إذا كان حزب الله يعتقد أن أحد الجوانب الأساسية من مقاومته لإسرائيل يتمثّل في وجود بيئة لبنانية حاضنة تدعم الحزب وأهدافه، إلا أنه لم يطبّق هذه الفكرة إطلاقًا في السنتين الماضيتين. فمنذ الانتفاضة التي شهدها لبنان ضد الطبقة السياسية في تشرين الأول/أكتوبر 2019، اقترف حزب الله الكثير من الأخطاء التي دفعت المزيد من اللبنانيين إلى معارضة نفوذه في البلاد.

في الواقع، واجه الحزب في الأسبوعين الفائتين عددًا من التحديات، ما يظهر أن الأمور ليست كلها على ما يرام. قبل أسبوعين، حدثت اشتباكات بين أعضاء في حزب الله ومسلّحين ينتمون إلى عشيرة سنيّة عند مدخل بيروت الجنوبي على خلفية قضية ثأر، بعد أن أقدم أحد رجال العشيرة على قتل عضو في حزب الله متّهم بقتل شقيقه. وخلال تشييع العضو في حزب الله، تعرّض موكب الجنازة إلى كمين أطلق خلاله مسلّحون النار، ما أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص. وسرعان ما تحوّل الوضع إلى معركة ضارية بين الطرفين. وتفاديًا لحدوث تصعيد تكون له عواقب طائفية، طلب حزب الله من الجيش اللبناني التدخل لإنهاء العنف.

وبعد أيام على هذه الحادثة، وردًّا على الغارات الجوية الإسرائيلية على جنوب لبنان، أطلق حزب الله صواريخ في محيط مواقع عسكرية إسرائيلية في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة. لكن، عند مرور شاحنة تابعة للحزب ومحمّلة بالصواريخ في قرية شويا الدرزية، عمد بعض مواطني القرية إلى إيقافها وضربوا أعضاء حزب الله وصادروا الشاحنة. فقد كانوا غاضبين لأن الحزب أطلق الصواريخ من موقع قريب من قريتهم، وتخوّفوا من أن يأتي الرد الإسرائيلي عليهم. وعلى الإثر، تصاعدت التشنجات بين الشيعة والدروز في أنحاء أخرى من البلاد.

أكّد البطريرك الماروني، بشارة الراعي، في عظته الأسبوعية يوم الأحد الفائت على ضرورة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، موجّهًا انتقادًا ضمنيًا للهجوم الصاروخي الذي شنّه حزب الله على إسرائيل. وأضاف أن لبنان ملتزم رسميًا بهدنة العام 1949 مع إسرائيل. ولم تمضِ إلا ساعات قليلة حتى أطلق الناشطون المؤيدون لحزب الله حملة إساءة ضد البطريرك على وسائل التواصل الاجتماعي.

لن يغيّر أيّ من هذه الأحداث - التي لقي فيها حزب شيعي معارضةً من أوساط السنّة والدروز والموارنة – سلوك حزب الله. لكن إذا تجاهل الحزب هذه المجريات، سيظهر مجدّدًا أن الغطرسة هي ردة فعله الطبيعية للتعامل مع المعارضة المحلية. وللبنان طريقته في معاقبة من يتجاهلون قيوده الطائفية، وهذا ما قد يؤكّده الكثير من السياسيين الذين تعاملوا مع هذا البلد.

إن ما أظهره استياء كلٍّ من رجال العشائر السنة، والقرويين الدروز، والبطريرك الماروني، في المقام الأول، هو أن حزب الله سيواجه عداءً شعبيًا إذا قرّر جرّ لبنان إلى حرب مدمّرة مع إسرائيل بالنيابة عن إيران. في غضون ذلك، يرزح الحزب تحت وطأة ضغوط متزايدة وسط تعهّد إسرائيل باستهداف صواريخه الدقيقة التوجيه. كذلك، لا يخفى عليه التهديد الذي أطلقه الأسبوع الماضي وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، ومفاده أن إسرائيل مستعدّة لشنّ هجوم على إيران. يُشار أيضًا إلى أن بطء مسار المفاوضات في فيينا بشأن عودة الولايات المتحدة إلى كنف الاتفاق النووي مع إيران فاقم أيضًا شعور الحزب بالضعف.

إضافةً إلى ذلك، لم ينظر حزب الله بعين الرضى إلى التدخل الدولي المتزايد في لبنان لمساعدته في معالجة الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. فالحزب يريد إبقاء لبنان كمورد إيراني حصري، لكن أي مؤشرات على رغبة دول أخرى – ومن ضمنها سورية حليفة حزب الله - في التدخل في شؤون البلاد تثير التوتر في نفوس مسؤولي حزب الله.

إن معظم ما يجري اليوم ناجم عن أخطاء ارتكبها حزب الله. فمعارضته الشديدة لانتفاضة العام 2019 أفقدته الكثير من التعاطف في أوساط اللبنانيين، إذ باتوا يعتبرونه الحامي الأساسي للطبقة السياسية الفاسدة. منذ ذلك الحين، كل ما فعله حزب الله هو مفاقمة الوضع الاقتصادي المتردّي من خلال تهريب الوقود المدعوم إلى سورية. يُضاف إلى ذلك أن الكثير من اللبنانيين يعتقدون أن حزب الله هو الذي أحضر مادة نترات الأمونيوم التي انفجرت في مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، لاستخدامها في صواريخه أو في البراميل المتفجرة في سورية. وحين أعلن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الأسبوع الفائت أن التحقيق الذي يجريه القاضي طارق بيطار في الانفجار "مُسَيَّس"، بدا واضحًا أن الحزب لديه ما يخفيه. لقد أخطأ بيطار عندما طلب إجراء مقابلة مع مسؤولين أمنيين كبار ونواب ووزراء سابقين، وعددٌ كبير منهم متحالف مع حزب الله.

