توماس بييريه باحث باحث أول في معهد البحوث والدراسات حول العالمَين العربي والإسلامي، وهو مركز متعدّد المجالات يربط بين جامعة إيكس-مرسيليا والمركز الوطني للبحث العلمي في مدينة إيكس-أون-بروفانس، فرنسا. وهو مؤلّف كتاب "الدين والدولة في سورية. العلماء السنّة من الانقلاب إلى الثورة" (Religion and State in Syria. The Sunni Ulama from Coup to Revolution) (منشورات جامعة كامبريدج، 2013)، وفصل Religious Governance in Syria Amid Territorial Fragmentation (الحوكمة الدينية في سورية وسط تفكك الأراضي") في كتاب من تحرير فريدريك ويري بعنوان Islamic Institutions in Arab States: Mapping the Dynamics of Control, Cooptation, and Contention (المؤسسات الإسلامية في الدول العربية: تحديد ديناميكيات السيطرة والاستمالة والنزاع) (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2021). أجرت "ديوان" مقابلة مع بييريه في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر للوقوف على رأيه من القرار الذي اتخذه الرئيس السوري بشار الأسد بسحب الصلاحيات من مفتي الجمهورية السورية، الشيخ أحمد حسون، وإعادة توزيعها على مجلس يرأسه وزير الأوقاف.

مايكل يونغ: لماذا عمد الرئيس بشار الأسد إلى سحب جميع الصلاحيات من مفتي الجمهورية السورية وإعادة توزيعها على المجلس العلمي الفقهي؟

توماس بييريه: صدر القرار بعد بضعة أيام من إدلاء المفتي الحالي، الشيخ أحمد حسون، خطبة مثيرة للجدل. فقد ادّعى حسون، خلال تشييع المطرب الشهير صباح فخري من مدينة حلب، أن خريطة سورية مذكورة في سورة التين في القرآن، وأن الله خلق البشرية في سورية، وأن مَن غادروا البلاد، أي اللاجئين، مصيرهم الهلاك. لطالما كان حسون محط كره من عدد كبير من زملائه، وموضع سخرية من العامة بسبب تأويلاته الغربية للنصوص الدينية.

في الواقع، كان منصب مفتي الجمهورية قد أُفرِغ من مضمونه في العام 2018، حين نص القانون 31 على خفض مدة الولاية إلى ثلاث سنوات بعدما كانت لمدى الحياة، ونقل صلاحيات المفتي الفقهية (الاسمية) إلى المجلس العلمي الفقهي الذي كان قد أنشئ حديثًا ويرأسه وزير الأوقاف. أما في ما يتعلق بالإلغاء الكامل لمنصب المفتي بموجب المرسوم الأخير، فهو ليس في رأيي قرارًا استراتيجيًا من النظام (إذا كان المقصود بالنظام الأسد وجماعته)، بل مردّه إلى أن أعداء حسون داخل البيروقراطية الدينية للدولة السورية استغلوا موقعه الضعيف نسبيًا.

يونغ: كيف تصف لنا حسون؟ وكيف كانت علاقته مع نظام الأسد؟

بييريه: هو نجل باحث ديني محترم من حلب، وذاع صيته في البداية كخطيب فصيح في صلوات الجمعة، ثم كنائب في البرلمان في التسعينيات. ونظرًا إلى ولائه الشديد للنظام، وإلى كونه شخصًا ضعيف الشأن في أوساط النخبة الدينية السنية، لم يكن النظام يرى فيه تهديدًا له، فتم تعيينه في منصب مفتي الجمهورية في العام 2005. وبعد تسلمه المنصب، عبّر عن آراء غير امتثالية واصفًا نفسه بأنه "علماني"، ومشددًا على القواسم المشتركة بين الإسلام والمسيحية، ومتبنّيًا خطابًا ودّيًا حيال الشيعة.

