أنكيت باندا باحث أول حائز على منحة ستانتون في برنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. هو خبير في شؤون منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتركّز أبحاثه على الاستراتيجية النووية، والرقابة على الأسلحة، والدفاع الصاروخي، وحظر الانتشار النووي، والتكنولوجيا الناشئة، واستراتيجية الردع الموسّع التي تتّبعها الولايات المتحدة. صدر له كتاب بعنوان Kim Jong Un and the Bomb: Survival and Deterrence in North Korea  (كيم جونغ أون والقنبلة: البقاء والردع في كوريا الشمالية) عن منشورات هورست/جامعة أكسفورد في العام 2020. تولّى باندا سابقًا منصب باحث أول مساعد في مشروع المقاربة الدفاعية في اتحاد العلماء الأميركيين، وكان عضوًا في مجموعة الدراسة الدولية التابعة لاتحاد العلماء الأميركيين للعام 2019 حول السياسة المتعلقة بكوريا الشمالية. قدّم باندا المشورة لمنظمة الأمم المتحدة حول شؤون حظر الانتشار النووي ونزع السلاح، وأدلى بشهادة حول القضايا الأمنية المتعلقة بكوريا الجنوبية واليابان أمام لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية التي أنشأها الكونغرس الأميركي. أجرت "ديوان" مقابلة معه في أوائل شهر كانون الثاني/يناير لمناقشة التقارير القائلة إن السعودية تعمد إلى تصنيع صواريخ بالستية بمساعدة الصين.

مايكل يونغ: أفادت شبكة CNN مؤخرًا أن وكالات الاستخبارات الأميركية خلُصت إلى أن المملكة العربية السعودية تعمل على تصنيع صواريخ بالستية بمساعدة الصين. ما تداعيات ذلك؟

أنكيت باندا: يمثّل هذا التطور الأخير خرقًا مؤسفًا لالتزامات الصين السابقة بشأن نقل التكنولوجيا الصاروخية، ويسلّط الضوء على البيئة الأمنية السريعة التغيّر في منطقة الشرق الأوسط. واقع الحال أن السعودية شهدت فورةً من الإنفاق العسكري على مدى القرن الماضي، إذ احتلّت المرتبتَين الخامسة والسادسة على مؤشر الإنفاق الدفاعي العالمي في العامَين 2019 و2020 على التوالي. يُضاف إلى ذلك أن الرياض في ظل إدارة ولي العهد محمد بن سلمان ركّزت على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات اقتصادية عدة، وفي الشؤون الدفاعية.

إن القدرة على إنتاج كميات كبيرة من الصواريخ البالستية تتناغم مع هذه الديناميكيات الأوسع التي تنطوي عليها الاستراتيجية الوطنية السعودية. فبحسب ميزانيتها الدفاعية للعام 2022، خطّطت المملكة على خفض الإنفاق الكلي بنسبة 10 في المئة، لتركّز على الإنتاج المحلّي في عدد من المجالات. وفيما لم تكشف الحكومة السعودية رسميًا عمّا أظهرته التقارير عن عملها على إنتاج صواريخ بالستية، أو عن الدور الذي ستؤديه هذه الصواريخ البالستية الجديدة في إطار استراتيجية الدفاع الوطني السعودية، قد يُنظر إلى القدرة على إنتاج صواريخ بالستية تقليدية دقيقة محليًا على أنها وسيلة منخفضة الكلفة تدعم مهام الطائرات التابعة للقوات الجوية الملكية السعودية. وقد تشكّل أيضًا جزءًا من استراتيجية تحوّط نووي، في حال قرّرت المملكة البدء ببناء أسلحة نووية في المستقبل، بحسب ولي العهد السعودي الذي ألمح إلى ذلك.