بات عددٌ متزايد من اللبنانيين يدركون تمام الإدراك أن مفهوم الدولة اللبنانية لا يمكن أن يتعايش مع ميليشيا مسلحة قوية تعمل لخدمة قوة خارجية. لهذا السبب، يتنامى الاستياء من حزب الله ويسود شعور بأن الحزب يستفيد فعليًا من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، لأن ذلك سيسمح له بفرض أجندته الخاصة على البلاد. إضافةً إلى ذلك، لا يبدو أن حزب الله يأبه كثيرًا بالمزاج السلبي السائد راهنًا، متجاهلًا حتى تحذيرات بعض من أبرز مناصريه الذين قالوا إن "المقاومة" أكثر من السلاح، فهي ترتبط بكيفية إعداد البيئة المناسبة التي يمكن لحزب الله العمل فيها.

تثير هذه الديناميكيات القلق لأنها ببساطة ديناميكيات الحرب الأهلية. فحين يُبدي الممثّل الأبرز لطائفة أساسية في البلاد مرارًا وتكرارًا عدم اهتمامه بالخطوط الحمر غير المكتوبة في لبنان، وحين يُنظر إليه باطّراد على أنه مسؤول عن الموت والدمار في البلاد، يبدو أن الرادع الوحيد الذي يحول دون نشوب صراع هو الخوف من العواقب المدمرة. لكن المقلق راهنًا هو أن أعدادًا متزايدة من اللبنانيين لم يعودوا خائفين من حزب الله، كما أثبتت الحوادث الثلاث التي شهدتها الأسابيع القليلة الماضية.

ويبدو واضحًا وضوح الشمس أن حزب الله لا يبدو مستعدًا لتغيير سلوكه. ففيما يحرص على تفادي اندلاع نزاع طائفي من شأنه تقويض اتفاقه مع إيران المتمثّل في محاربة إسرائيل، إلا أن رد فعله الطبيعي يحول دون تقديم أي تنازلات. ولن يتوانى الحزب عن استعداء شركائه المحليين إذا كانت مصالح إيران الغالبة تبرّر ذلك، ما من شأنه أن يولّد ديناميكيات خطيرة: ففيما يراهن حزب الله رهانًا خطيرًا بالنيابة عن راعيه الإيراني إقليميًا، لا شك أن المخاطر المحلية المحدقة به ستتفاقم أيضًا.

بدا جليًا استعداد حزب الله لقبول هذا الواقع من خلال الخطاب الذي ألقاه نصر الله في 7 آب/أغسطس. فقد أكّد في تصريحاته على أن "الانقسام اللبناني حول المقاومة قديم"، إذ "لم يكن هناك إجماع لبناني حول المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في يوم من الأيام". كان هذا تصريحًا مذهلًا. فبعد إصراره الطويل على وجود إجماع وطني على المقاومة، اعترف نصر الله أن هذا الأمر غير صحيح. بعبارة أخرى، هو يرى، على الرغم من المعترضين، أن تحديد ما هو جيد ومناسب للبنان منوطٌ به وبمشرفيه الإيرانيين.

وفي مواجهة هذا التجاهل الصارخ لأي احتمال بالتوصّل إلى توافق وطني، يميل اللبنانيون مع مرور الوقت إلى ردود فعل أكثر عنفًا. هذا لا يعني أن الحرب ستندلع لا محالة، إذ إن السخط وحده لا يكفي لإشعال فتيل الصراع، بيد أن الظروف الموضوعية للنزاع بدأت تتشكّل. ستكون هذه النتيجة كارثية بالنسبة إلى لبنان، ولا سيما أن الكثير من القوى الإقليمية مستعدة لصبّ الزيت على النار. صحيحٌ أن حزب الله لن يتمكن من الانتصار في هذه الحرب، لكن الأكيد أن لبنان بأسره سيخسر أيضًا.

لا يريد سوى عدد قليل من اللبنانيين الحرب، وسيحاول حزب الله تعزيز هذا التردّد من خلال انتهاج سياسة حافة الهاوية، وإبداء استعداده للقتال. لكن المشكلة أن اللبنانيين ماضون إلى نقطة الانهيار، وسط تفكّك الدولة. والروافع التي استخدمها حزب الله في السابق لإبقاء الجميع قيد المراقبة – مثل الجيش والأجهزة الأمنية – لم تعد فعّالة كما كانت. لذا، عليه توخّي الحذر. ففي ظل غياب أي دعم من الأجهزة القمعية للدولة، قد يلجأ الحزب إلى ترهيب معارضيه بشكل مباشر، الأمر الذي، في حال حدوثه، سيدفع على الأرجح مجتمعات محلية أخرى إلى حمل السلاح بدورها.

إن كان نصر الله يدرك أن لبنان منقسم حول مسألة المقاومة، فبإمكانه تقدير حجم ردود الفعل التي قد تثيرها حرب مستقبلية مع إسرائيل. هل يشعر حزب الله فعلًا بأنه قادر على اعتماد نهج يخوض فيه حربًا على جبهتين، واحدة ضدّ عدو خارجي أولًا، ثم أخرى ضدّ خصومه المحليين؟