ماذا حدث؟

أعلن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك استقالته في 2 كانون الثاني/يناير 2022، في خطاب بمناسبة عيد استقلال البلاد، مشيراً إلى فشل جهوده لإحداث إجماع سياسي وطني "ضروري للإيفاء بما وعدنا به المواطن من أمن وسلام وعدالة وحقن للدماء". وكان حمدوك قد أُزيح من منصبه بالقوة إثر الانقلاب الذي نفّذته القوات المسلحة في25 تشرين الأول /أكتوبر 2021، ثم أُعيد إليه عقب الاتفاق الذي توصّل إليه في 20 تشرين الثاني/نوفمبر مع قائد الانقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي. لكن أزمة السودان المتعددة الأوجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما لبثت أن اشتدت منذ ذلك الحين، ما أثار مزيدًا من الشكوك حول مصير العملية الانتقالية الهشّة.

كان مفترضًا، بموجب اتفاقه مع البرهان، أن يرأس حمدوك حكومة مدنية إلى حين انعقاد الانتخابات العامة المُرتقَبة في تموز/يوليو 2023. ولكن واجه الأمر صعوبات على الفور، إذ أصرّ البرهان على تشكيل حكومة لا سياسية من الوزراء "التكنوقراط"، ما يعني إقصاء قوى إعلان الحرية والتغيير، الذي كان الائتلاف الأهم في الحكومة في فترة 2019-2021، وزيادة حدّة الاستقطاب في الميدان السياسي. فقد جاء قرار حمدوك بالتنحي جزئيًا كنتيجة لإعاقة جهوده الرامية إلى تشكيل حكومة جديدة. وبالرغم من أنه بدا وكأنه يلقي اللوم بالتساوي على "كل مكوّنات الانتقال"، إلا أنه ألمح بقوة إلى مسؤولية المكوّن العسكري عن تآكل التوافق السياسي بينه وبين المدنيين، والذي "لم يصمد بنفس الدرجة من الالتزام والتناغم التي بدأ بها… [ما أدى إلى] الوتيرة المتسارعة للتباعد والانقسام بين الشريكين".

من الواضح أن حمدوك انزعج من محاولة المكوّن العسكري لجم صلاحياته، خرقًا للالتزام الذي قطعه البرهان بموجب اتفاق الإطار المعقود في20 تشرين الثاني/نوفمبر والقاضي بأن مجلس السيادة الانتقالي لن يتدخّل بعمل الجهاز التنفيذي. وتمكّن حمدوك بدايةً من اتخاذ قرار مراجعة حالات الإعفاء والتوظيف في الهيئات الحكومية والانتقالية منذ الانقلاب، من دون أثر يُذكر لذلك. بل على العكس، نقل موقع الراكوبة الإخباري المعادي للانقلابيين، أن سبب استقالة رئيس الوزراء هو إصرار المكوّن العسكري على ضرورة مشاورته في التعيينات، بعد أن عيّن حمدوك عددًا من وكلاء الوزارات والمدراء العامّين، وأعاد السفراء الذين كان البرهان قد أعفاهم من مناصبهم عقب الانقلاب.

وفي المقابل، منح أمرٌ أصدره البرهان في26 كانون الأول/ديسمبر مختلف القوات النظامية التابعة للدولة صلاحيات الضابطة القضائية، أي الاعتقال والتفتيش وحجز الأموال وغيرها، وحظر أو تنظيم حركة الأشخاص. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التفويض شمل جهاز المخابرات العامة السيئ السمعة، فأحيا دوره السابق الذي مارسه إبان حكم الزعيم المخلوع عمر البشير، إلى حد كبير. كما منح أمر البرهان الحصانة القانونية لأفراد القوات النظامية من الملاحقة على أعمال يقومون بها بموجب حالة الطوارئ التي أُعلنت في 25 تشرين الأول/أكتوبر.


 

أين تكمن أهمية المسألة؟

من المرجّح أن يبقى السودان عالقًا في طريقٍ مسدود، نظرًا إلى الاستقطاب السياسي الحاد والانقسامات القوية داخل المكوّن المدني وعدم كفاءة المكوّن العسكري.

فقد خسر حمدوك قسطًا هامًا من مصداقيته في أوساط المعسكر المؤيد للديمقراطية المتنوّع، والمنقسم على نفسه في أحيان كثيرة، بسبب قبوله شروط البرهان للعودة إلى تولّي رئاسة الوزراء، ما بدا وكأنه يضفي شرعية على الانقلاب. ربما تعيد استقالته مكانته جزئيًا، علماً أنها قد توسّع أيضًا قدرته على انتزاع بعض التنازلات من المكوّن العسكري في مقايضةٍ جديدة تعيده إلى منصبه مرة أُخرى. ولكن أينما انتهى به الأمر، من المرجّح أن يستمر تدهور الوضع السياسي العام. إن لجان المقاومة الشعبية، التي عادت إلى الظهور أثناء انتفاضة العام 2019 وتقوم بدور رأس الحربة في المظاهرات الكبرى المؤيدة للديمقراطية منذ الانقلاب، تحمّلت السواد الأعظم من الحملات الأمنية والقمع. فلعل مزاجها الآن لا يتفق وحثّه لها "أن الحياة من أجل تحقيق الغايات الكبرى لا تقل شرفًا عن الاستشهاد في سبيل هذه الغايات"، ولا يدفعها إلى التراجع عن مطالبتها بتخلّي العسكر المطلق عن السلطة، وبمحاسبتهم كليًا على جرائمهم المختلفة.

