في ظل تنامي النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط على مرأى من الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل، ظهر افتراض مفاده أن حدثًا ضخمًا سيطرأ ويحلّ "المشكلة الإيرانية"، مثل شنّ عملية عسكرية موجِعة على إيران أو فرض عقوبات قاسية من شأنها أن تؤدي إما إلى سقوط النظام الإيراني، أو إلى عقد مفاوضات حاسمة. واقع الحال أن مقاربة "الحل السحري" هذه الرامية إلى بلوغ حلٍّ سهل وسريع لمشكلة معقّدة، قد استبدَلت في الكثير من الأحيان المسارات السياسية في التعامل مع النفوذ الإقليمي الإيراني.

وخير دليل على ذلك النقاش الدائر راهنًا في الولايات المتحدة حول إعادة إحياء الاتفاق النووي. فالأفرقاء الذين يدعمون العودة إلى كنف الاتفاق يرَوْن أنه سيشكّل فاتحةً لحقبة جديدة من الاستقرار في المنطقة، لأنه سيمنع حدوث سباق على التسلّح. لكن هؤلاء الأشخاص أنفسهم لم يهتمّوا في الغالب بتداعيات الاتفاق بالنسبة إلى حلفاء إيران. فمن خلال السماح للاقتصاد الإيراني بأن يتعافى ويدرّ مليارات الدولارات، ستصبح طهران قادرة على تمويل مجموعة من الميليشيات الموالية لها في مختلف أرجاء المنطقة، الأمر الذي تعتبره دول عربية كثيرة مصدر تهديد.

لكن الأشخاص المناوئين للاتفاق ليسوا أفضل. فهم لم يتوانوا عن التصفيق لدونالد ترامب بعد انسحابه من الاتفاق النووي، فيما التزموا الصمت حين استغلّت إيران ذلك لزيادة عمليات تخصيب اليورانيوم. بل جُلّ ما يقترحونه هو شنّ عملية عسكرية مدمّرة إما أميركية أو إسرائيلية ضد إيران، أو فرض عقوبات شديدة عليها لمنعها من بناء ترسانتها النووية. لكن المشكلة أن ما من إدارة أميركية ستُقدِم على شنّ حرب جديدة في الشرق الأوسط، ومن المستبعد أن تقوم إسرائيل بذلك من دون الحصول على دعم أميركي.

أما بالنسبة إلى العقوبات، فقد واصلت إيران تصدير النفط على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها إدارة ترامب لمنع ذلك بدءًا من تشرين الثاني/نوفمبر 2018، علمًا بأن كمية الصادرات ارتفعت بعد صيف العام 2020. كذلك، وكما ذكر أسفنديار باتمانغليدج في مقال نُشر في مجلة فورين بوليسي في تشرين الأول/أكتوبر 2018، لم تسفر العقوبات إلا إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري الإسلامي. والرغبة الخيالية التي يريدها مناوئو الاتفاق النووي هي تغيير النظام في طهران، لكنهم عاجزون عن تفسير كيف يمكن تحقيق ذلك طالما أن حرس القيادة الدينية هو المستفيد من العقوبات.

تجسّد مواقف الطرفين إذًا مقاربة "الحل السحري"، إذ يُبدي كلٌّ منهما قدرة مذهلة على تجاهل التفاصيل التي تقوّض حججهما. ويبدو أن اعتماد استراتيجية صبورة أكثر قوامها الاستفادة من الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة في المنطقة من أجل كبح النفوذ الإيراني يحظى بقدر أقل من الاهتمام. يُشار إلى أن هكذا استراتيجية لن تُحدث تغييرًا جذريًا، ولن تستند إلى افتراض غير واقعي بأن إيران مصيرها الزوال. بل إن العمل على تعزيز انخراط الدول العربية في المناطق التي تهيمن عليها إيران سيؤدي على الأرجح إلى ظهور أنظمة تكون أكثر فعالية ومرونة في تقييد نفوذ طهران.

ويُعتبر لبنان خير مثال على أوجه الضعف، إنما أيضًا على الإمكانيات، التي تنطوي عليها هذه المقاربة. فيبدو أن دولًا خليجية عدّة، وفي مقدّمتها السعودية، قرّرت اعتبار لبنان أرضًا تحتلّها إيران، ولا فائدة من إضاعة الوقت والانشغال بالشؤون اللبنانية. لكن، لنتخيّل لو أن النظام الإيراني تبنّى موقفًا مماثلًا وسحب يده من لبنان في مطلع الثمانينيات، حين كانت الحكومة اللبنانية موالية للأميركيين، وكانت القوات العسكرية الغربية منتشرة في العاصمة بيروت ومحيطها. لكن إيران لم تُقدِم على خطوة مماثلة، وبات يمكن اعتبار حزب الله اليوم على الأرجح أكبر قوة عسكرية في البلاد.