يونغ: هلّا شرحت ما يكشفه هذا التطور عن المقاربة التي تنتهجها الصين حيال منطقة الشرق الأوسط – من خلال إعطاء صواريخ لدولة يُحتمل أن تستخدم هذه الصواريخ ضد إيران، وهي دولة أخرى تجمعها علاقات وديّة مع الصين؟

باندا: لم يصدر بيان رسمي من وزارة الخارجية الصينية وغيرها من الوكالات الحكومية تعليقًا على تقييم الوكالات الاستخباراتية الأميركية بشأن المساعدة التي تقدّمها بيجينغ إلى الرياض من أجل تعزيز قدراتها في مجال بناء صواريخ محلية الصنع. فباستثناء نقل صواريخ بالستية صينية من طراز "دونغفنغ-3 أي" إلى السعودية في أواخر الثمانينيات، لم تكن بيجينغ والرياض شريكتين أساسيتين في المجال الدفاعي.

كان سبب ذلك خلال التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين التقارب الجيوسياسي السعودي من الولايات المتحدة، وافتقار الصين عمومًا إلى صادرات دفاعية متطورة للغاية. وفيما نمت عروض الصادرات الصينية العالية القيمة خلال العقد الماضي، لم تكن السعودية زبونًا كبيرًا للصين. وحتى الصواريخ التي حصلت عليها الرياض من بيجينغ في أواخر الثمانينيات اعتُبرت غير قابلة للاستخدام، بحسب ما ذكرت بعض التقارير، ضد العراق خلال حرب الخليج الأولى بسبب دقّتها المتدنية.

لكن عملية نقل ثانية للصواريخ، إنما غير مؤكدة، تمت في العام 2014، لصواريخ صينية أكثر دقة من طراز دونغفنغ-21، ولّدت على الأرجح اهتمامًا سعوديًا أكبر في الصواريخ البالستية المزوّدة بالوقود الصلب – وهذا هو النوع الذي يُعتقد أن المملكة تعمل على تصنيعه في الوقت الراهن. لم تعلن السعودية عن حيازتها لصواريخ "دي إف-21"، لكنها استعرضت صواريخ "دي إف-3 أي" التي حصلت عليها في العام 1988.

بشكل عام، نجحت بيجينغ في بناء علاقات مع كلٍّ من الرياض وطهران من دون الانخراط في خلافاتهما الجيوسياسية. وخلال عملية نقل التكنولوجيا الصاروخية الأخيرة، تحمل المصالح الصينية على الأرجح طابعًا تجاريًا وليس استراتيجيًا. وفيما لم يُعرف توقيت بدء عملية نقل التكنولوجيا، تشي تقارير سابقة بأن وتيرة التعاون السعودي-الصيني حول تكنولوجيا الصواريخ البالستية تسارعت في عهد إدارة ترامب، التي أخفت هذا التطور عن المشرّعين الأميركيين. غالب الظن أن الرياض وبيجينغ اعتبرتا أن الولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترامب قد تغضّ الطرف عن هذا التعاون، ما دفعهما ربما إلى المضي قدمًا بهذا المسعى.

مع ذلك، إن ما أوردته التقارير عن نقل تكنولوجيا الصواريخ البالستية سيسلّط مجدّدًا الضوء على إسهام بيجينغ في انتشار الصواريخ في العالم. يواجه نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ المتعدّد الأطراف الذي وُضع في أواخر الثمانينيات لضبط الصادرات ضغوطًا متزايدة، ولا سيما أنه صُمّم جزئيًا لمعالجة عمليات نقل التكنولوجيا، من قبيل تلك التي تمت بين بيجينغ والرياض بشأن صواريخ "دي إف-3 أي". يُشار إلى أن الصين لطالما تعهّدت بالالتزام بالمعايير التي ينصّ عليها هذا النظام غير الرسمي وغير المُلزم، على الرغم من أنها ليست عضوًا فيه. لكن عمليات النقل التي وصفتها شبكة CNN بأنها "واسعة النطاق لتكنولوجيا الصواريخ الباليستية الحساسة" تشير إلى أن بيجينغ فشلت في الحفاظ على التزاماتها هذه. وفي العام 2021، اعتبر مكتب مراقبة الأسلحة والتحقق والامتثال التابع لوزارة الخارجية الأميركية أن الصين فشلت في التقيّد بالتزاماتها السابقة حيال انتشار الصواريخ. ولم تحدّد وزارة الخارجية طبيعة أنشطة الصين في ما يتعلق بالانتشار الصاروخي، لكن على ضوء هذا التقرير الأخير، غالب الظن أن عملية نقل تكنولوجيا الصواريخ البالستية إلى السعودية شكّلت جزءًا من الأنشطة التي ألمح إليها تقرير مكتب الرقابة على الأسلحة والتحقق والامتثال.