كانت هذه المواقف منسجمة مع توجهات النظام، ولكنها جعلت من حسون مصدر إحراج للأسد في علاقته مع العلماء الدينيين الذين يتألفون بأكثريتهم من المحافظين. وفي الأعوام الأخيرة، فقدَ المفتي حظوته ويعود ذلك إلى شراكته في مجال الأعمال مع رامي مخلوف، ابن خال الأسد الذي كان سابقًا الرجل الأول في سورية الأول في المشهد الرأسمالي السوري القائم على المحسوبيات، وقد جرت مصادرة أصوله في العام 2020؛ وإلى المكائد التي حاكها له خصومه في أوساط رجال الدين السنّة.

يونغ: يبدو أن إحدى المشاكل التي يعاني منها حسون، والتي أدّت إلى تهميشه، هي عداوته مع وزير الأوقاف الحالي، محمد عبد الستار السيد. هلّا تشرح لنا هذه الخصومة في سياقها الأوسع؟

بييريه: أصدر المجلس العلمي الفقهي برئاسة السيد بيانًا شديد اللهجة دحض فيه تأويل حسون لسورة التين. غالب الظن أن الوزير كان خلف قرار إلغاء منصب مفتي الجمهورية، وقبل ذلك، خلف إقرار القانون 31 للعام 2018. أبعد من التعصب الفئوي والمناطقي (حسون من حلب، في حين أن السيد من طرطوس ومرتبط بصورة خاصة بالعلماء في دمشق)، يتعلق الخلاف بمسائل العقيدة الدينية. لقد حشد السيد، فور تعيينه في العام 2007، الدعم من العلماء الموالين للنظام من خلال مناصرته الأصولية السنّية في مواجهة شخصيات غريبة الأطوار مثل حسون. وقاعدة الوزير المحافظة هي التي جعلت منه شريكًا أكثر مصداقية للنظام من مفتي الجمهورية الذي كان معزولًا نسبيًا داخل الميدان الديني.

يونغ: أشارت مصادر معارضة إلى أن السلطة الأوسع التي مُنِحت للمجلس العلمي الفقهي مرتبطة بالنفوذ الإيراني في سورية، نظرًا إلى أن إيران تملك مصلحة في إبقاء السنّة ضفعاء من خلال إضعاف المنصب الديني الأعلى للطائفة. ما حقيقة هذا الاعتقاد؟

بييريه: لا أوافق على هذا التحليل لأن حسون هو في الواقع شديد الولاء لإيران،وتربطه علاقة وثيقة مع الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإسلامي العاملة في سورية. وحين أصبح شخصًا غير مرغوب فيه من الإعلام الرسمي السوري قبل عامَين، استمر في الإطلالة بصورة واسعة عبر الوسائل الإعلامية المدعومة من إيران. لا أستثني تمامًا أن الدعم الإيراني قد يساعد حسون في الاحتفاظ ببعض التأثير، حتى بعد إقالته. أما السيد من جهته، فهو مقرّب من روسيا، ويمثّل نظرة سنّية أكثر تصلبًا إلى الإسلام، لا تتناسب جيدًا مع الأجندة الإيرانية في سورية.

إضافةً إلى ذلك، قد يسدّد إلغاء منصب مفتي الجمهورية ضربة رمزية للطائفة السنية، لكنه لا يجعلها أضعف مما هي عليه في الأصل. فحين ندّد العلماء المناهضون للنظام، مثل علماء المجلس الإسلامي السوري الذي يتخذ من اسطنبول مقرًا له، بهذا القرار، لم يكن السبب أنهم سيفتقدون لمنصب مفتي الجمهورية بصيغته التي كانت قائمة في ظل البعث، حيث كان يتولى المنصب أشخاصٌ خاضعون للنظام بالكاد يصدرون فتاوى، وتنصبّ معظم اهتماماتهم على البروتوكول والعلاقات العامة. بل هم يتأسّفون على المنصب كما كان قائمًا، على ما يُزعَم، قبل العام 1963، وكما كان يجب أن يبقى في نظرهم، أي أن يشغله علماء بارزون يمتلكون رصيدًا رمزيًا يتيح لهم الاحتفاظ بمستوى معيّن من الاستقلالية السياسية.

