أدى الإعلان عن اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية في الأردن إلى ردود فعل متباينة، بعضها كان إيجابياً، والسلبي منها ناتج في الدرجة الأولى عن اتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وهو أمر مفهوم. جُلّ ردود الفعل السلبية تمحورت حول شعور عام بالملل والإحباط من تشكل لجان عدة ــ إحداها كنت قد ترأستها ــ وخطط يتم بلورتها ثم وضعها جانباً في مشهد كُرر مراراً في السنوات الماضية. على الرغم من ذلك، ما زال يؤمن البعض ــ وأنا منهم ــ أن لا مناص من تكرار المحاولة لأن الاستسلام للوضع القائم سيجلب نتائج كارثية على البلاد، وأن مجرد تشكيل اللجان الإصلاحية هو إقرار من الدولة بأن الازمات المتتالية التي تمر على الأردن لا يمكن حلها دون الولوج في عملية إصلاح شامل ومتكامل طال انتظاره.

لقد حُددت مهام اللجنة الملكية الأخيرة بـ"تحديث المنظومة السياسية" من خلال ثلاثة قوانين أساسية ناظمة للحياة السياسية تتعلق بالانتخاب والحياة الحزبية واللامركزية والتعديلات الدستورية ذات الصلة. في الواقع، هذا يعني أن اللجنة مُناطة بإخراج توصيات تُمثّل جزءاً فقط من عملية إصلاح شامل، ذلك أن الإصلاح المطلوب يتعدى عمل اللجنة ليُعالج مواضيع الإصلاح الاقتصادي والإداري والمجتمعي.

برأيي، يكمن خلل كثير من المحاولات السابقة لتعديل القوانين، وبخاصة قانون الانتخاب، في أنها تبلورت في غياب إطار شامل للإصلاح السياسي يُحدد الأهداف النهائية ومن ثم يُترجمها لقوانين. هذه القوانين تعمل كأدوات للوصول إلى هذه الأهداف بالتدريج، بما في ذلك أي تعديلات دستورية التي تكون وظيفتها مأسسة الإصلاحات المرجوة وجعلها عابرة للحكومات. بعبارة أخرى، لا معنى للحديث عن اعطاء المواطن صوتاً أو أكثر، دون الاتفاق على الأهداف التي يعمل على تحقيقها من خلال تحديث قانون انتخاب مثلاً، وبالطبع هذا الأمر ينسحب على كافة القوانين الأخرى المتعلقة بمجمل العملية الإصلاحية.

في الموضوع السياسي إذن، المطلوب من اللجنة الملكية أن تتفق على هذه الأهداف قبل الولوج في مناقشة وطرح تفاصيل أي قوانين جديدة لتنظيم الحياة السياسية في البلاد.

أزعم هنا أن الاتفاق على الأهداف النهائية جاء في خطط سابقة، أهمها الميثاق الوطني والأجندة الوطنية، وقد تم إما تجاهل هذه الخطط من الحكومات المتتالية أو الحكم عليها بأنها سابقة لأوانها قبل حل الصراع العربي-الإسرائيلي أو اتهامها من الشارع بأنها مستوردة من الخارج. ثم جاءت الأوراق النقاشية الملكية التي تماشت الى أبعد الحدود مع الميثاق الوطني والأجندة الوطنية، بل تميزت عنهما أنها خرجت من رأس الدولة، مما يجعل معارضتها من قوى الوضع القائم لذات الأسباب التي قوبلت بها الخطط السابقة، أكثر صعوبة. وقد حددت هذه الأوراق أهدافاً تصلح بامتياز لاعتمادها نبراساً لعمل اللجنة الملكية، كنت قد أفردت لها مقالة سابقة وأعاد جلالة الملك التأكيد عليها لدى استقباله للجنة الملكية قبل أيام.

