أليس بستاني دجرماكيان مدرِّسة لبنانية ومحرّرة تعمل لحسابها الخاص. صدر لها مؤخرًا كتاب بعنوان Liban 2019: Chronique de la Révolte (لبنان 2019: يوميات الثورة) عن منشورات لارماتان، في حزيران/يونيو 2019، والذي تُوثِّق فيه أحداث الانتفاضة اللبنانية في العام 2019. وهي أيضًا مؤلِّفة كتاب Une Saga Libanaise, La Famille Kettaneh (ملحمة لبنانية، عائلة كتّانة). بستاني دجرماكيان حائزة على دبلوم دراسات عليا في الآداب وشهادة ماجستير في الإعلام والتواصل من جامعة القديس يوسف في بيروت. أجرت "ديوان" مقابلة معها في منتصف تموز/يوليو للحديث عن كتابها، وبصورة عامة مناقشة الوضع الراهن في لبنان الذي يواجه انهيارًا اقتصاديًا كبيرًا.

مايكل يونغ: وضعتِ كتابًا عن الانتفاضة التي شهدها لبنان في العام 2019، تناولتِ فيه أحداث المرحلة الواقعة بين اندلاع الاحتجاجات الواسعة ضد المنظومة السياسية الفاسدة في البلاد وبدء الأزمة الاقتصادية، أي المرحلة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر إلى كانون الأول/ديسمبر 2019. ما العبرة الأساسية التي ينبغي استخلاصها من تلك المرحلة؟

أليس بستاني دجرماكيان: اندلعت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 من رحم غضب اللبنانيين من الأوليغارشية الحاكمة التي قسّمت الثروات الوطنية في ما بينها، وبدّدت الأموال العامة ونهبتها، وقامت بالسطو على التمويل الخارجي، ودقّت إسفين الشقاق بين اللبنانيين كي تمارس الحكم في ظل إفلات تام من العقاب. في تلك المرحلة، نزل عشرات آلاف الأشخاص من مختلف الانتماءات المذهبية والخلفيات الاجتماعية إلى الشارع مندّدين بالفساد المستشري ومطالبين بسقوط النظام. كنّا أمام يقظةٍ وإدراك للواقع الذي نعيش فيه. وقد تجاوزت هذه الانتفاضة السلمية الانقسامات المذهبية التي تعتري في المجتمع ووحدّت اللبنانيين حول قضية نبيلة. وشهدنا، على امتداد أسابيع عدّة، وحدةً وطنية في مواجهة المنظومة السياسية، ومارسنا حرية التعبير من خلال مشاركة الأشخاص في نقاشات عامة في الخيَم التي أُقيمَت في وسط بيروت أو من خلال وسائل الإعلام. وقد سلّطوا الضوء على أهمية التضامن الاجتماعي، فيما طالب الشباب بحقهم في مستقبل واعد في بلدٍ لا يُقدّم لهم سوى النزر اليسير. وعبّر الأشخاص كذلك عن اهتمامهم بالشؤون القضائية، في سياق مطالبتهم بالمحاسبة القانونية لمَن هم في السلطة. وركّزوا أيضًا على الدور الأساسي الذي تؤدّيه النساء اللواتي كنّ طرفًا محوريًا في الانتفاضة. لقد أدركنا أن بإمكاننا تجاوز الانقسامات التي أجّجها السياسيون، وأن خمولنا الجماعي يمكن أن يتحوّل إلى ثورة.

يونغ: الوضع في لبنان اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه في المرحلة التي تتناولينها في كتابك، ولكن الاحتجاجات أقل. كيف تفسّرين هذه المفارقة، فعلى الرغم من أن أكثر من نصف السكان أصبحوا دون خط الفقر، لم يُظهر اللبنانيون استعدادًا حقيقيًا للعودة إلى الشارع والتظاهر ضد سارقيهم؟

بستاني دجرماكيان: تراجعت الاحتجاجات منذ كانون الثاني/يناير 2020 بسبب اللجوء إلى العنف ضد المتظاهرين. لا يخفى على أحد أن كثرًا تعرّضوا للضرب بالهراوات، أو أصيبوا بالرصاص المطاطي، أو اعتُقلوا على أيدي الأجهزة الأمنية. فقدَ بعضهم عينًا، وتعرّض آخرون للتعذيب وتلقّوا تهديدات بالقتل. تطرّقت إلى ذلك كلّه في كتابي. عندما تسلل بلطجية النظام إلى الاحتجاجات لإراقة الدماء، توقّفنا نحن النساء عن النزول إلى الشارع. صحيحٌ أن الفقر يطال اليوم أكثر من 50 في المئة من السكان. وصحيحٌ أيضًا أن هناك غضبًا عارمًا، إنما بات الاحتجاج صعبًا في خضم الأزمة الاقتصادية المدمِّرة. مَن ليسوا ملتزمين سياسيًا يشعرون بالإنهاك ويفتقرون إلى الوسائل اللازمة للوقوف في وجه منظومة سياسية قمعية مدعومة من القضاة والقوى الأمنية ووسائل الإعلام والمؤسسات العامة. وهذا أشبه بوقوف داود في مواجهة غلياث.