على صعيد آخر، إن التقاعس ليس استراتيجية يُعتد بها. ففي وقتٍ تسعى فيه الطائفة السنيّة، التي هي ربما أكبر الطوائف اللبنانية، إلى الحصول على دعم إقليمي، من غير المنطقي التخلّي عن هذه الورقة المهمّة. ليست البلاد أسوأ حالًا بعد انسحاب سعد الحريري من الساحة السياسية، لكن ما المزايا السياسية التي كسبها السعوديون من استبعاده وعدم ملء الفراغ على مستوى زعامة الطائفة السنيّة؟ فلنتذكّر أن اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 كان يهدف جزئيًا إلى إحداث مثل هذا الفراغ، وأن السعوديين هم الذين سارعوا إلى تنصيب نجله سعد زعيمًا جديدًا لتجنّب سيناريو الفراغ.

حاولت دول عربية أخرى من جهتها اعتماد أسلوب مختلف في التعامل مع لبنان. فخلال العام الماضي حين كانت البلاد تواجه أزمة كهرباء حادة، عمدت مصر والأردن إلى الدفع من أجل خطة ترمي إلى تزويد لبنان بالغاز الطبيعي لتشغيل محطة دير عمار بالقرب من طرابلس، واعتبرتا أن على الدول العربية مدّ يد العون للبنان وقت الحاجة كي لا تستغل إيران الوضع لتوسيع نفوذها في البلاد. لكن ولسخرية القدر، كانت مصر والأردن أكثر اهتمامًا باستخدام صفقة الغاز لإعادة سورية من جديد إلى كنف الدول العربية، على أمل أن يؤدي نفوذهما في دمشق إلى تضييق هامش المناورة الإيراني.

وفي العام 2020، تبنّى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منطقًا مماثلًا في أعقاب انفجار مرفأ بيروت. صحيحٌ أنه لم ينجح في أن يصبح عرّاب اتفاق لبناني-لبناني يضمن تشكيل حكومة جديدة تباشر إجراء الإصلاحات، لكنه نجح على جبهة أخرى، إذ باتت فرنسا الآن الراعي الأساسي للبنان في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أنها ربما مهمة شاقة وجاحدة، يبقى أنها قد تعود بفوائد عدّة. فالفرنسيون راهنًا هم المحاورون الفعليون في الملف الاقتصادي اللبناني، ما يمثّل ثقلًا لا يُستهان به في زمن الانهيار الاقتصادي. علاوةً على ذلك، لقد تمكّنوا من الفوز بمشاريع كبرى، إذ فازت مؤخرًا شركة CMA-CGM الفرنسية بعقد إدارة وتشغيل وصيانة محطة الحاويات في مرفأ بيروت.

قد لا يبدو ذلك إنجازًا مهمًا، وقد تبقى فوائده محدودة في حدّ ذاتها، لكن خوض غمار السياسة يبدأ بالمشاركة في اللعبة، ووحدها الدول التي تخلق مساحات عمل في لبنان هي التي ستكون قادرة على بناء قواعد لها فيه. فعلى سبيل المثال، إذا تمكّنت الدول العربية من الاضطلاع بدور أكبر في الشارع السنّي، قد تصبح قريبًا في وضع يخوّلها تسمية حلفاء محليين لها في الحكومة والبرلمان، ما يسمح لها بتعزيز دورها السياسي. وعندما يُدرك القادة الإيرانيون أن لبنان لا يخضع لهيمنتهم الحصرية، سيضطرّون حينئذٍ إلى تقديم تنازلات.

قد ينفر اللبنانيون المتمسّكون بسيادة لبنان من هذا الاقتراح. لكن مقاربتهم هذه تجعل من المثالية عدوًّا لما هو جيد. فلبنان أبعد ما يكون عن السيادة، إذ لطالما لجأ حكّامه إلى القوى الأجنبية لتحقيق مكاسب لهم على الساحة المحلية. إن دعاة السيادة الراغبين في بناء دولة مثالية يرفضون رؤية أن النظام الطائفي قيّد إمكانية حزب الله على التأثير في الطوائف الأخرى. ثمة إذًا هامشٌ يمكن فيه الاستفادة من محدودية قدرات حزب الله وفرض نوعٍ من التعددية على مستوى النفوذ الإقليمي.