"إنترلينك بابليشنغ" هي دار نشر مستقلّة مقرّها في ماساتشوستس، تُصدر نحو 50 كتابًا في السنة. تتنوّع إصدارتها بدءًا من كتب الطهو ووصولًا إلى أدب الأطفال، ولكنها تشتهر بنشر ترجمات إنكليزية لروايات خيالية بارزة من العالم العربي وأفريقيا، وإصدارات غير خيالية عن تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ميشال مشبّك، مؤسس إنترلينك ومديرها، هو فلسطيني وُلد ونشأ في لبنان، ويُقيم منذ فترة طويلة في الولايات المتحدة حيث يعمل، إلى جانب مسؤولياته في دار النشر، عازف إيقاع في فرقة ليالي الموسيقية العربية في بوسطن، ويلقي محاضرات عن الموسيقى العربية. أجرى ريان الشواف مقابلة مع مشبّك عبر البريد الإلكتروني في أواخر أيار/مايو. يُشار إلى أن إنترلينك نشرت في العام 2019 رواية الشواف التي تحمل عنوان When All Else Fails (حين يفشل كل شيء آخر).

ريان الشواف: ماذا كان هدفك من إنشاء إنترلينك في العام 1987؟

ميشال مشبّك: عندما وطأت قدماي أرض الولايات المتحدة واختبرت عن كثب الانحياز في تقارير وسائل الإعلام الكبرى ونظرة الأميركيين الأحادية التي لم تتقبّل تاريخ الفلسطينيين وسرديتهم، عقدتُ العزم على ألّا أبقى مكتوف اليدين في هذا الصدد. وبعد تخرّجي، غيّرتُ مسار حياتي وقررتُ إنشاء دار نشر من دون أدنى فكرة عن كيفية تحرير الكتب وتصميمها وتوزيعها وترويجها وبيعها. كنتُ في العشرينيات من العمر وكانت لديّ فكرة طموحة للغاية أردت من خلالها أن أجعل العالم أقرب إلى القرّاء الأميركيين، وأن أسهم في تقريب شعوب العالم بعضها من بعض من خلال الأدب.

الشواف: عرّفت دار نشر إنترلينك المستقلة، منذ تأسيسها وحتى اليوم، القرّاء الأميركيين إلى مجموعة من الروائيين العرب والأفارقة وكتّاب الروايات القصيرة، وعدد كبيرٌ منهم لم تكن أعمالهم متاحة سابقًا باللغة الإنكليزية، ومن بينهم كتّاب فلسطينيون. لا شكّ في أن فلسطين تحتل حيّزًا كبيرًا من تفكيرك في هذه الأيام، فهلّا تخبرنا عن بعض إصدارات إنترلينك التي وضعها كتّابٌ فلسطينيون والتي تنصح بقراءتها، ولماذا؟

مشبّك: تتحدّر عائلتي من القدس، وقد تنقّل والداي بين الكثير من دول المنفى والنزوح خلال حياتهما، لذلك لا تغيب فلسطين أبدًا عن تفكيري. في دار إنترلينك، كان هدفي ولا يزال دعوة المؤلّفين إلى وضع كتب تسهم في تعزيز فهم الثقافات الأخرى وتقديرها، ونشر هذه الكتب وترويجها. ومما لا شك فيه أن فلسطين والأدب الفلسطيني يحتلّان حيّزًا مهمًا في حياتي ويشكّلان جزءًا لا يتجزأ من رسالتي. فلكي نفهم فلسطين فهمًا حقيقيًا، علينا قراءة الأدب الفلسطيني، أي لغة الشعوب غير الرسمية والمدخل إلى روحها. ويُعدّ المشهد الأدبي الفلسطيني غنيًّا وملوَّنًا بقدر التطريزات القروية الفلسطينية التي ترتديها النساء المسنّات باعتزاز. إن الروايات الكلاسيكية الخيالية هي المفضّلة لدي على الإطلاق، مثل رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" بقلم إميل حبيبي، و"الصبّار" للكاتبة سحر خليفة، و"براري الحمّى" بقلم ابراهيم نصرالله، و"ما تبقّى لكم" لغسان كنفاني.

أما في ما يتعلق بالترجمات التي صدرت حديثًا لروايات خيالية ومؤلّفات غير خيالية، فأنصح بالكثير منها، مثل رواية "مَساس" للكاتبة عدنية شبلي (وقد ترجمتها إلى الإنكليزية بولا حيدر)، والتي وصفتها مجلة "بابليشرز ويكلي" بأنها "رائعة" و"قوية"، وتدور وقائعها في الضفة الغربية حيث تنطبع حياة فتاة شابّة بأحداث شخصية وسياسية مأسوية. يتميّز هذا العمل بقدر كبير من الغنى والجمال، لديه روحٌ وإيقاع، ويستحق أن يُقرأ مرارًا وتكرارًا. بعد الانتهاء من قراءة "مَساس"، أنصح بقراءة رواية شبلي الثانية "كلنا بعيد بذات المقدار عن الحب" (التي ترجمها إلى الإنكليزية بول ستاركي).

