ناشد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرارًا وتكرارًا القطاع الخاص المصري بالدخول في شراكات مع هيئات الدولة من أجل تمويل برامجها الاستثمارية والإنمائية الطموحة وتنفيذها. لكن هذه المناشدة تحوّلت مؤخرًا إلى توسّلٍ صريح.

فقد قال السيسي في كلمة ألقاها في 22 كانون الأول/ديسمبر 2021: "أقولها للمرة الخامسة والسادسة، نحتاج إليكم ونريدكم أن تعملوا معنا". يكمن خلف شعوره بإلحاح الوضع إدراكٌ متزايد بأنه يترتب على إدارته تقليل اعتمادها على الاستدانة – الداخلية والخارجية على السواء – لتمويل مشروعاتها الضخمة في مجالَي البنية التحتية والإسكان، على الرغم من التطمينات الرسمية خلافًا لذلك. ويحدث ذلك حتى وهو يواصل سعيه إلى استحصال "شهادات ثقة" من الدائنين التقليديين، أي حلفائه الأقرب في الخليج وتحديدًا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وصندوق النقد الدولي، ما يمهّد الطريق أمامه للحصول على مزيدٍ من القروض الدولية.

تعتبر مجلة ذي إيكونوميست أن "حماسة السيسي المستجدّة تجاه القطاع الخاص هي وليدة الضرورة"، لكنها تتيح فرصةً للساعين وراء الإصلاح. وبغضّ النظر عمّا إذا تعمّد السيسي ذلك أم لا، فهو لم يستثنِ القوات المسلحة من كلامه حين أقرّ في تقييمٍ ينطوي على انتقاد شديد، قائلًا: "نحن بحاجةٍ للقطاع الخاص لأننا أثبتنا خلال الـ40 سنة الفائتة أننا غير أكفّاء في إدارة مشاريعنا"، علمًا بأن المؤسسة العسكرية شكّلت رأس الحربة في الاستراتيجية الاستثمارية التي قادتها الدولة خلال الأعوام الثمانية الماضية. لا يدعو ذلك إلى التفاؤل بأن الرئيس قد يتهيأ لتقليص الدور الذي تؤدّيه القوات المسلحة في تأمين جزء كبير من السلع والخدمات العامة وفي إنتاج السلع المدنية، وفقًا للتوصيات التي أوردتُها في دراستي الأخيرة بعنوان "الاحتفاظ بالقدرة أم إعادة الهيكلة أم التجريد؟ خيارات سياساتية للاقتصاد العسكري المصري". والحال هو أن تبدّل موقفه من القطاع الخاص مردّه إلى الاستياء من الوتيرة والنتائج التي تُحققها بيروقراطية الدولة في تنفيذ السياسات والأهداف الاقتصادية التي حدّدها، لا إلى إدراكه بضرورة مراجعة هذه السياسات والأهداف.

لذا، غالب الظن أن البلاد ستواصل تسيير الأمور كالمعتاد. لكن انتقاد السيسي لأداء الدولة الباهت يتيح فرصةً لمناقشة الانتشار الواسع للآلاف من كبار المتقاعدين العسكريين في مؤسسات الدولة الضخمة وتأثيرهم المثبِط على الأداء الاقتصادي، والمثبِط تحديدًا على مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد. فنموذج "جمهورية الضباط" الذي وصّفتُه بالتفصيل في دراسة سابقة، وُلد في التسعينيات من رحم الصفقة الضمنية التي كافأت كبار الضباط عبر منحهم مناصب في المنظومة البيروقراطية بعد بلوغهم سنّ التقاعد، وإعطائهم في أحيان كثيرة الامتيازات التجارية المربِحة لقاء ولائهم لرئيس الجمهورية الأسبق حسني مبارك.