مع ذلك، يبدو البرهان مصممًا على خلق واجهة مدنية، يأمل منها أن تيسّر له إضفاء الشرعية على الحكم العسكري محليًا وعلى تأمين عودة تدفّق المعونات والائتمانات الدولية. ويتسم ذلك بأهمية بالغة في بلد يرزح تحت عبء ديون تزيد عن 60 مليار دولار، وفساد وسوء إدارة عارمين، واقتصاد منهار تحت وطأة عقود عدة من العقوبات الدولية. ولكن يشكّل ذلك مأزقًا أيضًا. فالسبيل الأسهل أمام البرهان، من جهة، هو دعوة الأحزاب التي كانت خارج الحكومة في ظل قوى إعلان الحرية والتغيير— كالحزب الاتحادي الديمقراطي ونداء السودان، اللذين شكّلا ائتلافًا هو قوى الحراك الوطني في أواخر كانون الأول/ديسمبر، وجماعة الميثاق الوطني التي انشقت عن قوى إعلان الحرية والتغيير أو الأحزاب التي لا تزال تحبّذ الحوار، خصوصًا حزب الأمة الوطني — إلى تشكيل الحكومة.

ولكن يدرك البرهان، من جهة أُخرى، أن حكومة كهذه لن تقنع على الأرجح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجهات مانحة أخرى بأن تطلق المساعدات التي كانت قد وعدت بها سابقًا، خاصة وأن هذه الجهات ربطت إطلاقها باستعادة حمدوك منصبه. من هنا يأتي إصراره المستمر على تشكيل "حكومة كفاءات مستقلة". لكن عودة حمدوك ستحمل في طيّاتها صعوبات، إذ إن إجمالي الإصلاحات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي دعا إليها في المبادرة التي أعلنها في حزيران/يونيو الفائت، بعنوان "الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال-الطريق إلى الأمام"، ليس مقبولًا بالنسبة إلى البرهان وحلفائه العسكريين وشبه العسكريين.

فعلى الرغم من امتلاكهم أدوات العنف المنظّم، حشر البرهان وحلفاؤه أنفسهم في الزاوية جرّاء تنفيذهم الانقلاب. ومن المفارقات أن الاتفاق الانتقالي للعام 2019 منحهم النفوذ الكافي للحفاظ على المصالح العسكرية الأساسية والحصول على عفوٍ لحماية أنفسهم، فيما أتاح لهم أيضًا وضع المسؤولية الكاملة على عاتق الحكومة والأحزاب والقوى السياسية الرئيسة لتدير البلاد عبر إجراءات التقشف المالي والإصلاحات الاقتصادية الموجِعة. ولكن بانتزاعهم السلطة الكاملة، أصبح البرهان وحلفاؤه يتحمّلون المسؤولية عن كل شيء، من دون القدرة على توفير أي شيء. في غضون ذلك، لا يوجد أي دليل في تاريخهم كجزء عضوي من أجزاء نظام البشير وحروبه في جنوب السودان ودارفور، يوحي بالتزام صادق بالديمقراطية أو بتمتعهم بالكفاءة اللازمة لحل المشكلات والتحديات التي تواجه البلاد.


 

ما مضاعفات ذلك على المستقبل؟

ليست لدى البرهان وحلفائه أهداف واضحة على ما يبدو سوى الاحتفاظ باستقلاليتهم وحصانتهم من المحاسبة، ما يعني عمليًا العودة إلى وضع ما قبل العام 2019. ويشمل ذلك، في الوقت الحاضر على الأقل نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق محمد حمدان "حميدتي" دقلو، قائد قوات الدعم السريع السيئة الصيت. ولكن قد يتبدّل ذلك، مثلًا استجابةً لتقلّب المشاعر في الولايات حيث حاضنته وقاعدة قوّته، أم لتوجيهات سياساتية مغايرة من قبل داعمه الخارجي الرئيس، الإمارات العربية المتحدة.

من المرجح أن يعمد العسكر إلى التَمَترُس إلى حين مرور الأزمة الحالية، مثلما فعل نظراؤهم الجزائريون في مواجهة انتفاضة بلادهم الموازية في العام 2019. غير أن استراتيجية سالبة من هذا النوع تجازف بانتقال النزاعات والاحتجاجات الجمعية المتعددة من حالة التراكم إلى حالة الانفجار: فقد لقي عشرات المدنيين حتفهم في ولاية غرب دارفور في كانون الأول/ديسمبر، بينما تنامى النزوع الانفصالي في شرق السودان.

لو تمتع البرهان ببعد النظر، قد يحاول سلوك نفس المسار الذي اتّبعته القوات المسلحة المصرية، التي انتهزت انقسام الأحزاب والقوى السياسية المدنية وسعيها وراء مصالحها الذاتية عقب الثورة المصرية في العام 2011 لحشد التأييد الشعبي للحكم العسكري، ثم استحوذت القوات المسلحة على تعديلات دستورية تمنحها الحق الدائم بالتدخل في المجال السياسي كلما رأت حاجة لذلك، لتترك تصريف العمل الحكومي اليومي إلى المدنيين العاجزين سياسيًا. حتى هذا المنظور القاسي يتطلّب من البرهان ممارسة مستوى من إدارة الاقتصاد والمالية العامة يفوق قدراته الفعلية، إلا أن القيادة العسكرية المُتلعثمة قد تجد طريقها إلى نتيجة مشابهة عمومًا للحالة المصرية، ولو عن طريق الزلّات، إذا عجز المعسكر المدني المؤيد للديموقراطية عن إظهار قدر كافٍ من وحدة الهدف والقيادة.