عزام القصير باحث سوري مقيم في لندن، وحائز على دكتوراه في السياسة من كلية بيركبيك في جامعة لندن، وماجستير في سياسات الشرق الأوسط من جامعة إكستر. تتركّز اهتماماته البحثية على دراسة التيارات الجهادية السلفية وتحولاتها الإيديولوجية والاستراتيجية الحديثة. أجرت "ديوان" مقابلة معه في منتصف أيلول/سبتمبر للحديث عن هيئة تحرير الشام التي تمارس سيطرة واسعة على محافظة إدلب في شمال غرب سورية. ويأتي ذلك فيما تشهد درعا الواقعة جنوب سورية تحركات سياسية، وفي أعقاب الانسحاب الأميركي من أفغانستان الذي رحّبت به هيئة تحرير الشام وتابعته عن كثب.

مايكل يونغ: ما العلاقة التي تجمع بين هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة؟

عزام القصير: في الأعوام الأربعة الماضية، حصل تباعدٌ بين هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة، وذهب كلٌّ منهما في سبيله إيديولوجيًا واستراتيجيًا وتنظيميًا. ففي نيسان/أبريل 2013، وخوفًا من نزعة الهيمنة لدى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أصبحت جبهة النصرة التي تحوّلت لاحقًا إلى هيئة تحرير الشام، الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سورية. لكن في تموز/يوليو 2016، وبُعيد التدخّل العسكري الروسي المكثّف، غيّر أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، اسم التنظيم إلى جبهة فتح الشام وأعلن أنه لن يعود فرعًا لتنظيم القاعدة. وردًّا على هذه الخطوة، أنشأت مجموعة من الجهاديين المتشددين تنظيم حراس الدين ليكون الفرع الجديد لتنظيم القاعدة في سورية.

قامت استراتيجية البقاء التي اتبعتها هيئة تحرير الشام منذ مطلع العام 2017 على الالتحاق بركب المعارضة السورية والتعبير عن أجندتها المحلية الطابع. لذلك، كان الصدام محتومًا بين هيئة تحرير الشام وحراس الدين. ولكن سرعان ما اتضح أن هيئة تحرير الشام تتمتع بالقوة الكافية لاحتواء حراس الدين وجميع المتعاطفين مع تنظيم القاعدة في شمال غرب سورية. واليوم، ما من علاقة تربط بين هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة، لأن أي تنسيق أو تعاون علني مع القاعدة قد يقضي على المحاولات الدؤوبة التي تبذلها الهيئة لإظهار "اعتدالها" و"انتمائها السوري" اللذين يشكّلان ركيزتَي استراتيجيتها الهادفة إلى الحصول على اعتراف إقليمي ودولي بسلطتها في شمال غرب سورية.

يونغ: كيف تمكّنت هيئة تحرير الشام من الحفاط على استمراريتها على الصعيدَين العسكري وغير العسكري، نظرًا إلى أن وجودها يقتصر، على ما يبدو، على محافظة إدلب؟

القصير: عسكريًا، ينبغي التوقف عند أمرَين اثنين. أولًا، استولت جبهة النصرة سابقًا على قواعد عسكرية استراتيجية مثل قاعدة أبو الظهور الجوية وقاعدة المسطومة العسكرية، ووضعت يدها على الجزء الأكبر من آلياتهما وذخائرهما ومعداتهما. واستولت النصرة أيضًا على أسلحة ذات أهمية استراتيجية كانت بحوزة فصائل في الجيش السوري الحر مثل الفرقة 13 وحركة حزم.

ثانيًا، حدثت مناوشات خفيفة ومتفرّقة حول أطراف المناطق الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام. ولكن لم تقع عمليات عسكرية كبرى منذ إنشاء مناطق خفض التصعيد و"نقاط المراقبة" حول إدلب في أواخر العام 2018، ما أتاح للهيئة الحفاظ على قدر كبير من إمكانياتها.

اقتصاديًا، وفي حال ثمة أموال خارجية تصل إلى هيئة تحرير الشام، فلا بد من أنها ضئيلة. وفي ضوء هذه الأوضاع، تحوّل التنظيم نحو الاعتماد على الاقتصاد المحلي من خلال الضرائب والتعرفات، بما في ذلك الإيرادات المستمدة من المعابر الحدودية، إضافةً إلى إدارة القطاع المصرفي والزكاة. ويُشار في هذا الصدد إلى أن هيئة تحرير الشام تُعوّل إلى حد كبير على المصادر الدينية المحلية التي تجمع التبرعات من الأفراد والجمعيات الخيرية الإسلامية.

