روزا بلفور مديرة مركز كارنيغي-أوروبا، تشمل أبحاثها السياسات والمؤسسات الأوروبية، والسياسة الخارجية والأمنية لأوروبا. وتركّز حاليًا على العلاقة بين السياسات الداخلية ودور أوروبا العالمي. نشرت بلفور الكثير من الأبحاث المتعلقة بالسياسات الأوروبية والعلاقات الدولية، ولا سيما حول قضايا منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأوروبا الشرقية والبلقان، وتوسيع الاتحاد الأوروبي، والدعم الدولي للمجتمع المدني، فضلًا عن حقوق الإنسان والديمقراطية. أجرت "ديوان" مقابلة معها في أوائل أيلول/سبتمبر للنقاش حول تأثير الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والذي تعرّض إلى انتقادات كثيرة في أوروبا، على العلاقات الأميركية-الأوروبية في الشرق الأوسط الأوسع.

مايكل يونغ: أثار الانسحاب الأميركي من أفغانستان توترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، لأن الدول الأوروبية تعتبر أن واشنطن لم تتشاور معها كما يجب ولم تنفّذ مطلبها بتأجيل الانسحاب. ما الاعتبارات التي كانت خلف هذا التفكير الأوروبي؟

روزا بلفور: اعتبرت بعض العواصم الأوروبية أن نقص المشورة والتنسيق بشأن الانسحاب الأميركي كان بمثابة طعنة في الظهر للعلاقات عبر للأطلسي. وقد احتج السياسيون في لندن وبرلين بقوة على هذا القرار. ففي المملكة المتحدة ما بعد البريكزت، وبعد أن فشل رئيس الوزراء بوريس جونسون في اقتراح مهل أطول للانسحاب، يتساءل سياسيون بارزون في الحكومة والمعارضة إلى أي مدى تُعتبر هذه "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة خاصة بالفعل. وما أربك الحلفاء في برلين أنه، بعد الرسائل المتكررة التي وجّهها الرئيس الأميركي جو بايدن حول ضرورة الاستماع إلى الحلفاء، تم الإعلان عن هذا الانسحاب الفوضوي من دون تعاون أو تشاور يُذكر. أما باريس بدورها فشعرت أنها محقة في اعتقادها بأن على الاتحاد الأوروبي تحقيق "الحكم الذاتي الاستراتيجي" والتصرّف على الصعيد الدولي بمعزلٍ عن الولايات المتحدة. وهذا طموح لا يتماشى مع الدول الأكثر تأييدًا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الوسطى.

لكن على الرغم من صدمة الأوروبيين وانتقادهم الشرس للانسحاب الأميركي الذي سعى إلى تحقيق شعار سياسي "أحمق" يقضي بإنهاء ما يُسمّى "الحروب الأبدية"، على حد تعبير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لم تتحدَّ أي حكومة أوروبية هذه السياسة، ولم تقترح تعزيز التزامها في أفغانستان للتعويض عن الانسحاب الأميركي. وقد تباحث وزراء الدفاع الأوروبيون الأسبوع الماضي في إنشاء قوة عسكرية للتدخل السريع قوامها 5,000 جندي، لكن لم يتطرقوا إلى الغاية المتوخاة منها. وقد سئم الأوروبيون منذ أمد طويل من "الحروب الأبدية"، لذا من الضروري تكثيف المسؤوليات الأوروبية على مستويَي الأمن والدفاع، وتأطيرها ضمن استراتيجية واضحة وفهم مشترك لأهدافها. وهذان الأمران غائبان حتى الآن.

يونغ: ينبغي أن تُقارب هذه التوترات من زاوية الاختلافات المتنامية بين الأميركيين والأوروبيين، والتي تعود إلى زمن بعيد، لكنها بلغت ذروتها في عهد الرئيس دونالد ترامب. هل تعتقدين أن هذه الاختلافات ستزداد حدة في المستقبل، وما العواقب التي ستنجم عن ذلك؟

بلفور: كانت هوة الاختلافات واسعة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب لأنها طالت القيم. لكن الوضع لم يعد كذلك الآن (مع الإشارة إلى أن ترامب لديه بعض المعجبين وأشخاص يحاولون السير على خطاه في أوروبا أيضًا). لقد خسر بايدن بعضًا من مصداقيته في ما يتعلق بالإنصات إلى حلفائه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاختلافات ستزداد. فالحلفاء والشركاء الذين يتواصلون مع بعضهم البعض يمكنهم التطرق إلى النقاط الخلافية أيضًا. وهذا ما حدث مرارًا وتكرارًا على مر تاريخ العلاقات عبر الأطلسي، لكن المهم أن يكون الاهتمام المشترك بالتعاون حقيقيًا.

