ماذا حدث؟

أعلن رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري تعليق نشاطه السياسي، وامتناعه عن الترشّح للانتخابات النيابية المُقرّر إجراؤها في أيار/مايو المُقبل، موضحًا أنه لن يتقدّم كذلك بأي ترشيحات من تيار المستقبل أو باسم التيار.

كان هذا الإعلان متوقّعًا، لكن ما لم يقله الحريري قد يكون أكثر أهمية مما قاله، وذلك من نواحٍ عدة. فبعد خروج الحريري من المشهد السياسي الانتخابي، وإعلان رئيس الوزراء الأسبق تمام سلام قبل أيام أيضًا عزوفه عن الترشح للانتخابات، بات السؤال ما إذا في وسع رئيس الوزراء الحالي نجيب ميقاتي، ورئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة المشاركة في الانتخابات. وفي حال قرّرا السير على خطى الحريري، هل سيحذو مرشحون سنّة آخرون أيضًا حذوهما؟ وبالتالي، هل سيشهد لبنان مقاطعة سنيّة غير مُعلنة للحياة السياسية اللبنانية، موجّهة بشكل أساسي ضد حزب الله؟


 

أين تكمن أهمية المسألة؟

حمل قرار الحريري أبعادًا أكبر بكثير من مجرّد إعلان عدم المشاركة، بل شكّل إيذانًا بموته السياسي، لكنه موت يمكن أن يتبعه انبعاث من الرماد. يأتي ذلك في سياق من التوتر بين الحريري والقيادة السعودية الراهنة. فالسعوديون كانوا الداعمين السياسيين لعائلة الحريري، إلى أن انهار الوضع تمامًا بعد احتجاز الحريري في المملكة في العام 2017.

منذ ذلك الحين، وفي أكثر من مناسبة، برزت مؤشّرات عبّرت عن استياء الرياض من الحريري، وتحديدًا من استعداده للتوصّل إلى صيغة تعايش مع حزب الله. يُذكر أن السعوديين عارضوا بشدة المسعيَين الأخيرَين اللذين بذلهما الحريري لتأليف حكومة في العام 2019 ثم في فترة 2020-2021. وبعد تسعة أشهر من المحاولات التي باءت بالفشل، اعتذر الحريري عن تشكيل الحكومة في تموز/يوليو الماضي. وقد خلُص الكثير من المراقبين آنذاك إلى أن موقف الحريري المتشدّد حيال الرئيس ميشال عون هدفَ إلى إقناع الرياض بأنه قادرٌ على التصرّف بصرامة مع حزب الله وحلفائه، لكنه في النهاية اضطر إلى الإقرار بالهزيمة السياسية.

يأتي هذا الإعلان أيضًا وسط تقارير متواترة عن أن الإماراتيين أبلغوا الحريري المقيم حاليًا في الإمارات أن في وسعه مزاولة أعماله هناك شرط الانسحاب من العمل السياسي، على الأقل في هذه المرحلة. يبدو أن الإماراتيين أرادوا أن يتجنّبوا إثارة حفيظة السعوديين. يُشار كذلك إلى أن الحريري لا يملك سوى أموال محدودة للمساهمة في تمويل حملته الانتخابية، بعد إفلاس شركته "سعودي أوجيه" في العام 2016، ما أدّى إلى تسريح آلاف الموظفين من دون الحصول على مستحقاتهم المالية، وبعد أن غادر بعض المموّلين البارزين للحريري لبنان العام الماضي، ومن ضمنهم رجل الأعمال جهاد العرب.

الأمر المُلفت في قرار الحريري أنه أذعن لخيار تفضّله السعودية ويستند بشكل كبير إلى عداء شخصي. فالعلاقات سيئة بين الحريري وولي العهد محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي في السعودية. وفي حين أن سجل الحريري موضع تساؤل، يبقى أن شخصنة السعودية لمقاربتها حيال لبنان قد تؤدّي إلى نتائج عكسية وتقوّض بشكل أكبر مصالح المملكة.