يونغ: ما هو المجلس العلمي الفقهي، وكيف يتناسب مع مخططات النظام؟

بييريه: إنه سلطة دينية جماعية تضم شخصيات مثل رئيس المحكمة الدينية في دمشق، وممثلي جامعات إسلامية، وغيرهم من العلماء المرموقين. وهو من بنات أفكار الأجندة الشخصية للوزير السيد، وليس من نتاج استراتيجية كبرى وضعها النظام. لقد عمل السيد، منذ تعيينه، على بناء المؤسسات في وزارته التي كانت عبارة عن قوقعة فارغة لأن النظام كان يفضّل مراقبة الأنشطة الدينية بطريقة غير نظامية، من خلال الأجهزة الأمنية، بدلًا من اللجوء إلى بيروقراطية دينية موسّعة كانت لتؤدّي إلى نمو مجموعة ضغط سنّية محافظة داخل أجهزة الدولة. وقد تمكّن السيد من إقناع الأسد بأن تغيير المسار هو السبيل الوحيد لكبح صعود التطرف.

صحيحٌ أن المجلس العلمي الفقهي يخدم طموحات الوزير الشخصية (إذ عُيِّن نجله عضوًا في المجلس)، لكنه يلبّي أيضًا تطلعات مناصري السيد في أوساط العلماء، والذين لطالما طالبوا بإنشاء مثل هذه الهيكلية الجماعية. يرى أعضاء المجلس أنه يحمل فوائد عدة. أولًا، أنشئ المجلس لممارسة الصلاحيات الفقهية التي كان مفتي الجمهورية قد تخلى عنها بحكم الأمر الواقع طوال نصف قرن من الزمن. ثانيًا، أتاحت المشاركة في المجلس للعلماء العودة إلى إحدى المؤسسات الأساسية للوزارة بعد عقود من الإقصاء. الصفقة هي على النحو التالي: يحصل أنصار السيد في أوساط العلماء، مقابل ولائهم المطلق للنظام في الشؤون السياسية، على سيطرة نظامية أكبر على شؤون العقيدة الدينية التي تشكّل هاجسهم الأساسي.

يونغ: ماذا تستخلص عمومًا من هذه الحادثة حيال المشهد الديني في سورية اليوم؟

بييريه: يدلّ اتخاذ النظام قرارًا سريعًا بإلغاء مؤسسة رمزية، وإن غير فعالة، كمنصب مفتي الجمهورية، على الضعف الشديد الذي تعاني منه الطائفة السنّية في سورية بعد الانتصار الذي حققه الأسد على المعارضة. ويَظهر هذا الضعف أيضًا من خلال الهدف المتوخّى من هذا القرار، وهو ليس القضاء على تهديد معيّن، بل ببساطة التحكيم في نزاع بين شخصيتَين، حسون والسيد، وكلاهما مواليان بالدرجة نفسها للنظام الحاكم.

لكن هذا لا يعني أن المؤسسة الدينية السنية لن تسبّب أبدًا بعد الآن متاعب للأسد. لا أقصد بهذا الكلام أن لدى السيد وأصدقائه طموحٌ بتحدّي النظام، بل ما أقصده هو أن هناك قواعد أخرى موالية للنظام، ولا سيما في أوساط العلويين، لا تثق على الإطلاق بالمحافظين السنّة، حتى لو كانوا يكنّون ولاءً كاملًا للأسد. وفي العام 2018، نجحت تلك القواعد في الدفع نحو إعادة صياغة مشروع القانون الذي أصبح لاحقًا القانون 31، بعدما اتهمت السيد بمحاولة توسيع التأثير الذي تمارسه وزارته على الدولة السورية بصورة عامة. قد تتكرر مثل هذه الحوادث في المستقبل، في حال استمر السيد في سياسته الهادفة إلى بناء مؤسسات داخل وزارته.