يونغ: بلغت التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا ذروتها في منطقة الشرق الأوسط أكثر من مرة، من بينها الخلاف حول انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، إلى جانب قضايا أخرى. مع ذلك، يُعتبر التعاون بين الطرفين في هذه المنطقة أساسيًا. كيف تنظرين إلى مستقبل هذه العلاقة على ضوء القضايا الخلافية بين الولايات المتحدة وأوروبا في الشرق الأوسط؟ برأيك، هل سيعزّز الجانبان تعاونهما السابق، أو سيحصل العكس؟

بلفور: حين تسلّمت إدارة بايدن زمام الحكم، استأنفت التعاون للحد من الانتشار النووي الإيراني. وبغض النظر عن النتائج النهائية، انخرطت الولايات المتحدة مع شركائها من أجل التوصّل إلى حلّ لمشكلة مشتركة، ولا شيء يمنع تكرار هذه التجربة في أماكن أخرى بطريقة هادفة عند الاقتضاء.

من المرجّح أن يُؤدي انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وإيلاء الأولوية للتنافس مع الصين إلى تقليل اهتمامها بالشرق الأوسط. على المقلب الآخر، تراجع نفوذ أوروبا بشكل كبير نتيجة الدور الصغير الذي تؤديه في المنطقة، ناهيك عن أن سياساتها مقيّدة بالخوف الديستوبي من موجات الهجرة إلى أراضيها. تُعتبر منطقة الشرق الأوسط مرنة من الناحية الجيوسياسية، إذ تشهد العلاقات بين دولها تغيّرًا متواصلًا وتعتمد بعض حكوماتها سياسة حافة الهاوية. لذا، من المنطقي أن تتعاون أوروبا والولايات المتحدة بشكل أكبر لمعالجة مخاوفهما المشتركة ضمن روحية المحادثات مع إيران، التي بلغت أهدافها المُعلنة في العام 2015، قبل أن تنسفها إدارة ترامب.

يونغ: كُتب الكثير عن الاختلافات الفلسفية بين الولايات المتحدة وأوروبا حيال النهج الذي تعتمدانه في سياستهما الخارجية. برأيك، هل ستستمر هذه الاختلافات خلال إدارة بايدن، التي اعتبرتها أوروبا نقيضًا مريحًا لإدارة ترامب؟

بلفور: قد يبدو رأيي مخالفًا للتوقعات، لكنني أعتقد أن السياسة الخارجية الأميركية باتت تشبه من نواحٍ عدة سياسات الدول الأوروبية. فإنهاء "الحروب الأبدية" بمثابة ردّ واضح ومباشر على السياسات المحلية. ويهدف مفهوم "السياسة الخارجية للطبقة الوسطى" إلى صياغة سياسات متناغمة مع حاجات الأميركيين، بعيدًا عن فكرة أن الولايات المتحدة تضطلع بمهمة عالمية استثنائية. يُشار إلى أن السياسة الخارجية الأوروبية مدفوعة بمصالح ومخاوف داخلية، ويُعتبر ذلك من أسباب الانقسامات التي تسود الاتحاد الأوروبي حول السياسة الخارجية.

يونغ: في نهاية المطاف، أليس من الأفضل لأوروبا أن تنهي علاقة التبعية القائمة منذ فترة طويلة مع الولايات المتحدة، ولا سيما حيال القضايا الدفاعية؟ لكن، هل تتمتع أوروبا بالقدرة والاستعداد اللازمَين لتحقيق هذه الاستقلالية؟

بلفور: لا شكّ أن على الاتحاد الأوروبي تأدية دور أكبر في إدارة شؤونه الأمنية، وعلى المملكة المتحدة مساعدته في هذا الصدد. هذه مسألة بديهية. صحيحٌ أن كارثة أفغانستان تعزّز "الحكم الذاتي الاستراتيجي"، لكن هذا النقاش يصطدم للأسف بتناقض زائف مفاده أن تحقيق حكم ذاتي أكبر للاتحاد الأوروبي يعني إضعاف علاقته مع واشنطن والتزاماته مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن الانسحاب من أفغانستان كشف النقاب عن واقع محزن آخر، وهو أن أوروبا لا تمتلك سياسة خارجية وأمنية تحول دون اندلاع الصراعات أو تحقيق السلام، ولا سياسة خاصة بالهجرة واللجوء للتعامل مع النزوح البشري الناجم عن النزاعات.