في حال الاتفاق على هذا الإطار العريض، تُصبح مهمة اللجنة أسهل بكثير، فأي اقتراحات تتعارض مع الأهداف التي حددتها الأوراق الملكية كحد أدنى، يتم استبعادها، على أن تتلازم أي اقتراحات تتوافق مع هذه الأهداف بجداول زمنية ومعايير أداء من شأنها أن تُقنع المواطن بجدية هذا الجهد، وكي يرى نتائج الاصلاح المتدرج أولاً بأول وبصرف النظر عن تعاقب الحكومات. فلا بد من الإدراك أنه لم يعد بالإمكان تجسير فجوة الثقة بين المواطن والدولة بالوعود والمزيد من الخطط، وإنما بترجمة فعلية ومتدرجة لهذه الخطط تنعكس على حياة المواطن اليومية، وترفع من مستوى معيشته.

وقد سُعدت بوجود لجان خاصة تُعنى بشؤون المرأة والشباب لإحداث التغييرات المطلوبة في القوانين ذات الصلة، بما في ذلك المادة السادسة من الدستور لوضع المرأة تشريعياً في مساواة الرجل وإزالة كافة أشكال التمييز ضدها في التشريعات الأردنية وذلك تماشياً مع توصيات لجنتي الميثاق الوطني والاجندة الوطنية. وفي ذات الصدد، لا بد من ضمان مشاركة المرأة الفاعلة في اللجان الأخرى، إدراكاً بأن أي عملية إصلاحية تخلو من مشاركة فاعلة للجنسين في كافة اللجان لن تؤدي إلى إحداث التوافقات المطلوبة للمضي قدماً في عملية إصلاح متكاملة.

بلا شك أن هناك أهدافاً إصلاحية أخرى تتعدى نطاق صلاحيات اللجنة، على رأسها الاقتصاد والتعليم والإدارة. ولا بد من تحديد ماهية النظام الاقتصادي الأردني والوصول إلى توافق حول طبيعته والانتقال من النظام الريعي الى النظام الانتاجي، وكيفية التصدي للتحديات الكبرى وفي مقدمتها بطالة وصلت لأعلى مستوياتها وعجز الموازنة على حساب النمو والاستثمار. مؤشرات ودلائل اقتصادية كثيرة تدق ناقوس الخطر تستدعي النظر وبسرعة في وضع خطة تهدف إلى تحفيز الاقتصاد وتوفير بيئة استثمارية من خلال إزالة المعوقات أمام القطاع الخاص والاستثمار الخارجي، بما في ذلك عدم استقرار التشريعات الاقتصادية وتعدد المرجعيات الرسمية وتشتت الجهات الممثلة للقطاعات الخاصة وتكلف طاقة لا تطاق.

أما موضوع التعليم الذي خصص له جلالة الملك ورقة بأكملها هي الورقة السابعة، فقد حان الوقت أيضا للاتفاق على أهدافه النهائية والانتقال من التعليم التلقيني إلى آخر يُتيح انتاج المعرفة، دون أن يبقى إصلاح التعليم رهناً بيد من يريد الوقوف ضد الابتكار والإبداع بصرف النظر عن الدوافع. لقد أضحى إصلاح التعليم ضرورة للبقاء وليس ترفاً فكريًا أو نخبوياً أو مؤامرة خارجية ضد الدين أو الثقافة العربية. فلا بد من اعتماد إطار فكري جديد عماده قبول التعددية الفكرية وتشجيع التفكير الناقد.

أصل هنا للإصلاح الإداري، فالجهاز الإداري هو الأداة الأساسية وعضلة تنفيذ السياسة العامة وإخراجها لحيز التنفيذ ضمن الإطار العام والجدول الزمني ومعايير الأداء في حال التوافق على ذلك.

إن صلب أي عملية إصلاحية لا بد أن يتناول اعادة تعريف الأدوار الأمنية والسياسية للسلطة التنفيذية والحد الفاصل بينهما بما يتفق مع رسالة جلالة الملك الأخيرة لمدير المخابرات العامة بعدم التدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية لتجنب تكرار اصطدام العملية الإصلاحية بالحائط الأمني وضمان نجاحها.

أضم صوتي لصوت الغالبية العظمى من المواطنين والمواطنات الذين يعولون على جدية هذه المحاولة، وإدراك الدولة الأردنية أن كلفة الإصلاح أقل من عدمه، وإن الوقت اللامتناهي لتنفيذه ترفاً لم يعد متوافراً. دعونا نأمل أن تكون هذه المحاولة مختلفة هذه المرة.