لا يزال من المبكر لأوانه التنبؤ عند أي حدٍّ سيتوقف الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن من المهم النظر في الدور الذي ستؤدّيه روسيا في الدول الواقعة إلى جنوبها.

تواجه روسيا راهنًا ردود فعل غير مسبوقة من الدول الغربية على خلفية غزوها لأوكرانيا والخسائر البشرية والمادية الهائلة الناجمة عنه. وتشمل ردود الفعل هذه إرسال مساعدات مالية وعسكرية وإنسانية إلى أوكرانيا، واتخاذ إجراءات رامية إلى تنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الغاز الروسي، واستبعاد عدد من المصارف الروسية من النظام المالي العالمي، وتعطيل معظم حركة النقل الجوي والبحري من روسيا وإليها، وقرار الشركات الكبرى وقف أنشطتها في روسيا أو معها، وتعزيز آليات وسياسات حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي. لكن هذه التدابير لن تؤدي إلى حلٍّ سريع للقضايا الشائكة المرتبطة بأوكرانيا.

لنفكر في سيناريو تبقى فيه وضعية روسيا الحالية كما هي على المدى الطويل – أي تبقى فيه هيكلية حكمها السلطوي في حالة من نزاع دائم مع الدول الغربية والناتو، ومن دون أن تشكّل جزءًا من اتفاقات بين الشرق والغرب. وقد تكون نتائج هذا السيناريو مهمة، إذ سيتعين على العالم الغربي إعادة النظر في الكثير من سياساته، وسينبغي على الدول الواقعة جنوب روسيا أن تأخذ في الاعتبار التغييرات وعمليات إعادة الاصطفاف الناجمة عن غزو أوكرانيا. قد يؤدي ذلك إلى خمس نتائج، نوردها في ما يلي.

أولًا، سيبقى "النموذج" الروسي على الأرجح جذّابًا لعددٍ من القادة في دول الشرق الأوسط، ولا سيما في سورية ودول أفريقية واقعة جنوب الصحراء الكبرى، بما فيها جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي، وأيضًا تركيا إلى حدٍّ ما. تُضاف إلى ذلك طبعًا المصالح الجيو-استراتيجية للاعبين بارزين مثل الصين ودول الخليج الكبرى والهند، التي تقتضي استيعاب المواقف الروسية، كي لا نقل تأييدها. وقد تظلّ روسيا التي تجسّد مواقف مناهضة للغرب ركيزة سياسية أو شريكًا صعبًا لكن قيّمًا. فالكثير من الأنظمة تلجأ، للحفاظ على بقائها في السلطة، إلى تكميم أصوات خصومها السياسيين، والتضييق على وسائل الإعلام وناشطي المجتمع المدني، والسيطرة على الجهاز القضائي، وشنّ حروب معلومات استنادًا إلى سرديات خاطئة. وهذا هو النموذج الروسي.

ثانيًا، أدّى الغزو الروسي المتهوّر لأكرانيا إلى تعزيز وحدة الاتحاد الأوروبي بشكل كبير. ففي غضون أسبوعين، قرّر الاتحاد الأوروبي اعتماد سياسة لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن روسيا، وأخرى بشأن مبيعات الأسلحة. والأهم أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن ضمنها الحكومات الأقرب إلى موسكو، بقيت موحّدة في استجابتها للغزو الروسي. وحسمت ألمانيا، في خلال أيام ليس إلا، جدلًا داخليًا مستمرًا لعقود بشأن زيادة التمويل العسكري. كذلك، تراجع النفوذ السياسي الذي تمارسه روسيا على أحزاب سياسية أوروبية بشكل هائل.

ستُعيد هذه التطورات رسم معالم العلاقات القائمة في مناطق الشرق الأوسط والمتوسط وغرب البلقان وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وستؤثّر على العمليات التي تنفذّها أوروبا لمكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى شبكة اتفاقياتها المستندة على القيم، وربما حتى على توسيع الاتحاد الأوروبي في المستقبل. وقد يعمد الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى تعزيز تعاونهما العسكري، من خلال التدريبات المشتركة أو حقوق إنشاء القواعد العسكرية أو التعاون في مجال مكافحة الإرهاب أو إنتاج المعدات العسكرية بشكل مشترك.

