نويل بريهوني كاتب ورئيس الجمعية البريطانية اليمنية والجمعية الإنكليزية الأردنية. وفي العام 2011، وضع بريهوني كتابًا عن جنوب اليمن بعنوان Yemen Divided: The Story of a Failed State in South Arabia (اليمن مقسّمًا: قصة دولة مُخفِقة في جنوب الجزيرة العربية) (منشورات آي. بي. توريس). وبعد نيله شهادة الدكتوراه حول الشؤون الليبية، أمضى سنتين في إجراء بحوث ما بعد الدكتوراه في الضفة الغربية قبل الانضمام إلى وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، حيث ركّز عمله بشكل أساسي على شؤون الشرق الأوسط، وتم تعيينه في مناصب عدة في الكويت واليمن والأردن ومصر. أجرت "ديوان" مقابلة معه في منتصف آذار/مارس للتحدّث عن كتابه حول جنوب اليمن على ضوء عودة زخم الحراك الانفصالي الجنوبي في خضم النزاع الدائر في البلاد.

مايكل يونغ: صدر كتابك حول جنوب اليمن في العام 2011 قبل نشوب النزاع اليمني. كيف أثّرت الحرب التي اندلعت في آذار/مارس 2015 على ما عبّرتَ عنه في كتابك حول الوضع في الجنوب؟

نويل بريهوني: لم تؤثّر الأحداث الجارية منذ العام 2011 بشكل كبير على وجهة النظر التي ناقشتُها في الكتاب، علمًا أنني تساءلت في الفصل الأخير من الكتاب عن احتمال عودة دولة جنوب اليمن السابقة، وأشرت إلى غياب تنظيم جنوبي فعّال أو غالبية مؤيدة لإعادة تقسيم اليمن. نظرتُ إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أي جنوب اليمن سابقًا، على أنها نظام مُخفق عوضًا عن دولة مُخفِقة. وتغيّرت الكثير من الأمور الآن نتيجة سقوط نظام علي عبد الله صالح في الشمال، وطبيعة العملية الانتقالية بين العامَين 2012 و2014، وتنامي نفوذ حركة أنصار الله (الحوثيين)، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في آذار/مارس 2015 والانخراط القوي للإمارات العربية المتحدة في الجنوب.

إن توغّل الحوثيين في عدن والجنوب في مطلع العام 2015 أعاد إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية في العام 1994، التي أجهزت على ما تبقى من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فضلًا عن المحاولات السابقة التي بذلتها الأنظمة في الشمال من أجل التوسّع جنوبًا. وحين تدخّلت الإمارات في صيف العام 2015، ركّزت دعمها على الميليشيات المحلية التي تحارب الحوثيين، غالبًا بقيادة القوميين الجنوبيين. وقد درّب ضباط إماراتيون هذه الميليشيات وزوّدوها بالعتاد وقدّموا لها المشورة. وأكثرها فعاليةً كانت تلك الخاضعة لقيادة عيدروس الزبيدي، وهو ضابط سابق في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يتحدّر من الضالع (في لحج، إذ كانت الضالع جزءًا من لحج خلال حكم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وتضم محافظة الضالع حاليًا مناطق كانت في لحج في ظل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ومناطق شكّلت جزءًا من الجمهورية العربية اليمنية أو شمال اليمن سابقًا). وقد عيّن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الزبيدي محافظ عدن في العام 2016، ثم أقاله من منصبه بسبب عصيان الأوامر في العام 2017. وأنشأ الزبيدي المجلس الانتقالي الجنوبي الذي حظي بدعم صريح من الإمارات.

وفي وقتٍ لاحق، أصبحت الميليشيات في عدن ومحيطها، والتي درّبتها الإمارات، تشكّل بحكم الأمر الواقع الجناح العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدعو إلى عودة دولة جنوب اليمن. ثمة الآن تنظيم جنوبي فعّال وأعتقد أن في الجنوب غالبية ترغب في الانفصال عن الشمال، إما في إطار دولة أو كونفدرالية. لكن تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يظهر أن وجود أكثر من دولة واحدة في اليمن قد يؤدي إلى تأجيج جذوة الخصومة، والتنافس على الموارد، وزعزعة الاستقرار. ويبدي الحوثيون مؤشرات واضحة على رغبتهم في دولة يمنية موحّدة. ويُشار إلى أن الشمال يضم نسبة 80 في المئة من اليمنيين، فيما تقع معظم احتياطيات النفط والغاز في الجنوب.