يونغ: هل يؤثّر انتصار حركة طالبان في أفغانستان على هيئة تحرير الشام بأي شكل من الأشكال؟ وكيف ذلك؟

القصير: نعم، إذ كان لحركة طالبان تأثير في استراتيجية تنظيم هيئة تحرير الشام وتفضيلاته قبل وقت طويل من انتصارها في أفغانستان. فقيادة هيئة تحرير الشام كانت تراقب وتسجّل الملاحظات منذ بدء المفاوضات بين طالبان والأميركيين في الدوحة قبل عامَين. والدرس الأساسي الذي تعلّمته هيئة تحرير الشام من تجربة طالبان هو التالي: إذا كان النأي بالنفس عن تنظيم القاعدة والامتناع عن شنّ عمليات إرهابية في الخارج يقودان إلى القبول الدولي، فليكن.

استنادًا إلى تحليلي لخطاب هيئة تحرير الشام، فإن هذه المقاربة لا تُصوَّر داخليًا بأنها مربحة على الصعيد الاستراتيجي فحسب، بل تُقدَّم أيضًا بأنها جائزة دينيًا بموجب مبدأ "المصلحة". والقدرة على استخدام هذه التبريرات الدينية، مثل نجاح طالبان الأخير، تشي بأن المستقبل مفتوح أمام خطوات براغماتية أكثر جرأة يمكن أن تُقدِم عليها قيادة هيئة تحرير الشام، وقد تتخذ شكلًا من أشكال التعاون مع تركيا وما يُسمّى بالجيش الوطني السوري المدعوم من أنقرة.

بدأت هيئة تحرير الشام في الآونة الأخيرة باستخدام ما حدث في أفغانستان في حملات التجنيد وفي محاولاتها الآيلة إلى الفوز بدعم القادة والدعاة الجهاديين الذين يشكّكون في فعالية المقاربة التي يعتمدها الجولاني والتي تقوم على طمأنة الغرب ونفي تهمة الإرهاب.

يونغ: شُنَّت مؤخرًا هجمات على إدلب تسبّبت بتنامي المخاوف في المحافظة من احتمال أن ينفّذ الجيش السوري حملة عسكرية جديدة هناك، على غرار ما فعل في درعا. ماذا تتوقع أن يحدث في إدلب، وكيف يمكن أن يؤثّر ذلك على العلاقات بين النظام السوري وتركيا وروسيا؟

القصير: يجب ألا ننسى أن قوات النظام السوري وروسيا لم تتوقف مطلقًا عن شنّ هجمات على أطراف إدلب منذ أن سيطرت هيئة تحرير الشام على المحافظة. ثمة نقاط مشتركة وأخرى مختلفة بين السياقَين في جنوب البلاد وشمالها الغربي. يريد نظام الأسد استعادة السيطرة الكاملة على المحافظتين بشتى الوسائل. وقد بدا أن النظام يميل، في درعا، إلى التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق محلي، وإرسال رافضيه إلى الشمال الغربي، نظرًا إلى أن هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحها في السابق وحظيت بتشجيع من روسيا.

لكن التعاطي مع الأوضاع في إدلب أشد تعقيدًا. فهيئة تحرير الشام نافذة ومتداخلة في النسيج الاجتماعي للشمال الغربي الذي هو أيضًا الوجهة الوحيدة المتبقّية للمعارضة. علاوةً على ذلك، في حال شنّ النظام هجومًا بريًا واسع النطاق، فسوف يدفع ذلك بهيئة تحرير الشام إلى مد يدها إلى فصائل الجيش الوطني السوري التي تملك بدورها مصلحة راسخة في توسيع نطاق عملياتها وانتزاع حصة لها في حكم إدلب. وعليه، سوف تصبح الجهود الهادفة إلى عزل هيئة تحرير الشام شبه مستحيلة، علمًا بأن هذا البند يأتي في أعلى سلّم الأولويات الروسية في سورية.