يونغ: عبّرت الولايات المتحدة، على الأقل في تصريحاتها الرسمية، عن تفضيلها خيار الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن من المستبعد أن يعزّز هذا التطوّر الأخير الاستقرار في المنطقة، أقلّه في المدى القريب. كيف أتى ردّ فعل واشنطن على برنامج الصواريخ البالستية السعودي؟

باندا: سهّلت الإدارات الأميركية المتعاقبة، إدراكًا منها لشعور السعودية أنها تفتقر إلى القدرات الأمنية، نقل التكنولوجيا العسكرية الأميركية، ولا سيما الطائرات، إلى القوات الجوية الملكية السعودية. لكن، من منظور السياسة العامة، تعارض واشنطن انتشار المنظومات الصاروخية، ولا سيما تلك القادرة على حمل رؤوس نووية، في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. وخلال عهد الرئيس ترامب، حين بدأ على الأرجح التعاون المذكور بين الصين والسعودية في مجال تصنيع الصواريخ، وتسارعت وتيرته بالتأكيد، أُزيحت جانبًا المواجهة مع السعودية حول مجموعة من القضايا التي كان يمكن أن تتعارض مع المصالح الأميركية في المنطقة، لصالح تطبيق استراتيجية إقليمية أوسع تستند إلى الضغط على النظام الإيراني. وشملت هذه الأخيرة جهود إدارة ترامب لإخفاء معرفتها بالمساعي السعودية الرامية إلى تطوير برنامج الصواريخ البالستية عن المشرعين الأميركيين.

يونغ: كيف يؤثر برنامج الصواريخ البالستية السعودي على أي مفاوضات محتملة قد تقودها الولايات المتحدة من أجل وضع حدٍّ لبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني؟

باندا: لا شكّ أن تعزيز الاكتفاء الذاتي السعودي في إنتاج الصواريخ البالستية سيعقّد الجهود الرامية إلى عرقلة برامج الصواريخ البالستية الإيراني من جانب واحد. لكن حتى من دون هذه المساعي السعودية، ستصطدم الجهود الرامية إلى تقييد قدرات إيران الصاروخية بواقع انتشار المنظومات الصاروخية في المنطقة.

واقع الحال أن دولًا عدّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عمدت إلى إضافة صواريخ بالستية قصيرة المدى، وصواريخ كروز على نحو متزايد، إلى ترساناتها العسكرية. لا شكّ أن التنافس بين طهران والرياض سيؤدي إلى التركيز بشكل خاص على القدرات السعودية في المفاوضات المحتملة، لكن يُرجّح أن تصرّ إيران على أخذ القدرات الإسرائيلية وحتى التركية في الحسبان عند الحديث عن المنطقة. لكن بالنظر إلى المنطقة ككل، تُعتبر المنظومة الصاروخية الإيرانية مُلفتة من حيث تنوّعها، إذ تتضمن صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى وصواريخ فوق المتوسطة، وأيضًا من حيث انتشارها لدى جهات فاعلة غير حكومية كالحوثيين وحزب الله الذين يتلقّون صواريخ من إيران.

لا تزال الكثير من المعطيات مجهولة بشأن القدرات المحدّدة التي يجري تطويرها في السعودية، لكن من المستبعد أن يهدأ سريعًا شعور الرياض بانعدام الأمان تجاه إيران. وطالما أن السعودية لا تزال دولة غير نووية، ستقتصر الصواريخ البالستية المفيدة عسكريًا على الصواريخ التي تتمتع بمستوى كافٍ من الدقة. تجدر الإشارة إلى أن الصواريخ "دي أف-3" الصينية الصنع التي استوردتها الرياض في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم قد صُمّمت أساسًا لحمل رؤوس نووية، ما لم يتطلّب تمتعها بدرجة عالية من الدقة. وفيما تشير الأدلة المتوافرة راهنًا والمتاحة للعامة إلى وجود مبادرة سعودية تهدف إلى تصنيع الصواريخ، قد يصلنا مزيدٌ من المعلومات حول مدى هذه الصواريخ ودقتها ومعايير أخرى محتملة عند البدء باختبارات الطيران.