يونغ: تناقش في كتابك الحراك الجنوبي الذي انطلق في جنوب اليمن في العام 2007 سعيًا إلى الانفصال عن جمهورية اليمن. إلامَ سيؤدي هذا المسار برأيك؟

بريهوني: قد يدّعي المجلس الانتقالي الجنوبي أنه الحراك، لكن هذا الأمر متنازع عليه. ثمة مجموعات أخرى أصغر قد تكون مهمة محليًا في مناطق من الجنوب. وفي هذا الإطار، صدر عن مركز كارنيغي تحليل جيّد جدًّا لمختلف المجموعات الجنوبية بقلم أحمد ناجي. واقع الحال أن التحدي الأبرز يتأتى عن حكومة هادي التي تحظى باعتراف دولي. فالرئيس يتحدّر من محافظة أبين الجنوبية حيث يحظى بدعم قوي، إضافةً إلى دعم حزب الإصلاح، الذي يضم عناصر من الإخوان المسلمين ويحظى بدعم من المملكة العربية السعودية نظرًا إلى أهميته في محاربة الحوثيين. وأحكم المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على عدن في العام 2019 بعد مواجهات مع حكومة هادي، لكنه بضغط من السعودية وقّع على اتفاق الرياض الذي قضى بتقاسم السلطة مع هادي. ولدى المجلس وزراء في حكومة يرأسها شخص عيّنه هادي. والقوات العسكرية اليمنية في حضرموت وشبوة موالية لهادي، لكن المجلس الانتقالي الجنوبي عمل على تعزيز نفوذه في المحافظتَين. ويشكّل الانقسام القائم بين أنصار هادي في الجنوب ومعظمهم في أبين، وبين المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتمتع بالنفوذ الأكبر في الضالع وعدن ولحج، خير تعبير عن الانقسامات التي أدّت إلى أحداث العام 1986 التي كانت أشبه بحرب أهلية.

يونغ: تصف في كتابك القيادة المتشرذمة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي لا تزال تُعتبر المجهود الوحيد لإنشاء دولة ماركسية في العالم العربي. ما هي برأيك أبرز خطوط الصدع بين هؤلاء القادة؟ وهل تُعزى هذه الانقسامات إلى اعتبارات قبلية أم مناطقية أم إيديولوجية؟

بريهوني: كانت أبعاد هذه الانقسامات قبلية ومناطقية وإيديولوجية في آن، لكنها تفاقمت بشكل كبير نتيجة الطموحات الشخصية للـ"قادة التاريخيين" في الجبهة القومية للتحرير التي قاومت البريطانيين. وكان أبرزهم سالم ربيع علي المعروف باسم سالمين، المتحدّر من أبين والذي تولّى رئاسة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بين العامَين 1970 و1978؛ وعبد الفتاح إسماعيل، أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في جنوب اليمن من العام 1969 ولغاية العام 1980؛ وعلي عنتر البيشي، وزير الدفاع ونائب رئيس جنوب اليمن المتحدّر من الضالع؛ وعلي ناصر محمد المتحدّر من أبين، الذي تولّى منصب رئيس الوزراء من العام 1970 إلى العام 1985؛ وعلي سالم البيض الذي كان أيضًا الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني والقائد الفعلي بين العامَين 1986 و1990.

ركّزت سياسات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على عدن والضالع ولحج وأبين، التي كانت في قلب معارك الجبهة القومية للتحرير ضد البريطانيين والسلاطين. وقد تحدّر معظم عناصر الجبهة القومية (إذ أسقطت الجبهة كلمة "التحرير" عن اسمها في العام 1967 قبل أن تصبح جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في العام 1978) من هذه المحافظات. وعلى خلاف ذلك، ظلت محافظة حضرموت الكبيرة غير ممثّلة بشكلٍ كافٍ، مع أن بعض الحضارمة مثل البيض تمتّعوا بتأثير واسع، وتحدّر منهم بعضٌ من أبرز القادة العسكريين ومسؤولي الدولة، وذلك بفضل مستواهم التعليمي الأعلى وارتباطهم بسكان الشتات. وغالبًا ما اصطفّت شبوة، التي تمتدّ على مساحة جغرافية واسعة إنما يُعتبر عدد سكانها صغيرًا، إلى جانب أبين.

ومن بين العوامل الأخرى التي أثّرت على ديناميكيات الخلاف بين القادة نذكر أولًا، أن كل قائد بنى لنفسه قاعدة نفوذ في مسقط رأسه، ما شكّل انعكاسًا للتحالفات القبلية التي كانت قائمة ضمن السلطنات أو المشيخات أو الإمارات السابقة، أو غيرها من الكيانات التي رسمت معالم منطقة جنوب الجزيرة العربية. لم يكن جنوب اليمن دولةً في العام 1967، بل كيانًا يتألّف من عدن التي كانت مستعمرة بريطانية، ومحميّتين يتألف كلٌّ منها في الغالب من قبائل ضمن إمارات وسلطنات صغيرة تركها البريطانيون في حال سبيلها. وقد حاولت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلغاء القبَلية، لكن تم تقويض ذلك بسبب الطريقة التي بنى من خلالها القادة قواعد نفوذهم كلٌّ في منطقته.

