعتبر التمويل التكميلي المتوافر لدى دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا مثلًا لدعم الجيش اللبناني محدودًا أكثر بكثير. مع ذلك، بإمكانهما تأدية دور بارز، إلى جانب الولايات المتحدة ومصر، في المساعدة على إقناع شركاء محتملين آخرين مثل السعودية والإمارات بالأهمية الاستراتيجية المتمثّلة في وقف تدهور أوضاع الجيش اللبناني، ولا سيما أن هذا التدهور لن يفيد سوى أفرقاء مثل حزب الله المدعوم من إيران، ويسمح له ببسط نفوذ أكبر بعد على السياسات الأمنية الوطنية اللبنانية.

يونغ: ما هي الأولويات الأميركية المتعلقة بالجيش اللبناني؟ وهل ثمّة مخاوف من أن تؤدي الظروف المتدهورة، ما لم تُعالَج، إلى إفساح المجال أمام تدخّل روسيا وإيران وحزب الله؟

نركيزيان: ترى واشنطن أن لبنان حالة استثنائية، فهو دولة هشة تعزّزت قدرات جيشها الوطني بمعدل عكسي تقريبًا مقارنةً مع حكومتها المركزية. أولًا، تعمل واشنطن بشكل وثيق مع الجيش اللبناني (وليس الحكومة اللبنانية، إذ لا بدّ من التمييز بين الاثنين) للتفكير بشكل خلّاق في كيفية مساعدته على تجاوز محنة الميزانية بحلول العام 2022؛ وثانيًا، تعتبر الحكومة الأميركية أن الجيش اللبناني يؤدّي دورًا لا غنى عنه باعتباره طرفًا فاعلًا في إرساء الاستقرار، وبالتالي لا بدّ عليه أن يحافظ على استقراره وصموده؛ ثالثًا، إذا لم تسهم واشنطن بشكل نشط في المساعي الرامية إلى الحفاظ على تماسك الجيش ووحدته، ثمة خطر حقيقي بأن يسعى الأفرقاء الطائفيون في الداخل إلى تقويض الجيش واستتباعه، أو الأسوأ، أن تحاول دول مثل إيران أو روسيا أو سورية القيام بذلك.

لا شكّ في أن الجيش اللبناني لطالما اعتبر نفسه يدور في فلك الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسيبقى كذلك، ساعًيا إلى تعزيز قدرته على العمل بشكل مشترك مع واشطن والناتو. وآخر ما يحتاجه الجيش اللبناني إقامة أي نوع من العلاقات مع دول مثل روسيا أو الصين أو إيران أو سورية، أو الحصول على مساعدات منها من شأنها أن تهدّد مساره التصاعدي. علاوةً على ذلك، عمد الجيش اللبناني إلى صدّ محاولات رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل وحزب الله التأثير في عملية صنع قراراته الداخلية. وقد نجحت هذه الجهود حتى الآن، وإن كانت مكلفة بالنسبة إلى قيادة الجيش.

يونغ: ما هي برأيك التحديات غير المتوقعة التي قد ينطوي عليها تقديم المساعدات إلى الجيش اللبناني؟

نركيزيان: أولًا، لا بدّ من مساعدة الجيش اللبناني من دون تحويله إلى "طبقة محظيّة" مقارنةً مع سائر فئات اللبنانيين. فالدعم الشعبي الذي تحظى به المؤسسة العسكرية نابعٌ من أنها تضمّ في صفوفها عناصر يمثّلون خيرة المجتمع اللبناني بجميع أطيافه، ويشاركون الشعب معاناته. إذًا، على الجهات المانحة والشركاء الدوليين التفكير في طرق لدعم فئات أوسع من اللبنانيين، وإلا فستتراجع ثقة الشعب اللبناني بجيشه، ما سيصعّب عليه بشكل كبير مهمة الحفاظ على استقرار لبنان وسلامة أراضيه.

ثانيًا، سيواجه الجيش اللبناني تحديًا غير مسبوق لجهة إظهار الشفافية والمساءلة في مسألة الدعم المُقدّم من الجهات المانحة والشركاء الدوليين، ولا سيما أن قيادة الجيش قد تتلقى مساعدات متنوعة، سواء عينية أو على شكل تحويلات مالية بالعملات الصعبة. ويرى الجيش اللبناني أن الدعم الأميركي بموجب المادة 1226 يرتدي أهمية قصوى لأنه سيساعد المؤسسة العسكرية على الصمود لغاية العام 2022. لذا، على الجيش اللبناني التحلّي بالشفافية والإعلان عن المساعدات التي يتلقّاها، وشرح كيف يعتزم إنفاق الأموال بمسؤولية عند حصوله على أي تحويل نقدي كبير.

ثالثًا، يتمثّل تحدٍّ آخر في إمكانية أن يصبح الجيش اللبناني أكثر اعتمادًا على المساعدات الخارجية مما هو عليه الآن. من المرجّح أن تكون خطط مساعدة الجيش اللبناني في العام 2021 – كما في حالة التمويل الأميركي بموجب المادة 1226 – ترتيبًا لمرة واحدة فقط، وقد لا تتوافر هذه المساعدات الحيوية في سنوات أخرى. لذا، سيتعيّن على الجيش اللبناني واللبنانيين التركيز على وقف التمويل المزمن لميزانية المشتريات، والعمل على تصحيح حجم الإنفاق الحالي على العسكريين. وقد يؤدي ذلك إلى فتح نقاش أوسع حول طبيعة الجيش الذي يستطيع لبنان تحمّل حجمه ونطاقه. لكن من الضروري التوصّل إلى اقتصاد دفاعي مستدام في لبنان لإبقاء الاعتماد الراهن للجيش اللبناني على المساعدات الخارجية تحت السيطرة.

أما التحدي الأساسي الرابع الذي سيواجهه الجيش فهو إدارة علاقاته مع شركائه الغربيين والحفاظ عليها. وفي هذا الإطار، تبرز مخاوف متنامية في أوساط الجهات المانحة الغربية من أن قيادة الجيش قد تقترف هفوات في عملية التعيينات في المناصب المهمة، وهذه مسألة حسّاسة للحفاظ على الزخم الإيجابي للمؤسسة. أضف إلى ذلك مخاوف حيال التداعيات الناجمة عن تعيين ضباط يتبنّون مواقف متعاطفة مع حزب الله أو روسيا أو الصين أو إيران. لذا، يرتدي التوقيت أهمية في هذا الصدد، إذ إن الجيش اللبناني تلقّى مؤخرًا ذخيرة من روسيا ونحو 100 آلية خفيفة من الصين. ومن شأن أي انزلاق محتمل أن يلحق الضرر بعلاقات الجيش اللبناني مع الولايات المتحدة، شريكته الأبرز، ويعزّز زخم المشكّكين في هذه العلاقة في واشنطن.