أدّى النزاع في أوكرانيا إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والقمح حول العالم، ما يفاقم الوضع الاقتصادي المتدهور في تونس. فإضافةً إلى التأخر في دفع رواتب موظّفي القطاع العمومي، تواجه البلاد نقصًا في سلع كثيرة مثل القمح والأدوية والسكر والزيت النباتي، نتيجة أزمة المالية العمومية التي باتت تصعب إدارتها على نحو مطّرد. وقد يشعل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وموارد الطاقة جذوة السخط الاجتماعي ويزعزع بشكل أكبر استقرار تونس التي تشهد حالة من اللايقين السياسي منذ شهر تموز/يوليو الماضي، حين استولى الرئيس قيس سعيّد على كامل السلطة في البلاد، وأقال الحكومة، وجمّد عمل البرلمان، وعلّق الدستور.

أتت التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأوكرانية لتُضاف إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الناجم عن تعطّل سلاسل الإمداد والتوريد بسبب القيود المتعلّقة بكوفيد-19. فبين نيسان/أبريل وكانون الأول/ديسمبر 2021، ارتفع سعر القمح بنسبة 80 في المئة، فبات الوضع غير محمول بالنسبة إلى الكثير من التونسيين. وتجاوز سعر مكيال القمح 12 دولارًا في بداية هذا الشهر، وهو مستوى لم يسجّله منذ شهر آذار/مارس 2008، ما يمثّل زيادة قدرها 44 في المئة منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. وما يزيد الأمور سوءًا أن هذه الحرب تهدّد أيضًا إمدادات القمح في تونس، نظرًا إلى أنها تستورد 50 في المئة من قمحها من روسيا وأوكرانيا. وقد حاولت وزيرة التجارة طمأنة المواطنين مُصرّحةً بأن مخزون تونس من الحبوب يكفي حتى شهر حزيران/يونيو.

في غضون ذلك، ارتفع أيضًا سعر النفط الخام بنسبة 40 في المئة إضافية، ما فاقم بدوره عجز الميزانية التونسية. فعندما أعدّت السلطات المعنية ميزانية العام 2022، توقّعت أن سعر برميل النفط سيكلّف 75 دولارًا، لكن في الواقع بلغ سعر برميل خام برنت نحو 130 دولارًا في 9 آذار/مارس، أي ضعف السعر الذي كان يبلغه في الفترة نفسها قبل عام واحد.

وتُعزى هشاشة الوضع الغذائي في تونس إلى عجز القطاع الزراعي عن إنتاج كمية كافية من القمح. فالإنتاج المحلي بالكاد يكفي نصف الطلب المحلي في البلاد، لذا تعتمد تونس على كميات كبيرة من الواردات المدعومة لضمان حصول المواطنين على كميات كافية من الخبز، بسعر مقبول. وقبل غزو أوكرانيا، قُدِّرت ميزانية الدعم بنحو 15.4 في المئة من إجمالي الإنفاق للعام 2022. لكن، مع ارتفاع الأسعار، قد تصبح الأزمة الغذائية أشد وطأةً، نظرًا إلى أن تونس كانت تتأخر في سداد مستحقات وارداتها الغذائية.

ومن الممكن أن ينفجر الوضع في أية لحظة. فالمخابز بدأت بتقنين توزيع الخبز الذي سبق أن ارتفع سعره بنسبة 25 في المئة خلال الشهرين الماضيين في المخابز غير المستفيدة من الدعم. واقع الحال أن لسعر الخبز المدعوم تأثيرات سياسية، لذا ترفض الحكومة حتى الآن تغييره. مع ذلك، أعلنت السلطات، في إطار مساعيها لخفض فاتورة الدعم، أنها ستطبّق آلية تعديل أسعار موارد الطاقة، لترفع أسعار الوقود بنسبة 3 في المئة شهريًا بدءًا من آذار/مارس.