ثانيًا، تغذّت الانقسامات نتيجة واقع أن سياسيي عدن الأكثر نفوذًا في الجبهة القومية للتحرير، مثل إسماعيل، تحدّروا من أصول يمنية شمالية. وأرادوا في المراحل المبكرة تعزيز الجبهة القومية/الحزب الاشتراكي اليمني ليكون مصدر نفوذهم نظرًا لافتقارهم إلى قاعدة نفوذ قبَلية ومناطقية على غرار خصومهم.

لم تشكّل الأبعاد الإيديولوجية مصدر انقسام كبير بعد حزيران/يونيو 1969، حين طرد اليسار المتطرف الاشتراكيين الأكثر براغماتية. وقد أدركت الجبهة القومية الحاجة إلى إعداد كوادر فعّالة وتلقينها المبادئ الماركسية في مدرسة حزبية أُنشئت بناءً على نصيحة الحزب الشيوعي السوفياتي. وحين كنتُ في عدن في العامَين 1970 و1971، التقيت بأشخاص قالوا إنهم ستالينيون أو لينينيون أو تروتسكيون، لكنهم لم يكونوا متشدّدين إيديولوجيًا وغالبًا ما عبّروا عن مواقف قادتهم المحليين في مناطقهم. وكانت مجالات التركيز مختلفة أيضًا، مثلًا: الإيديولوجيا مقابل البراغماتية في الاقتصاد؛ والتوازن بين الاعتماد على موسكو وحلفائها والحاجة إلى نسج علاقات أفضل مع الدول المجاورة الأكثر ثراءً لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

علاوةً على ذلك، برزت خلافات أكبر في مواقف قادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حول وحدة اليمن. فقد وضعت الجبهة القومية/الحزب الاشتراكي اليمني الوحدة اليمنية على رأس قائمة أهداف سياستها العامة، وكذلك فعل قادة الجمهورية العربية اليمنية في الشمال. لكن كل طرف رأى أن الوحدة تعني فرض نظامه الحاكم على الآخر، فخاضا حربين في سبعينيات القرن المنصرم، تلت كلًّا منهما اتفاقيات وحدة بقيت حبرًا على ورق. وعندما تأسس الحزب الاشتراكي اليمني في العام 1978، أنشأ فرعًا شماليًا سريًّا كان قادته أعضاء في قيادة الحزب (على الرغم من أنه لم يُعلن عن ذلك). وأعطى سياسيون مثل سالمين وعلي ناصر الأولوية لتعزيز قوة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (التي كانت أقوى من الجمهورية العربية اليمنية في السبعينيات)، وبقيت الوحدة هدفًا طويل الأمد. وعمل هؤلاء عن كثب مع قادة الجمهورية العربية اليمنية لاستباق تأثيرات الكثير من المشاكل التي نشأت أو الحدّ منها، بيد أن عبد الفتاح إسماعيل أراد تحقيق الوحدة بصورة فورية أكثر، على غرار بعض القادة من الضالع ولحج اللتين تقعان على الحدود مع الجمهورية العربية اليمنية التي سعوا إلى تقويض نظامها.

على صعيد آخر، لعب الطموح الشخصي الدور الأكبر. فسالمين كان خلال السبعينيات على خلاف مع قادة آخرين حول دور رئيس الدولة والحزب، وعارض تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، إذ رأى أنه يضعف نفوذه كرئيس. وجاء إعدامه في حزيران/يونيو من العام 1978 في أعقاب اتهامات بضلوعه شخصيًا في اغتيال رئيس الجمهورية العربية اليمنية. أما خلفه إسماعيل، فقد عمد إلى تهميش السياسيين الجنوبيين من خلال إصراره على أنه رئيس الدولة وزعيم الحزب، وتوطيد نفوذ شماليين آخرين، والتقرّب أكثر من اللازم من موسكو. فاحتشد السياسيون الجنوبيون ضده (وهنا بدأ استخدام مصطلحَي "شمالي" و"جنوبي" في سياسة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) وأرغموه على الاستقالة في العام 1980، ثم نُفي إلى موسكو لكنه أصبح رئيسًا للحزب الاشتراكي اليمني. وبعدئذٍ، تولّى علي ناصر منصب رئيس الدولة وأمين عام الحزب وبقي رئيسًا للوزراء. ونفّذ سياسات أكثر براغماتية منحت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سنواتها الذهبية القليلة في أوائل الثمانينيات. وأدّى رفضه تقاسم السلطة إلى تآمر خصومه عليه، واندلاع أحداث مأساوية في كانون الثاني/يناير 1986، كانت بمثابة الضربة القاضية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