رواية سونيا نمر الأولى "رحلات عجيبة في البلاد الغريبة" أبقتني مستيقظًا طوال الليل عندما قرأتها للمرة الأولى باللغة العربية. وبفضل الترجمة الجميلة لمارسيا لينكس كوالي، بات من الممكن الآن قراءتها باللغة الإنكليزية. تتحدث الرواية عن مغامرات الشابّة الفلسطينية قمر التي تنطلق في رحلة جريئة لاكتشاف العالم، في قوافل وسفن، عبر مختلف الإمبراطوريات. هذه الرواية الخيالية التاريخية نسجتها مخيّلة خصبة وغنية. وقد لقيت استحسانًا كبيرًا إذ تعيد إلى الأذهان قصص الأسفار الشهيرة للرحّالة المغربي ابن بطوطة في القرن الرابع عشر.

أما كتاب Palestine as Metaphor )فلسطين استعارة( فيُعدّ أول إصدار باللغة الإنكليزية لمجموعة حوارات مع الشاعر والمفكّر الفلسطيني المحبوب، الراحل محمود درويش. في باقة الحوارات هذه التي ترجمتها أميرة الزين وكارولين فوشيه بأسلوب أنيق، يتأمّل درويش في فنّه، فيكشف عن بوح شخصي ويُقدّم أفكارًا سياسية متبصّرة. هذه الحوارات التي أجرتها كوكبةٌ من الكتّاب والصحافيين تميط اللثام عن حياةٍ غنيّة بالمحطات ومسكونة بهاجس ضياع فلسطين، وتضيء على عبقرية شاعرٍ عالمي كبير ومحنته.

أخيرًا، أنصح بقراءة مذكّرات واصف جوهرية التي فازت بجائزة كتاب فلسطين وتحمل عنوانThe Storyteller of Jerusalem: The Life and Times of Wasif Jawhariyyeh, 1904–1948  (حكواتي القدس: حياة وأزمنة واصف جوهرية، 1904-1948). هي كنزٌ دفين من الكتابات اللافتة عن الحياة والثقافة والموسيقى وتاريخ القدس على امتداد نحو أربعة عقود. لقد نظر جوهرية الذي كان عازف عود، وعاشقًا للموسيقى، وباحثًا إثنوغرافيًا، وشاعرًا، وهاوي جمع، ومن روّاد الحفلات، وناقدًا ساخرًا، وموظفًا في الخدمة المدنية، ومؤرِّخًا محليًا، وابنًا متفانيًا، وزوجًا، وأبًا، وشخصًا مؤمنًا، إلى الحياة في مدينته من خلال أدوار ومواقف متعددة. أُخِذت مداخل الكتاب، الذي هو أشبه برواية، من المذكّرات التي تركها واصف، وهي عبارة عن عشرة مجلّدات صادرة بغلاف جلدي، ترجمت ندى الزير أجزاء منها إلى الإنكليزية، وتولّى تحريرها سليم تماري وعصام نصّار. وكانت النتيجة مجموعة كبيرة ونابضة بالحياة وغير متوقّعة من الروايات والمشاهدات والأشواق المتنوّعة بقدر تنوّع المدينة نفسها.

الشواف: خلال عمليات القصف الإسرائيلية السابقة على غزّة، اعتبر كثيرون أن الجميع سيعودون إلى تجاهل الفلسطينيين ومطالبهم بعد انتهاء الحملة العسكرية الإسرائيلية. هل تعتقد أن الوضع سيختلف هذه المرة؟

مشبّك: أنت محق. ستتغير الصفحات الأولى من الصحف غدًا، لكن الاعتداءات العنيفة التي تطال حياة الفلسطينيين وحقوقهم في الحرية والمساواة ستتواصل. لقد بات الاحتلال والقمع والتجريد من الإنسانية جزءًا لا يتجزأ من حياة الفلسطينيين اليومية. ولا يجب أن ننسى أن إسرائيل قصفت غزة في 2006 و2008 و2009 و2010 و2011 و2014 و2018 و2019 والآن في 2021. ربما نجح وقف إطلاق النار في الحدّ من موجة القصف الأخيرة بشكل مؤقّت، لكن القدس لا تزال تشهد عمليات نزوح بالتزامن مع ما أسمته إسرائيل عملية تطبيق القانون وفرض النظام، التي اعتقلت بموجبها الشرطة الإسرائيلية 1700 فلسطيني مقيم في إسرائيل، من بينهم أطفال.