 

ما المضاعفات على المستقبل؟

لا شكّ أن إعلان الحريري تعليق نشاطه السياسي وعدم ترشّحه للانتخابات النيابية يحرم سنّة لبنان من الممثّل الأبرز لطائفتهم. وتسود حالة من القلق والاضطراب في أوساط عدد كبير من السنّة، ناهيك عن حلفاء الحريري السياسيين، حول الفراغ السياسي الذي سينشأ داخل الطائفة على إثر هذا القرار. وسيتهافت الكثير من هؤلاء الحلفاء، ولا سيما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، لحشد الناخبين السنّة المتعاطفين في الدوائر الانتخابية حيث ثمة أعداد كبيرة من السنّة القادرين على التأثير في نتائج الانتخابات.

سيؤدّي خروج الحريري من المشهد السياسي على الأرجح إلى إثباط عزيمة السنّة أو تشرذم أصواتهم، ما سيفسح المجال أمام خصوم الحريري، ولا سيما حزب الله والتيار الوطني الحر، للحصول على مقاعد إضافية. ولتجنّب حدوث ذلك، قد يحاول أعضاء من تيار المستقبل الحفاظ على التماسك الداخلي لحزبهم من خلال تقديم لوائح مرشحين في جميع أنحاء البلاد غير مدعومين رسميًا من الحريري أو من تيار المستقبل، إنما كانوا سيحظون بتفضيل رئيس الوزراء السابق.

على صعيد آخر، تُشكّل خطوة الحريري هذه فصلًا جديدًا من فصول قرار السعودية سحب يدها من لبنان، على الرغم من أن حكمة المقاربة التي تنتهجها المملكة تُعتبر محط جدل. قد لا يرى كثيرون أن خطوة الحريري تنمّ عن درجة عالية من التبصّر السياسي، لكن الغريب أن تتخلّى السعودية بسهولة عن أقوى أوراقها في لبنان، والمتمثّلة في وجود طائفة سنّية كبيرة قادرة على الوقوف في وجه حزب الله. ببساطة، إن فحوى السياسة هو محاولة الاستفادة قدر الإمكان من الظروف التي تطرأ، كما فعلت إيران في اليمن حين دفعت الخصوم إلى تقديم تنازلات. أما السعوديون، ومن خلال إرغام الحريري على الانسحاب من اللعبة السياسية، فقد تركوا سنّة لبنان في حالة من الفراغ، ما قد يزيد حزب الله وإيران قناعةً بعدم الحاجة إلى تقديم أي تنازل.

الجدير بالذكر أن وزير الخارجية الكويتي زار بيروت في نهاية الأسبوع الماضي حاملًا سلّةً من الشروط التي يتعيّن على لبنان تلبيتها لإعادة العلاقات مع الدول الخليجية إلى طبيعتها. وتبدو هذه الشروط أشبه بالإنذار الأخير، لأن من شبه المستحيل أن تنجح الطبقة السياسية اللبنانية في إقناع حزب الله بالتقيّد بها. وإن دلّت هذه الزيارة على شيء فإنما تدلّ على أن دول الخليج تنحاز مرة أخرى للموقف السعودي المتشدّد حيال لبنان. ويشير ذلك إلى أن البلاد مُقبلةٌ على عزلة عربية أكبر، فيما لا تزال عالقة بين السعودية وإيران. ظنّ الحريري يومًا أن بإمكانه رأب هذا الصدع الذي يشوب المشهد اللبناني، لكن انسحابه من الحياة السياسية يُظهر أن طموحه هذا قد مُني بالفشل، أقلّه في الوقت الراهن.

والأهم، في حال أحدث انسحاب الحريري من المشهد السياسي مقاطعةً انتخابية أوسع في صفوف المرشحين السنّة البارزين، هل ستدخل الحياة السياسية اللبنانية مرحلةً جديدة؟ قد تشكّل المرحلة المقبلة إنذارًا سنّيًا لحزب الله، مفاده: طالما أنه يسعى إلى تحقيق المصالح الإيرانية على حساب دول الخليج السنية، رافضًا نزع سلاحه، سيضطرّ إلى الحكم من دون شريك سنّي. وماذا سيكون في مقدور الحزب فعله من دون غطاء سنّي، وفي ظل تراجع التأييد المسيحي له بوتيرة متسارعة؟ على ضوء كل هذه المعطيات، بات احتمال إجراء الانتخابات أبعد منالًا من أي وقتٍ مضى.