في 13 تموز/يوليو، أي قبل ثلاثة أسابيع من الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، حاول أهالي الضحايا اقتحام منزل وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي، احتجاجًا على رفضه رفع الحصانة عن جنرال رفيع المستوى أراد قاضي التحقيق استجوابه. وقد لجأت الشرطة إلى القوة لفضّ اعتصام أهالي الضحايا الذين حملوا نعوشًا رمزية إحياءً لذكرى أحبّائهم، مطالبين بتحقيق العدالة والمساءلة.

وبعد أن رفض فهمي السماح لقاضي التحقيق العدلي طارق بيطار باستجواب المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، سعى البرلمان اللبناني بدوره إلى عرقلة اتخاذ إجراءات مماثلة. فبيطار يريد استجواب عددٍ من المسؤولين الأمنيين والنواب الذين كانوا يشغلون مناصب وزارية في حكومات متعاقبة سمحت بتخزين 2,750 طنًا من مادة نترات الأمونيوم (التي تسبّبت بالانفجار) في أحد عنابر المرفأ لسنوات عدة.

واقع الحال أن الطبقة السياسية اللبنانية تمعن في عرقلة مسار التحقيق. ففي شباط/فبراير الفائت، استبعدت محكمة التمييز المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوان من التحقيقات بعد أن وجّه إلى وزيرين سابقين اتهامات بالإهمال. ونتيجةً لهذا الإنكار السافر للعدالة وهول الانفجار المدمّر يوم الرابع من آب/أغسطس، أصبح أهالي الضحايا يشكّلون مجموعة ضغط عاقدة العزم، تنظّم الاحتجاجات وتحافظ على وحدة صفّها فيما تخوض معركة غير متكافئة ضد طبقة سياسية تعتبر نفسها فوق القانون وتتألف بمعظمها من أمراء حرب سابقين ورجال أعمال فاسدين.

ونظرًا إلى نظام تقاسم السلطة في لبنان وتأثيره العلى القرارات السياسية والإدارية، يُرجَّح أن مجموعة متنوعة من الطبقة السياسية اللبنانية تتحمّل مسؤولية شحنة نترات الأمونيوم. فهذه المادة كانت مخزنة في المرفأ منذ أيلول/سبتمبر 2013، من دون اتخاذ أي إجراء لإزالتها. وليس هذا الواقع سوى دليل إضافي علىنهج الطبقة السياسية وإمعانها عمداً أو إهمالاً في ارتكاب الجرائم طوال العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب الأهلية. ذاك أن سياسيي لبنان حكموا البلاد عبر ممارسات جشعة، غير مبالين بالخير العام ومصالح الناس، في ظل حالة إفلات كامل من المساءلة والمحاسبة.

يُضاف ضحايا انفجار المرفأ إلى قائمة طويلة من الضحايا يعود تاريخها إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في نيسان/أبريل 1975 ودامت 15 عامًا. لم يُحاسَب أحد على الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب التي أسفرت، وفقاً لبعض التقديرات، عن مقتل نحو 150,000 شخص، بل حال قانون العفو العام الذي أُقر سنة 1991 دون محاكمة الغالبية الساحقة من مرتكبي جرائم الحرب.

وحدهم أهالي المخطوفين والمفقودين خلال الحرب، الذين يُقدَّر عددهم بين 5,000 و17,000 شخص، رفعوا الصوت عاليًا ضدّ مفاعيل قانون العفو. وقد واصل الأهالي جهودهم الحثيثة لمعرفة مصير أبنائهم، على الرغم من ضحالة التغطية الإعلامية وغياب أي دعم يُذكر من المجتمع الدولي، علاوة على الأكلاف الباهظة عليهم وعائلاتهم. قصة نجاة حشيشو خير مثال على هذا النضال في مواجهة الطبقة السياسية: نجاة، زوجة أستاذ الثانوية الشيوعي، حملت قضية زوجها المخطوف إلى المحكمة في نهاية الحرب وبعد سنوات على الجريمة، مؤكّدةً أن أحد جيرانها كان ضمن المسلحين الذين خطفوا زوجها، أي أنها تعرفت لأحد الجناة. لكن الدعوى التي رفعتها في 23 كانون الثاني/يناير 1991، بقيت تراوح مكانها بعد أكثر من 22 عامًا استمر خلالها تأجيل انعقاد الجلسات من دون مبرّر، إلى أن صدر الحكم وخسرت نجاة القضية. وفي كلمة ألقتها عقب النهاية المخيبة لمعركتها القضائية، تساءلت قائلةً: "هل من العدل أن يعيش من تسبّب بالأذى بأمان واستقرار، ويظل أهالي المخطوفين يعانون من عذاب نفسي وقلق دائم؟"

ينطبق سؤالها هذا بالكامل على واقعنا الراهن. فمأساة لبنان تتوالى فصولًا، فيما لا تزال نخبته السياسية بمنأى عن المحاسبة على الرغم من كل المعاناة التي تسبّبت بها. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2019، وبعد التظاهرات الحاشدة التي عمّت جميع أنحاء لبنان ضدّ الطبقة الحاكمة، جمّدت المصارف بين ليلة وضحاها حسابات اللبنانيين نتيجة تفاقم الأزمة المالية التي كانت تعتمل منذ فترة مديدة. لكن هذه المصارف التي تربطها علاقات وثيقة بالسياسيين سمحت لهؤلاء بتحويل مليارات الدولارات إلى حساباتهم في الخارج.

ومنذ ذلك الجين، باتت غالبية اللبنانيين تعيش دون خط الفقر، لكن ذلك لم يدفع المسؤولين السياسيين إلى تغيير سلوكهم ولو قليلًا. بل يواصلون اتّباع نهجهم المعتاد: لا أحد يُحاسَب، ولا أحد يهتم. وهم منهمكون بتنظيم حفلات زفاف باذخة ورحلات استجمام إلى الخارج. وينصب تركيزهم على الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية المزمع إجراؤها العام المقبل، وترمي حملاتهم الانتخابية إلى حشد الدعم من خلال رفع مستوى الاستقطاب الطائفي واستخدام العملات الأجنبية النقدية "الطازجة" الوافدة من الخارج لشراء الولاء السياسي.

يوم الرابع من آب/أغسطس، واصل أهالي ضحايا انفجار المرفأ والمؤيدون لهم المطالبة بإخضاع المسؤولين إلى المساءلة والمحاسبة. في غضون ذلك، لا تنفكّ رابطة الضحايا اللبنانيين تتّسع، وهي تشمل الآن المودعين الذين خسروا مدخراتهم، والموظفين الذين تآكلت رواتبهم بسبب انهيار قيمة الليرة اللبنانية، وصولًا إلى أهالي القتلى والمفقودين خلال العقود الماضية. فقد بات واضحًا وضوح الشمس أن الطبقة السياسية في لبنان لا تحمل في جعبتها سوى البؤس لسكانه، وأن قائمة ضحاياها باتت طويلة للغاية بحيث يستحيل أن تبقى الأمور على حالها.