لكن الخطاب تغيّر بالتأكيد. فقد أوضحت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها الأخير، أشكال الممارسات الإسرائيلية التي تندرج في إطار الفصل العنصري (الأبارتايد) وأماكن تجلّيها. وقد ذكر حجاي إلعاد، مدير عام منظمة "بتسيلم"، إحدى أقدم منظّمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، مؤخرًا ما مفاده: "لا توجد في إسرائيل ديمقراطية واحتلال، إنما نظام واحد من النهر إلى البحر، وهذا يحتّم علينا أن ننظر إلى الصورة كاملةً وأن نسميها بدقة: أبارتايد".

يومًا بعد يوم، تنضمّ وسيلة إعلامية جديدة إلى قافلة وسائل الإعلام التي تعترف بما نعرفه نحن منذ فترة طويلة، أن جيلًا جديدًا من الناشطين بات ينظر إلى الحقوق الفلسطينية والدعم الأميركي لإسرائيل من منظور العدالة العرقية ووقف عنف الدولة. ويقف في صدارة هذه الحركة أيضًا يهود أميركيون شباب ازدادوا جرأةً وباتوا لا يخشون التعبير بصراحة عن أن الحركة الصهيونية مخطئة، وأن إسرائيل تمارس الفصل العنصري. حتى إن صحيفة نيويورك تايمز نشرت على صفحتها الأولى في 28 أيار/مايو صور 69 طفلًا قتلوا في الجولة الأخيرة من النزاع في غزة، كلهم فلسطينيون باستثناء اثنين. وشكّل ذلك سابقة في صحيفة كبرى لطالما دعمت في السابق المواقف والإجراءات الإسرائيلية والصهيونية. لقد حانت اللحظة المناسبة لحركتنا، ومن الضروري أن نواصل تقدّمنا. وطالما أن سياسة الفصل العنصري الإسرائيلية باقية، فمقاومتنا باقية أيضًا.

الشواف: كان أهلك من بين الفلسطينيين الذين طردتهم الميليشيات الصهيونية من حي القطمون في القدس خلال النكبة، وانتهى بهما المطاف في لبنان. ولدتَ أنت في بيروت في العام 1955 وعشتَ فيها إلى حين اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975. هل حافظت على أي صلة بلبنان طيلة العقود التي تلت؟ وما رأيك في الوضع الراهن في البلاد؟

مشبّك: لبنان عزيز على قلبي بالتأكيد، بل هو جزءٌ مني. لقد ولدتُ ونشأتُ في بيروت وقضيتُ السنوات العشرين الأولى من حياتي فيها، إلى أن اندلعت الحرب الأهلية وقلبت حياتنا رأسًا على عقب. ونشرتُ على مر السنوات عددًا كبيرًا من الأعمال لمؤلّفين لبنانيين، من بينهم كتّاب جدد وآخرون مخضرمون، وجمعتني الصداقة مع الكثير منهم. في الوقت الراهن، أعمل على رواية "بنت الخيّاطة" لجمانة حدّاد، وكتاب مذكرات لنوال بيضون بعنوان: "مذكرات المناضلة نوال قاسم بيضون في معتقل الخيام (1988-1991)".

أتواصل بصورة دائمة مع أصدقاء، وكتّاب، ووكلاء، وزملاء في عالم النشر، وبائعي كتب، ومعلّمين في لبنان. ولا يمكنني حتى تخيّل المصاعب التي يجابهونها. كان لبنان في فترة من الفترات أهم سوق لنا في العالم العربي. لكن للأسف، بات إنفاق المال على الكتب صعبًا على اللبنانيين جرّاء الانهيار الاقتصادي. فالوضع في لبنان اليوم صعبٌ ومُحبط للغاية. يُضاف إلى ذلك انفجار آب/أغسطس 2020 الذي دمّر بيروت وقضى على الأمل المتبقّي في نفوس اللبنانيين. ينفطر قلبي عند سماع أخبار معاناة الشعب اللبناني بسبب الفساد الحكومي المستشري منذ استقلال البلاد في العام 1943.

ولا شك في أن التشنجات الطائفية والتدخلات الخارجية زادت الطين بلّة وفاقمت الوضع حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم. لكنني متفائل ومؤمن بالجيل الشاب الشجاع الذي لا يعرف الخوف، ففيه رجال ونساء المستقبل الذين سيقلبون الموازين يومًا ما ويعيدون للبنان مكانته في قلب الحياة الثقافية في العالم العربي. أنا واثق من ذلك.