واستنادًا إلى المراجعة الشاملة التي أجريتُها في تقرير بعنوان "أولياء الجمهورية: تشريح الإقتصاد العسكري المصري"، تتألف الركيزة الأساسية لهذه الشبكات التي تعيد إنتاج نفسها، من مئات ضباط القوات المسلحة المتقاعدين الذين يتبوّأون مناصب رؤساء أو أعضاء مجالس إدارة ومدراء عامّين في هيئات الدولة التي تدير الأصول الاقتصادية، وفي الشركات العاملة في قطاع الأعمال العام، حيث يتولّون مهام الإنتاج والتجارة، والخدمات، أو منح العقود في هذه المجالات، ويسيطرون على جزء كبير من الإطار السياساتي والتنظيمي الذي يسيّر عمل القطاعَين العام والخاص. وتشمل جمهورية الضباط أيضًا آلاف المتقاعدين العسكريين الإضافيين في مجمل دوائر الحكم المحلّي التي تشكّل في حدّ ذاتها هيكلية ضخمة تحدّد النشاط الاقتصادي بدرجة كبيرة على مستوى المحافظات.

أُصيب الرؤساء المصريون بدءًا بجمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي بالخيبة من ضعف استجابة القطاع الخاص للمناشدات التي أطلقوها لحثّه على زيادة استثماراته. واقع الحال أن حصة الاستثمارات الخاصة في الناتج المحلي الإجمالي تسجّل في عهد السيسي مستوى أقل مما كانت عليه في الحقبة الاشتراكية خلال حكم عبد الناصر في ستينيات القرن المنصرم. فإذا أراد الرئيس الآن أن يدفع القطاع الخاص إلى الاستجابة بصورة أفضل لمناشداته، عليه أن يعمل على جبهات عدة، من ضمنها التخلّص من الأنماط التي تستخدمها جمهورية الضباط لإعادة إنتاج نفسها، ثم تفكيك هذه الجمهورية برمّتها.

يتمثّل النمط الأول في تركّز المتقاعدين العسكريين ضمن مجموعة واسعة من المؤسسات العامة التي تحدّد الإطار الاقتصادي المحيط بعمل القطاع الخاص، والتي قد تضطلع أيضًا بأنشطة تجارية إما بالشراكة مع القطاع الخاص أو بالتنافس معه. وكثيرًا ما يكون الضباط في موقع يخوّلهم منح (أو حجب) العقود الحكومية لشراء السلع أو الخدمات، وقد يعاملون شركات معيّنة أو هيئات وشركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية معاملة تفضيلية بفضل الصلاحية الممنوحة لهم قانونًا باللجوء إلى المناقصات غير التنافسية (ضمن عتبات مالية معيّنة) ومنع الطعون من قبل الأطراف الثالثة. وتتّخذ سيطرة المتقاعدين العسكريين في قطاعات مثل الإسكان والمواصلات شكل إقطاعيات يعملون على الحفاظ عليها وتجديدها باستمرار. علاوةً على ذلك، يتناوب بعض كبار الضباط على مناصب بيروقراطية مختارة، ولا سيما في المؤسسات القطاعية المحورية مثل الهيئة العامة للتنمية الصناعية.

كشف المسح الذي أجريتُه في معرض إعداد تقرير "أولياء الجمهورية" أن متقاعدي القوات المسلحة كانوا يتولّون في العام 2018 مناصب الرئاسة أو نيابة الرئاسة أو العضوية في مجالس إدارة 56 في المئة من أصل 72 هيئة اقتصادية عامة مسؤولة عن الأصول الاقتصادية والموازنات التشغيلية، والأطر التنظيمية، وقرارات الاستثمار والتطوير، والتنفيذ في القطاعات الاقتصادية الأكثر أهمية، ومنها قناة السويس، والنفط، والتوريد والتجارة، والتأمين الاجتماعي والصحي، والمرافق العامة. واستحوذوا أيضًا على نسبة مشابهة من المناصب في ما يُسمّى بالهيئات الوطنية المكلّفة الإشراف على الاتصالات، وسكك الحديد، والتأمين، والمعاشات التقاعدية، والخدمات البريدية. وتولّوا أيضًا مناصب في المجالس والمراكز الوطنية التي تُعنى بالتخطيط أو إعداد السياسات العامة في مجال استخدام الأراضي، وفي الطاقة (بما فيها الطاقة النووية)، وفي الإشراف، والتنظيم، والتدقيق المحاسبي، وفي الإحصاءات. وتولّى متقاعدو القوات المسلحة أيضًا رئاسة مجالس الإدارة - أو شغلوا مقاعد العضوية فيها - في 128 من أصل 374 شركة تابعة للقطاع العام (35 في المئة) خلال العام نفسه.

