حمزة المؤدّب باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن الحدودي في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. نشر مؤخرًا دراسة تحمل عنوان "الوجه الخفي للتجارة غير الرسمية العابرة للحدود في تونس بعد العام 2011"، يستعرض فيها مسار التجارة غير الرسمية في تونس (والمقصود فيها التجارة غير الخاضعة للضرائب أو لرقابة الحكومة)، والتي تواصل نموّها على الرغم من القيود المفروضة على طول الحدود البرية للبلاد. أجرت "ديوان" مقابلة معه في مطلع حزيران/يونيو لمناقشة هذه الدراسة.

مايكل يونغ: نشرت مؤخرًا دراسة بعنوان "الوجه الخفي للتجارة غير الرسمية عبر الحدود في تونس بعد العام 2011". ما الفكرة الرئيسة التي تطرحها؟

حمزة المؤدّب: النقطة الأساسية التي ركّزتُ عليها في الدراسة هي أن التجارة غير الرسمية عبر الحدود مزدهرة على الرغم من التدابير الأمنية المشدّدة التي اعتُمِدت على طول الحدود البرية لتونس. ويرجع سبب ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع حجم التبادلات في الممرات البحرية، ما عوّض عن التباطؤ في تدفق السلع عبر الممرات البرية. وتُعزى ديناميكية الممرات البحرية التونسية بشكل كبير إلى صغار روّاد الأعمال الذين يعملون بطريقة غير رسمية من خلال الشبكات التجارية التي تربط بين الموانئ التونسية والآسيوية، إضافةً إلى الاستراتيجيات غير الرسمية التي اعتمدتها بعض الشركات الراسخة للالتفاف على الحواجز والقيود التجارية التي تعترض التجارة. وتعكس هذه الشبكات غير الرسمية توجهًا متناميًا يتمثّل في التحوّل التدريجي للتجارة التونسية بعيدًا من أوروبا، وصعود تركيا والصين في موقع الشريكتَين التجاريتين الجديدتين لتونس.

يونغ: ما السبب وراء الاعتماد المتزايد على التجارة البحرية؟

المؤدّب: لطالما اعتُبرت الممرات البحرية من بين الركائز الأساسية للتجارة غير الرسمية عبر الحدود. وقد حجبَ التركيزُ على طرقات التهريب البرية والتحديات الأمنية التي يطرحها التدفّق غير القانوني عبر الحدود، الشبكات البحرية التي تُعتبر القناة الطاغية لاستيراد البضائع بطريقة غير رسمية. وقد نمت الشبكات البحرية في عهد بن علي وازدهرت لسببين: أولًا، أمكن للتجّار الذين يستوردون البضائع عبر البحر إحضار كميات أكبر من السلع مقارنةً مع الطرقات البرية، مستفيدين من تسديد ضرائب منخفضة من خلال التلاعب بالفواتير.

أما السبب الثاني فهو أن الشبكات البحرية استفادت أيضًا من تضخيم فواتير الواردات لأن ذلك يُسهّل هروب الرساميل بالعملات الأجنبية، ما يتيح بدوره مراكمة الرساميل بهذه العملات بطريقة غير شرعية ويسمح باستيراد كميات أكبر من السلع. وقد سمح ذلك للنخب الاقتصادية المتحالفة مع الرئيس السابق بتكديس الثروات.

علاوةً على ذلك، ازدهر نشاط الشبكات البحرية بعد انتفاضة 2010-2011. ففي ظل تزايد الأعمال الإرهابية في المناطق الحدودية، تفاقمت وصمة العار التي تطبع نظرة الرأي العام إلى المهرّبين والتجّار عبر الحدود، ما أدّى إلى التشدّد في ضبط الأمن وفرض ضوابط على الشبكات العابرة للحدود. وقد أفادت الممرات البحرية من الحملة المكثّفة التي استهدفت الممرات البرية. وشكّل تشديد الإجراءات الأمنية عنصرًا حاسمًا في إعادة تنظيم الشبكات التجارية غير الرسمية. فبات التجار التونسيون الذين كانوا يستوردون السلع المنتجة في الصين أو تركيا عبر الطرقات البرية من ليبيا يعتمدون بدلًا من ذلك على الشبكات البحرية والموانئ التونسية.