ولن تقف مشاكل تونس عند هذا الحدّ. فمع بداية العام، توقّعت التقديرات بلوغ معدل التضخم 6.8 في المئة في العام 2022. لكن لا شكّ أن النزاع الأوكراني سيرفعه إلى نحو 8 في المئة تقريبًا، وفق تحليلات بعض خبراء الاقتصاد. أضف إلى ذلك أن انخفاض قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار الأميركي يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد، ناهيك عن أن الحاجة إلى العملة الصعبة بات ملحًا في وقت لا تستطيع تونس الدخول إلى الأسواق المالية العالمية، وهي تتفاوض مع صندوق النقد الدولي لوضع برنامج جديد.

إلى جانب التداعيات التي طالت أسعار الخبز وموارد الطاقة، ستلقي حالة الاضطراب والفوضى الناجمة عن الحرب الأوكرانية بظلالها على الأجندة السياسية للحكومة والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن قرض جديد. وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة على تعليق الاتفاقات الرامية إلى رفع أجور القطاع العام، وتشدّ أحزمة الإنفاق الأساسي على الصحة والتعليم والاستثمار العام من أجل الحفاظ على الموارد المالية الشحيحة لخدمة الدين واستيراد المواد الغذائية وموارد الطاقة.

علاوةً على ذلك، تعتزم تونس اقتراض 20 مليار دينار (أي 7 مليارات دولار أميركي تقريبًا) في العام 2022. ومن أجل الوفاء بالتزاماتها المالية، على الحكومة توفير 12.6 مليار دينار (4.2 مليارات دولار) من الأسواق العالمية، وفق ما ورد في ميزانية العام 2022. لكن قدرتها على ضمان تمويل الميزانية يعتمد على نجاحها في التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهذا الأمر ليس محسومًا. فبعد مضي أشهر على النقاشات، التي توقفت ثم استؤنفت بعد بضعة أشهر من استيلاء سعيّد على السلطة، لا تزال احتمالات إبرام اتفاق غير مؤكدة. وقد لفت ممثل صندوق النقد الدولي في تونس جيروم فاشيه، في المقابلة الأخيرة التي أُجريت معه قبل مغادرته تونس، إلى أن البلاد "بحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة، ومشاركتها مع الرأي العام". وفي وثيقة تمّ إرسالها إلى صندوق النقد الدولي في أواخر العام 2021، التزمت الحكومة بتجميد أجور القطاع العام ورفع الدعم تدريجيًا. لكن هذه التدابير لطالما قوبِلت بالرفض من الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي من المرجّح أن تزداد معارضته زخمًا، نظرًا إلى رفض سعيّد النظر في اقتراحه بتنظيم حوار وطني حول الأزمة السياسية والاجتماعية.

ويبدو أن سعيّد عالق بين المطرقة والسندان منذ تسلّمه السلطة قبل سبعة أشهر. فوضع المالية العامة الضعيف في تونس يحول دون حصوله على الموارد اللازمة للحفاظ على قاعدة الدعم التي أيّدت خطوته في البداية. علاوةً على ذلك، سيتطلّب إبرام اتفاق مع صندوق النقد تدابير لا تحظى بتأييد شعبي وتشمل تجميد الأجور ورفع أسعار المواد الغذائية وموارد الطاقة بشكل إضافي. مع ذلك، إن نجاح خطة سعيّد الرامية إلى تغيير الدستور واستبدال النظام السياسي الحالي بنظام رئاسي يجرّد البرلمان من جزء كبير منصلاحياته، رهنٌ بقدرته على كسب دعم شريحة كبيرة من السكان.

من المؤكد أن رفع أسعار المواد الغذائية لن يساعد في هذا المسعى. وفي الوقت نفسه، لن يكون الامتناع عن رفع الأسعار مستدامًا نظرًا إلى وضع الميزانية. ويركّز سعيّد راهنًا على إلقاء اللوم على المضاربين والتجار الجشعين، متجاهلًا الواقع المرير الذي تعيشه البلاد، فيما يدرك التونسيون تمام الإدراك أن مثل هذا النهج لن يحل أيًا من مشاكل البلاد. وقد أظهر استطلاع للرأي نُشر في كانون الثاني/يناير أن أكثر من 60 في المئة من التونسيين متشائمون حيال مستقبل بلادهم.