ثالثًا، من المتوقّع أن تزداد حدّة المشاحنات بين روسيا والغرب في الأمم المتحدة، وأن تضطر الدول غير الغربية على الانحياز لأحد الطرفين. وستزداد خطورة بعض المسائل وستتفاقم حروب المعلومات. يُشار إلى أن الحوار بين الناتو وروسيا قد توقف، وانسحبت موسكو من اجتماعات مجلس أوروبا. فهل ستبقى روسيا متمسّكة بسرديتها عن تقهقر أوروبا وإفلاسها الأخلاقي بعد أن تصبح ويلات الغزو الروسي لأوكرانيا موثّقة بالكامل؟

رابعًا، ستعاني دول الشرق الأوسط والمتوسط وأفريقيا تداعيات كبرى، إذ إن تكاليف وارداتها من الحبوب سترتفع. وستشمل المفاوضات في الأمم المتحدة حول إرساء السلام في سورية أو ليبيا مثلًا منافسةً أكثر ضراوةً للحصول على دعم دول ثالثة. ومن المرجح أن تعمد موسكو إلى تعزيز مصالحها من خلال نشر الشركات العسكرية الخاصة والمبيعات العسكرية وحقوق إنشاء قواعد جوية وبحرية لها.

خامسًا، ستواجه تركيا مشاكلها الخاصة فيما تبذل جهودًا حثيثة لإصلاح علاقاتها الدبلوماسية، وتُجري لهذه الغاية محادثات رفيعة المستوى مع الإمارات والسعودية وأرمينيا وإسرائيل واليونان. وستحاول أنقرة في المدى القصير المحافظة قدر المستطاع على نوع من التوازن في علاقتها مع كلٍّ من روسيا وأوكرانيا، وتعزيز دورها كـ"وسيط" محتمل (ويقتصر الأمر على دور تيسيري حتى الآن).

لكن لا شكّ أن الحفاظ على علاقات ودية مع موسكو سيطرح إشكالية، نظرًا إلى العنف المتعمَّد الممارَس بحق المدنيين والبنى التحتية المدنية في أوكرانيا. وفي سيناريو مُفترَض تُمحى فيه أوكرانيا من الخريطة، ستجد تركيا نفسها أمام روسيا جديدة تفرض هيمنتها الكاملة على الشاطئ الشمالي للبحر الأسود، وتعزّز قاعدتها البحرية في مدينة سيفاستوبول، وتسيطر على ثلث صادرات الحبوب العالمية، وتمارس سطوتها أكثر من أي وقت مضى من خلال مواردها من النفط والغاز.

أما على الصعيد الدفاعي، فستبقى منظومة الدفاع الصاروخية من طراز إس-400 التي تسلّمتها تركيا في العام 2019 معتمدةً بشكل كامل على روسيا لتوفير التدريبات الضرورية لاستخدامها وصيانتها وإعادة تزويدها بالصواريخ، إذا لم يحدث تغيير جذري في مسار الأحداث. وستشكّل هذه المسألة عائقًا أساسيًا في إطار المواجهة الدائمة بين روسيا والناتو خلال السنوات المقبلة. وسيطرح تحديث القوات الجوية التركية أيضًا تحديًا، إذ سيتعيّن على أنقرة إيجاد بديل إثر استبعادها من برنامج المقاتلات الخفية الأميركية من طراز إف-35.

وعلى نحو مماثل، قد تلجأ موسكو إلى تعديل اتفاقية مونترو للعام 1936 التي تنظّم حركة الملاحة البحرية عبر مضيقَي الدردنيل والبوسفور. وقد تواجه تركيا صعوبات متزايدة في التعاطي مع روسيا حول الملف السوري، ما لم توافق صراحةً على التعامل مع نظام الأسد.

عمومًا، وفي مواجهة سيناريو تواصل فيه موسكو مواقفها العدائية، سيقف عدد من الدول الواقعة إلى جنوب روسيا أمام خيارات صعبة في مجالات كثيرة تتراوح بين الأمن الغذائي، والتجارة، وإمدادات الطاقة، ومشتريات الأسلحة، والتحالفات العسكرية. وقد تُرغم هذه الدول في نهاية المطاف على الاختيار بين إما الاصطفاف السياسي مع روسيا (أي في صف السلطوية) أو الحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب (أي في صف الديمقراطية).