يونغ: مؤخرًا، طلبت هيئة تحرير الشام من القبائل في إدلب التنسيق معها، بما في ذلك من خلال تشكيل مجالس شورى لمعالجة الشؤون والمشاكل القبلية. ما دوافع هذه الخطوة وإلى أين سيقود ذلك برأيك؟

القصير: يمكن النظر إلى هذه الخطوة من زاويتَين. من جهة، تملك هيئة تحرير الشام والقبائل المحلية مصلحة مشتركة في تشكيل مجالس شورى قبلية. فهذه الأخيرة تتيح للهيئة الحفاظ على سطوتها وإظهار موقعها المهيمن كوسيط النفوذ وصانع القرارات الأوحد في إدلب، وتُمكّن القبائل من الإبقاء على دورها التقليدي والمشاركة في إدارة الشؤون الاجتماعية والقضائية. ومن جهة أخرى، يعكس إنشاء المجالس القبلية الانخراط المتزايد لهيئة تحرير الشام في السياق السوري. فقد بدأت الهيئة، بُعيد القطيعة مع المنظومة الجهادية العالمية، تُظهر طابعها المحلي من خلال إعلانها أنها تمثّل إرادة العرب السنّة في سورية. وهكذا، يمكن النظر إلى إنشاء مجالس الشورى القبلية بأنه خطوة إضافية تلجأ إليها هيئة تحرير الشام لتعزيز انخراطها في الشؤون المحلية وإظهار فهمها للديناميات الاجتماعية المحلية.

يونغ: أي مستقبل ينتظر هيئة تحرير الشام في ضوء محاصرتها من قوات النظام السوري أو تركيا من مختلف الجهات، فضلًا عن أن بلدانًا كثيرة تعتبرها تنظيمًا إرهابيًا، وأنها لا تحظى بشعبية كبيرة في صفوف السكان المحليين؟

القصير: صحيحٌ أن عددًا كبيرًا من الحكومات والمنظمات الدولية تصنّف هيئة تحرير الشام في خانة التنظيمات الإرهابية، لكن شطب هذه التنظيمات من قوائم الإرهاب ليس أمرًا غير مسبوق. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك الحوثيون في اليمن. ولكي تُشطَب هيئة تحرير الشام من قوائم التنظيمات الإرهابية، يجب أن يأتي ذلك نتيجة تدقيق طويل ومعمّق في الوعود التي قطعتها بالسماح بظهور حراك مدني أساسي ومجدٍ، وفي مزاعمها عن استعدادها لفتح السجون ومراكز الاعتقال أمام مجموعات حقوق الإنسان لإجراء عمليات تفتيش.

الطريق معبَّدٌ أمام تعاون هيئة تحرير الشام مع تركيا، سواء بصورة مباشرة من خلال حكومة الإنقاذ التابعة للهيئة في إدلب، أو بصورة غير مباشرة من خلال التنسيق العسكري مع الفصائل المدعومة من أنقرة في الشمال. في الواقع، ثمة مؤشّرات على حدوث تقارب بين هيئة تحرير الشام وبعض فصائل الجيش الوطني السوري. ويجب أن يُقرأ ذلك في ضوء العوامل التالية:

أولًا، تتعرض هيئة تحرير الشام لضغوط متزايدة من الأصوليين المستائين من براغماتية الجولاني، وكذلك من السكان المحليين غير الراضين عن إدارة التنظيم للشؤون الاجتماعية والاقتصادية. لذلك غالب الظن أن تصبح الهيئة أقرب إلى القبول بتركيا كراعيتها الإقليمية، وأن تمتثل لأي مبادرات دولية للسلام والمصالحة في المستقبل، أو أقلّه ألّا تبدي معارضة شديدة لها.

ثانيًا، سوف تستثمر هيئة تحرير الشام في سيطرتها على إدلب بحكم الأمر الواقع لمحاولة الحصول على الاعتراف بدورها وسلطتها من أجل التعويض عن تراجع شرعيتها العسكرية.

ثالثًا، يتخوّف جميع الأفرقاء في النزاع السوري من الشائعات التي تتحدث عن انسحاب أميركي مفاجئ، بعد ما حدث في أفغانستان مؤخرًا. هذا السيناريو مستبعد نظرًا إلى أن الأوضاع في سورية مختلفة جدًّا، فضلًا عن أن الولايات المتحدة غادرت أفغانستان بعد إبرامها اتفاقًا مع طالبان. ولكن على الرغم من ذلك، فإن مجرد احتمال حدوث انسحاب أميركي يدفع جميع الأفرقاء، ومنهم هيئة تحرير الشام، إلى الاستعداد لمثل هذا السيناريو، لأنه سوف يؤدّي، في حال حدوثه، إلى تغيير في ميزان القوى يصبّ على الأرجح في مصلحة كلٍّ من إيران وروسيا والنظام السوري.