يونغ: أشرت إلى أن ازدياد الشبكات غير الرسمية أدّى إلى تحوّل تجارة تونس بعيدًا من أوروبا نحو تركيا والصين؟ ما الديناميكيات السائدة راهنًا؟

المؤدّب: تصل الشبكات البحرية تونس بموردين في تركيا ودبي ودول آسيوية. وتضمن هذه الشبكات تحويل الأموال ونقل السلع. ويزداد يومًا بعد يوم تبنّي شركات وروّاد أعمال في القطاع الرسمي ممارسات غير رسمية من خلال تحويلات مالية غير مشروعة أو التلاعب بفواتير الواردات. وتكشف هذه الشبكات عن الانخراط المتنامي لتركيا والصين في تونس، والتغلغل الأعمق لسلع البلدَين في الأسواق التونسية. وتشهد علاقات تونس التجارية مع أنقرة وبيجينغ تحديدًا تحسّنًا مطّردًا. فارتفاع معدّل الواردات من الصين وتركيا (بنسبة 40 و50 في المئة على التوالي بين العامين 2010 و2019) يقابله انخفاض في معدّل الواردات من فرنسا وإيطاليا (-28 و-2 في المئة على التوالي).

يونغ: حدث هذا الاعتماد المتزايد على التجارة البحرية غير الرسمية على حساب الممرات البرية غير الرسمية عبر الحدود. ما التداعيات الاجتماعية الناجمة عن ذلك، ولا سيما في المناطق الأفقر التي كانت تعتمد على هذه التجارة؟ وانطلاقًا من ذلك، ما الذي يمكن اسنتاجه عمومًا حول الوضع الاقتصادي الراهن في تونس؟

المؤدّب: أسفر تراجع النشاط عبر الشبكات البرية وإقفال الحدود البرية لفترة عام ونيّف بسبب جائحة كوفيد-19 عن تداعيات جمّة أرخت بظلالها على المجتمعات المحلية والنشاط الاقتصادي على جانبَي الحدود، ما فاقم التشنّجات الاجتماعية في المناطق المهمّشة. وقد أماط حراك الكامور الاحتجاجي، الذي أقفل منطقة تطاوين الواقعة في جنوب البلاد لأشهر عدّة في العام 2020، اللثام عن غياب الفرص الاقتصادية في مناطق لطالما أدّت فيها التجارة غير الرسمية دورًا أساسيًا في الحفاظ على السلم الاجتماعي باعتبارها صمام أمان.

وقد شكّلت موجة الهجرة التي شهدتها المناطق الحدودية مؤشرًا آخر على الأزمة الشاملة التي تتخبط فيها هذه المناطق. غالب الظن أن إرساء الاستقرار في ليبيا سيشكّل فرصة كبيرة لتونس، ولا سيما للمناطق التونسية القريبة من الحدود، لأن ذلك سيسمح باستحداث فرص عمل فيها ويمكّنها من ممارسة النشاط التجاري. ينبغي إذًا التفكير بشكل استراتيجي في إقامة مناطق اقتصادية من شأنها تسهيل عملية فتح فروع في المناطق الحدودية للشركات التي ترغب في العمل في ليبيا. في غضون ذلك، تُظهر الشبكات غير الرسمية، سواء كانت تعمل برًا أو بحرًا، أن جزءًا من الاقتصاد التونسي يتجّه شرقًا نحو ليبيا وتركيا والصين حتى. وقد آن الأوان لدمج هذه الديناميكيات في الاقتصاد الرسمي لتحقيق الاستفادة القصوى منها.