قبيل الساعة السادسة من بعد ظهر الرابع من آب/أغسطس 2020، اندلع حريق هائل في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت. وبعد وصول عناصر من فوج الإطفاء إلى المكان، أبلغوا المركز عن "خطبٍ ما"، لأن الحريق هائل ويُصدر "أصواتًا غريبة". وعند الساعة السادسة وسبع دقائق، وقع انفجارٌ أول مسبِّبًا غيمة كبيرة من الدخان. وبعد ذلك بوقت قصير، وقع انفجار ثانٍ غيّر وجه العاصمة بيروت. فقد تسبب بدمار المرفأ وحي الجميزة وحي مار مخايل المجاورَين له، وألحق أضرارًا فادحة بأحياء واسعة تشكّل نصف مساحة العاصمة اللبنانية، ما أسفر عن مقتل 214 شخصًا، وإصابة أكثر من 6,500 بجروح، وتشريد نحو 300,000 شخص من منازلهم.

لن أنسى في أي وقت قريب تلك اللحظة المصيرية حين اهتزت الأرض تحت قدمَيّ، وتحطّم الباب الزجاجي خلفي. في الثواني التي أعقبت الانفجار، خلتُ أن ما حدث هو انفجار سيارة مفخخة في الحي الذي أقطن فيه (كنت على مسافة ثلاثة كيلومترات من المرفأ). وحين أدركت أنني مصاب، توجّهتُ مسرعًا إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وفي طريقي إلى هناك، بدأت أستوعب ما جرى. لم أرَ سوى زجاج يغطي الشوارع وأشخاص مصدومين يهيمون على غير هدى، غير مدركين ما حلّ بهم، ومواكب دراجات نارية تطوف في بيروت وكأنها أسراب من النحل أُطلِقت من قفيرها.

المشاهد التي رأيتها في المستشفى محفورة في ذهني. جميع أفلام هوليوود التي شاهدتها لم تحضّرني لرؤية تلك الأعداد من الأشخاص المضرّجين بالدماء الذين توافدوا إلى المستشفى. رأيت رجالًا ونساءً وأطفالًا ممدّدين على أسرّة نقّالة إلى يساري ويميني، وأطباءً يعالجون عددًا كبيرًا من المصابين في الوقت نفسه في أروقة غرف الطوارئ. بدا وكأن يوم الحساب قد آن.

خلال العام الذي أعقب ذلك اليوم، قيل وكُتِب الكثير عن الانفجار وتداعياته. لكننا ما زلنا بعيدين جدًا عن فهم كامل ملابسات تلك الكارثة التي تسبّب بها على الأرجح نحو 550 طنًا متريًا من نترات الأمونيوم. لا يزال سكان لبنان يواجهون صعوبة في استيعاب ما جرى بالكامل في ذلك اليوم الذي قلب حياتهم رأسًا على عقب.

لقد بادر كثرٌ إلى إعادة بناء ما تضرر، فيما قرر آخرون مغادرة البلاد. واختار البعض التركيز على مساعدة عائلات الضحايا، والمصابين والمشرّدين. يطالب كثرٌ بكشف الحقيقة لمعرفة مَن المسؤول عن دمار مدينتهم. ولكن سجل التحقيقات في الجرائم الكبرى في لبنان لا يبشّر بالخير، حتى لو كان مطلب العدالة مهمًا، ومن الضروري العمل على إحقاقها.

ولكن بالنسبة إلى شخص مثلي يقطن في بيروت وتأثّر مباشرةً بما جرى، صُعِقتُ بغياب رواية متماسكة لتفسير ما حدث. فالسردية الرسمية التي ادّعت أن عامل تلحيم تسبب عن غير قصد بإشعال الحريق الذي أدّى إلى انفجار نترات الأمونيوم، لا تقنع أكثرية اللبنانيين. ولكن لا بد من روايةٍ تُفسّر ما حدث كي يتمكن الأشخاص من تخطّي القلق الذي يلازمهم بسبب ما حلّ بهم. وبما أن اللبنانيين لم يفهموا الملابسات الكاملة، ما الذي يحول دون وقوع أمر مماثل مجدّدًا؟ كيف لهم أن يتأكدوا من أن بيروت لن تشهد انفجارًا مدمِّرًا آخر؟

قد يبدو غريبًا أن ننظر إلى انفجار الرابع من آب/أغسطس على أنه فاجعة فريدة في مدينة اجتاحتها جيوش دول مجاورة، وخضعت لسيطرة ميليشيات كثيرة، وشهدت على مدى سنوات اعتداءات بالسيارات المفخخة. ولكن انفجار المرفأ كان مختلفًا على نحوٍ شيطاني لأن اللبنانيين لا يزالون عاجزين عن استيعاب ما جرى، فيما الطبقة السياسية والمسؤولون الأمنيون لا ينوون مساعدتهم في ذلك. بل إن هدفهم هو التعتيم على الحقيقة ليس إلا.

حين اجتاحت إسرائيل بيروت في العام 1982، كانت لدى اللبنانيين روايات متباينة حول ما جرى. فقد شرحت الميليشيات اليسارية وأنصارها، على طريقتها، أسباب إقدام الإسرائيليين على اجتياح المدينة، وهذا ما فعلته أيضًا الميليشيات اليمينية ومؤيّدوها. كان لكل فريق تفسيره الخاص للأحداث. صحيحٌ أن هذه الروايات منحازة، إلا أنها أتاحت للأشخاص العالقين بين الفريقَين أن يستوعبوا نوعًا ما الأحداث من حولهم.

بالمثل، حين اغتيل رفيق الحريري في شوارع العاصمة في شباط/فبراير 2005، ظهرت على الفور رواية واضحة عما جرى. فقد اتهم البعض سورية بأنها تقف خلف الاغتيال، في حين أن المقرّبين من سورية اتهموا إسرائيل بذلك. وقد تسبب الاغتيال باحتدام التشنجات السياسية، ولكن كل فريق اعتبر أن لديه تفسيرًا للجريمة يتيح له فهم الفوضى العارمة.

أما اليوم، فبالكاد نملك شذرات من روايات غير مقنعة، إذ ترفض الطبقة السياسية كشف المستور. وهكذا سيستمر الخوف من أن تشهد البلاد مجددًا، في ظل القيادة الحالية، كارثة مماثلة. ولن يبدأ اللبنانيون بتخطي المسألة إلا عندما يتيقّنون من حقيقة ما جرى في ذلك اليوم.

ثم، ماذا يكشف لنا عجز لبنان عن التوصل إلى رواية موحّدة ومقنعة عن أحد أكثر الأيام إيلامًا في تاريخه؟ وما سيكون عليه المجتمع في المرحلة المقبلة؟ قد يؤدي هذا العجز في نهاية المطاف إلى وقوع الدولة اللبنانية في مأزق لا رجوع عنه، بعدما فقدت شرعيتها الشعبية. قد تفوز القيادة الحالية بمقاعد في مجلس النواب في انتخابات العام 2022، ولكن سيُعزى ذلك إلى قانون انتخابي صاغته لصون مصالحها، في ظل غياب معارضة منظّمة، وليس إلى جاذبية الطبقة السياسية وقدرتها على حشد الدعم. لقد تفكك الإطار الإيديولوجي الذي لطالما حافظ على تماسك لبنان. ووحده الوقت كفيلٌ بأن يكشف ما إذا سيحلّ مكانه بديلٌ آخر.

وربما لن تحين تلك اللحظة إلا حين يلمس الضحايا في لبنان خضوع سياسييه إلى محاسبة فعلية عن كل المعاناة التي تسبّبوا بها.