يونغ: لبنان على موعد مع الانتخابات النيابية العام المقبل، وهي الفرصة الأساسية الأولى التي ستُتاح أمام أولئك الذين أطلقتهم الحركة الاحتجاجية في العام 2019 لمعاقبة الطبقة السياسية في البلاد. ماذا ستكون النتائج برأيك؟

بستاني دجرماكيان: كيف يمكن أن يُسمَع صوت الأحرار فيما القادة الخاضعون لسيطرة حزب الله يمسكون زمام السلطة؟ كيف يُعقَل أن يتولّى الأشخاص أنفسهم الذين فرضوا قانونًا انتخابيًا يخدم مصالحهم تنظيم الانتخابات التشريعية؟ لقد رأينا النتائج سابقًا: شراء الأصوات، واختفاء صناديق الاقتراع، والتزوير، وتصويت الأموات. هذه الطبقة السياسية هي التي تنظّم الانتخابات وتُشرف عليها من خلال وزارة الداخلية.

إضافةً إلى ذلك، غالب الظن أن قوى خارجية سوف تتولى تمويل الحملات الانتخابية، نظرًا إلى أن السياسيين اللبنانيين يستفيدون في معظم الأحيان من التمويل من جهات راعية خارجية. ويجب ألا ننسى "العبودية الطوعية" بحسب تعبير إتيان دو لا بويسي، أي العبودية التي يُظهرها أنصار الزعماء الطائفيين، فهؤلاء كانوا متلهفين جدًّا لتطهير شرف زعمائهم من خلال مضايقة المتظاهرين ومهاجمتهم بلا هوادة. هل يمكننا أن نتوقع حقًا، في ظل هذه الظروف، ظهور مجتمع مدني؟

يونغ: يردّد لبنانيون كثر أنه سنوات الحرب الأهلية حتى لم تكن بالسوء الذي يعيشونه اليوم في البلاد. هل توافقينهم الرأي؟

بستاني دجرماكيان: أتفهّم ذلك. عشتُ حرب 1975-1990، وعلى الرغم من العنف وخطوط التماس، ومن الأزمة الاقتصادية في ذلك الوقت، لم تتوقف المصارف عن العمل، ولم يحدث شحٌّ في الأموال. اليوم، تزداد الأزمة السياسية حدّةً بسبب الأزمة المالية بحيث استُبدِل الاقتصاد القديم الذي عرفته البلاد قبل اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975 باقتصادٍ ريعي قائم على الاستيراد وتعطيل الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المنتجة مثل الزراعة والصناعة. علاوةً على ذلك، يمنع الكارتل المصرفي، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019، المودعين من الوصول إلى حساباتهم من خلال فرض إجراءات أحادية وغير قانونية. أتحدّث، في كتابي، عن الساعات التي أمضيتها وأنا أنتظر في الصف أمام المصرف كي أسحب مبلغ 100 دولار فقط، والرد العدائي الذي تلقّيته من المصرف حين طلبت من محامٍ متطوّع التدخل كي أتمكّن من سحب مالي الخاص. مع مرور الأشهر، شدّدت المصارف قيودها وبدأت أحوال الطبقة الوسطى بالتدهور. خسر كثرٌ وظائفهم، ومنهم أنا، وهكذا أصبح 40 في المئة من السكان عاطلين عن العمل اليوم.

يونغ: على المستوى الشخصي، هل ما زلتِ ناشطة في الحركة الاحتجاجية وهل ما زلتِ تعتبرين أن من المجدي معارضة الطبقة السياسية، أم أنك فقدت الأمل؟ كيف يمكنك إحداث فرق برأيك؟

بستاني دجرماكيان: نظرًا إلى الرد العنيف ممن هم في السلطة، أعتمد، أسوةً بمعظم الأشخاص، على وسائل التواصل الاجتماعي للتنديد بالممارسات المافيوية للطبقة السياسية التي تحظى بالحماية من سلاح حزب الله غير الشرعي. يستمر بشكل واضح ومفضوح تهريب السلع الأساسية المدعومة، مثل الطحين والمحروقات، إلى سورية الخاضعة لعقوبات دولية. ونشهد بخوفٍ شديد انهيار لبنان الكامل من دون أن يسعنا فعل شيء لوقفه. وعلى الرغم من ذلك، علينا أن نواصل النضال وألا نستسلم للمجرمين الذين يحاولون التهرّب من تحمّل مسؤولية جرائمهم، ومن ضمنها انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس من العام الماضي. لكن لا شك في أننا نمرّ أحيانًا بلحظات من الشك والإحباط تراودنا فيها رغبةٌ واحدة، وهي المغادرة والتخلي عن كل شيء.

ولكن الثورة مستمرة. نريد إسقاط النظام الطائفي، والتخلّص من العصابة الكبيرة التي تتحكّم بمصير البلاد. ونريد أن تُطبَّق قرارات الأمم المتحدة 1559 و1680 و1701 التي تنصّ على نزع سلاح الميليشيات. من أجل إعادة إحياء لبنان، لا بد من تفكيك الأساطير التي أصبحت جزءًا من سياسة البلاد وتاريخها. هذه هي الرسالة التي ينبغي أن ننقلها إلى الجيل الشاب.