بالانتقال إلى النمط الثاني، كثيرًا ما تدير الفروع المختلفة للقوات المسلحة إقطاعيات مدرّة للدخل خاصة بكلٍّ منها. ويتجلّى ذلك بصورة خاصة في البنى التحتية للنقل (البري والبحري والجوي) والخدمات المتصلة بها، وفي الإسكان والمجتمعات العمرانية، واستصلاح الأراضي، والمياه والصرف الصحي، والتعدين والمحاجر، والبترول، والسياحة، والاتصالات، والإعلام، والأوقاف الدينية (التي تملك مساحات عقارية شاسعة في مواقع مرغوبة). وهكذا، يفرض متقاعدو سلاح الجو سيطرتهم على شركات الطيران، وعلى أغلبية فروعها والمطارات الإقليمية وشركات الخدمات المتصلة بها؛ ويُحكم متقاعدو سلاح البحرية سيطرتهم على هيئة قناة السويس والأجهزة والشركات التابعة لها، وشركات الشحن والتخليص البحرية، وعلى معظم هيئات الموانئ المصرية البالغ عددها 43.

يتركّز متقاعدو القوات البرية والهيئات المتخصّصة، على غرار الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وإدارة المياه، في الهيئات والشركات العامة المرتبطة بالمؤسسة العسكرية في مجالات النقل البري، والبنية التحتية، والإسكان، والمياه والصرف الصحي، والبناء، والمقاولات. وينتقل متقاعدو سلاح الإشارة إلى العمل في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (كما يشغل رئيس السلاح مقعدًا في مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات Egypt Telecom )، ونظراؤهم من إدارة النوادي والفنادق وإدارة الشؤون المعنوية التابعتَين للقوات المسلحة إلى العمل في المرافق السياحية المملوكة للقطاع العام وفي الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) وغيرها من الشركات الإعلامية، على التوالي.

هذا، ويمثّل الحكم المحلّي أحد أهم معاقل جمهورية الضباط. وهو يتفرّع إلى مجالس مُنتخبة لا تتمتع بأي دور أو صلاحية تنفيذية (بما في ذلك وضع الميزانيات أو إنفاقها)، وإلى هيكلية تنفيذية تمسك زمام السلطة الحقيقية وتضمّ في جميع مستوياتها عسكريين متقاعدين يتمّ تعيينهم بالكامل. فبدءًا من أعلى الهرم التنفيذي، يعيّن رئيس الجمهورية المحافظين الذين يرأسون محافظات مصر الـ27 ويتبعون له، وتنقسم المحافظات بدورها إلى 166 "مركزاً" (أو مجموعة مدن) و200 منطقة حضرية، والمئات من الأحياء المدينية وما لا يقل عن 920 مجلسًا قرويًا. إذًا، يُعتبر الحكم المحلّي بالدرجة الأولى وسيلةً لتأكيد السيطرة الرئاسية والأمنية.

هذا هو تحديدًا السبب وراء تعيين المتقاعدين العسكريين في منصب المحافظ منذ عهد عبد الناصر، لكنهم تمكّنوا على مرّ العقود من الانخراط في جميع مستويات الحكم المحلّي. حتى إن مراجعة المناصب في جهاز الحكم المحلّي تؤكّد كثافة الحضور العسكري: فنسبة كبيرة من نواب ومساعدي المحافظين والمسؤولين الأدنى رتبةً في كل مستويات الهرمية الإدارية، ومديري مكاتبهم، هم ضباط كبار متقاعدين. وكذلك الأمر بالنسبة إلى رؤساء الدوائر المرتبطة بالتخطيط، والعقارات، والمالية، والمشاريع، والخدمات الاجتماعية، فضلًا عن فروع المرافق العامة في المحافظات. ويتولّى بعضهم منصب أمين عام المجالس المحلية على مستويَي المحافظة والمدينة، فيما يترأس آخرون إدارات في وزارة التنمية المحلية والهيئات المركزية كهيئة التنمية الريفية وهيئة تنمية سيناء. ويبلغ المجموع الكلّي للمناصب التي يشغلها ضباط سابقون من القوات المسلحة في هيكلية الحكم المحلّي على مستوى البلاد نحو 2000 منصب كحدٍّ أدنى، بحسب التقدير الأولي الوارد في دراسة وضعتُها في العام 2012 بعنوان "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر".