يونغ: كيف يمكن أن تؤثر هذه المعطيات حول البرنامج الصاروخي على موقف الولايات المتحدة في المحادثات الجارية في فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران؟

باندا: تواجه المحادثات التي تستضيفها فيينا لإعادة إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة المُبرمة في العام 2015 مجموعةً من العراقيل، بصرف النظر عن برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية. فقد رفضت طهران مرارًا ربط المحادثات حول القيود على برنامجها النووي بتخفيف العقوبات أو بقدرتها على حيازة صواريخ بالستية، ولن يتغيّر موقفها هذا على الأرجح. في الوقت نفسه، يمكن للصمت السعودي والصيني حيال تعاونهما المزعوم في مجال إنتاج الصواريخ البالستية أن يتيح لمختلف الأطراف درجة معقولة من الإنكار في الوقت الراهن.

يونغ: إذا كانت السعودة تعمل حاليًا على تطوير صواريخ بالستية من دون تدخل خارجي، فما هي احتمالات بناء برنامج نووي سعودي في حال فشلت محادثات فيينا وتمكنّت إيران من حيازة أسلحة نووية، أو اقتربت من تحقيق هذا الهدف؟

باندا: أعلن ولي عهد محمد بن سلمان بصراحة في السابق أن الرياض قد تسعى إلى تطوير قدرتها على حيازة أسلحة نوويةفي حال نجحت إيران في فعل ذلك. صحيحٌ أن الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء الدوليين، مثل روسيا والصين، قد تتدخّل لثَني الرياض عن تنفيذ خطتها هذه، إلا أن تهديد الأمير محمد بن سلمان ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. فالمؤكد أن هذا التصريح المشروط الذي أدلى به، والقدرات السعودية في مجال تطوير الصواريخ البالستية أمران يثيران القلق، ولا سيما على ضوء اهتمام الرياض المُعلن في الاحتفاظ بخيار تخصيب اليورانيوم لتلبية حاجاتها من الطاقة النووية، ورفضها تطبيق بروتوكول إضافي لاتفاق الضمانات المُبرم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

تشكّل الصواريخ البالستية وسيلة تفضّلها الدول التي تمتلك أسلحة نووية اليوم من أجل حمل الرؤوس النووية. وفيما يمكن لصواريخ "دي أف-3 أي" القديمة التي تمتلكها السعودية أن تحمل رؤوسًا نووية عند الضرورة، لا شكّ أن وجود سلسلة توريد محلية لإنتاج الصواريخ البالستية يضمن ألا يكون للعقوبات الدولية التي قد تواجهها الرياض نتيجة سعيها لحيازة أسلحة نووية سوى تأثير محدود على قدرتها على الحفاظ على قوة ردع نووي. علاوةً على ذلك، قد تكون الدقة المتزايدة لترسانات الصواريخ البالستية التقليدية الإيرانية قد أثارت مخاوف في السعودية من أن تكون صواريخ "دي أف-3 أي" الثابتة نسبيًا والتي تعمل بالوقود السائل وتُعتبر عملية تعبئتها بطيئة، ضعيفة في وجه أي هجوم استباقي.

مع ذلك، لا ينبغي اعتبار السعي وراء تعزيز القدرات المحلية لتصنيع الصواريخ البالستية مؤشرًا على عزم السعودية حيازة أسلحة نووية. فالصواريخ البالستية التقليدية الدقيقة تنتشر بوتيرة متسارعة في جميع أنحاء العالم، ناهيك عن أن قوى عدّة في المنطقة وبعض الدول الأصغر حتى تعتبرها من القدرات العسكرية الأساسية. إذًا، في نهاية المطاف، سيستند أي قرار قد تتّخذه السعودية من أجل تطوير برنامج أسلحة نووية إلى مجموعة متشابكة من العوامل.