باختصار، يؤثّر المتقاعدون العسكريون أينما كانوا على أداء الهيئات والمؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة، وأيضًا على الإطار السياساتي والتنظيمي الذي يحكم عمل القطاع الخاص. لذا، فإن ما يُروَّج له كثيرًا عن تفوُّق الضباط العسكريين في مجال الإدارة لا يمكن أن يُستخدم بشكل مقنع للإشارة إلى أن نظراءهم المدنيين في بيروقراطية الدولة مسؤولون حصرًا عن الأداء السيئ الذي انتقده السيسي. بل على العكس، يعمد هؤلاء العسكريون، نظرًا إلى قبضتهم البيروقراطية واحتفاظهم بمصالح شخصية وجماعية، إلى استنساخ الممارسات الريعية التي تقوّض أداء الدولة المصرية عمومًا، عبر زيادة التكاليف وتقليل الفعالية.

ولمعالجة هذا الوضع، على إدارة السيسي إجراء إصلاحات إدارية تعزّز التنافسية والشفافية في عملية التوظيف، بغية وقف تعيين المتقاعدين العسكريين تلقائيًا في المناصب العليا وإنهاء الإقطاعيات العسكرية في هيئات الدولة والشركات التابعة لها. ويمكن أن يترافق ذلك مع فرض قيود حكومية على عملية إعادة توظيف متقاعدي القوات المسلحة (وغيرها) في مناصب "استشارية" – الأمر الذي يشكّل تجسيدًا واضحًا للمحسوبية – فضلًا عن وضع حدٍّ لإمكانية تمديد الخدمة العسكرية بصورة نمطية بعد سنّ التقاعد، إذ إن هذه الممارسة تسمح للمتقاعدين بإشغال وظائف مدنية والحصول في الوقت نفسه على مستحقات عسكرية وحصانة قانونية دائمة في وجه القوانين والمحاكم المدنية.

علاوةً على ذلك، ينبغي توفير التدريب المعزّز للإداريين المدنيين، ما يخوّلهم تولّي المناصب القيادية، ووضع آليات أفضل لتقديم الشكاوى واتّخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها وحماية المبلّغين عن المخالفات. في غضون ذلك، من شأن وفاء الحكومة المصرية بالتزامها تجاه صندوق النقد الدولي بإصدار قانون موحّد للمشتريات أن يحدّ من ممارسات سوء استخدام السلطة عبر منح العقود بشكل غير تنافسي (أي "بالأمر المباشر")، وما يخفّف بالتالي من وطأة المحسوبية والفساد المُستشريَين. أخيرًا وليس آخرًا، ينبغي تبديد مخاوف القوات المسلحة بشأن الرواتب، ولا سيما المعاشات التقاعدية، من أجل إزالة الدافع الأساسي الذي يدفع المتقاعدين العسكريين للانضمام إلى جمهورية الضباط. ويمكن إنجاز ذلك جزئيًا من خلال اللجوء إلى الصناديق "الخاصة" بالمؤسسة العسكرية، ولكن الأهم من أجل تلبية هذه الحاجة هو إجراء مراجعة شاملة لميزانية قطاع الدفاع الحكومي واحتياجاته.

* هذا المقال هو الثالث في سلسلة من مقالات ليزيد صايغ نُشرت تباعًا، مرتبطة بدراسة أعدّها وتحمل عنوان "الاحتفاظ بالقدرة أم إعادة الهيكلة أم التجريد؟ خيارات سياساتية للاقتصاد العسكري المصري".