يونغ: المُلفت عند الاطلاع على معلومات عن الجبهة القومية للتحرير هو طريقة تأثّرها إيديولوجيًا بالماركسيين من دول عربية أخرى، ولا سيما الفلسطينيين واللبنانيين. هلّا تخبرنا عن أهمية هذا التأثير الخارجي، وتشرح لنا في هذا السياق طبيعة الدور الذي أدّته حركة القوميين العرب في حركة التحرير؟

برهوني: نشأت الجبهة القومية للتحرير في أواخر الخمسينيات، خلال حقبة القومية العربية والاشتراكية اللتين جسّدهما الزعيم المصري جمال عبد الناصر. لقد حوّلت هاتان الحركتان العالم العربي، وساعدهما في ما كان يُعرف آنذاك بالإمامة اليمنية والجنوب العربي الخاضع لبريطانيا الانتشار السريع لراديو الترانزيستور. تأسّست حركة القوميين العرب في بيروت في الخمسينيات، وكان من بين قادتها البارزين الفلسطيني جورج حبش ونايف حواتمة. ورأت نفسها أنها في الطليعة، وتقودها نخبة قومية سعت إلى استبدال الأنظمة العربية القائمة باعتبار ذلك خطوة أولى نحو بناء دولة عربية. وانجذب إلى هذا الفكر يمنيون، ومعظمهم من جنوب اليمن، كانوا يتابعون تحصيلهم العلمي في بيروت والقاهرة، ورأى قادة حركة القوميين العرب أن اليمن أفضل خيار ليكون أول دولة تقودها الحركة.

وسرعان ما بنت حركة القوميين العرب منظمة في عدن وجنوب الجزيرة العربية، وفي العام 1963 تمّ إنشاء الجبهة القومية للتحرير. وقامت فروع الحركة في أماكن أخرى بحشد أفراد من الشتات اليمني (ولا سيما في الكويت) للانضمام إلى الجبهة القومية للتحرير. ويعود الفضل في نجاح الجبهة القومية للتحرير بشكل كبير إلى الدعم العملاتي والتدريبي الذي قدّمته المخابرات المصرية، وإلى قدرة الجبهة على العمل من الجمهورية العربية اليمنية المقرّبة منها. لكن الانقسامات داخل حركة القوميين العرب أثّرت في الجبهة القومية للتحرير، حيث كانت الغلبة لتيار ماركسي قوي. وبعد استقلال جنوب اليمن في العام 1967، اندمجت الجبهة القومية مع حزب البعث الموالي لسورية وفرع الحزب الشيوعي الصغير لكن النافذ في عدن.

أدّى الشيوعيون من دول عربية أخرى، ولا سيما في لبنان، دورًا مؤثّرًا ودرّسوا في مدرسة الحزب. لكن حبش وحواتمة مارسا التأثير الأكبر على الجبهة القومية للتحرير/الجبهة القومية/الحزب الاشتراكي اليمني، إذ ساهما في وضع سياساتها العامة وفي التعامل مع المنافسات داخل قيادة الجبهة القومية - والحفاظ على التوجّه الماركسي، من جهة حواتمة. علاوةً على ذلك، كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مقرّبة من الاتحاد السوفياتي، وجمعتها علاقات دبلوماسية مع أنظمة شيوعية وثورية عدّة. وقد كان مُلفتًا الاهتمام الشخصي الذي أبداه القادة المتعاقبون في الاتحاد السوفياتي وألمانيا الشرقية وكوبا بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وقادتها.

يونغ: تقول إن الصدام الكبير الذي حدث على المستوى القيادي في كانون الثاني/يناير 1986 شكّل بداية النهاية بالنسبة إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. هل يمكنك وصف ما حدث وشرح هذا الاستنتاج الذي خلصت إليه؟

برهوني: لم يكن لعلي ناصر محمد من منازع يُعتدّ به خلال الفترة ما بين 1980 و1983. لكن احتكاره السلطة أدّى إلى تعالي الأصوات المطالبة بتخلّيه عن أحد مناصبه، وفي مقدّمتها علي عنتر الذي دعمه في إطاحة إسماعيل من السلطة. لكن عنتر عمد، بعد أن رأى أن مطالبه لم تلقَ آذانًا صاغية، إلى المساهمة في عودة إسماعيل في مطلع العام 1985 فيما بدأت سيطرة علي ناصر تضعف. فأُرغِم على التنحي من منصبه كرئيس للوزراء وبات عرضةً للإطاحة به من الرئاسة بدءًا من منتصف العام 1985. وازدادت حدّة التنافس بين الطرفَين مع قيام كلٍّ منهما بحشد مؤيديه في الحزب والدولة والجيش (علمًا بأن علي ناصر كان وزيرًا للدفاع خلال معظم الثمانينيات، وكان عنتر كان وزيرًا للدفاع وقائدًا للقوات المسلحة في السابق). وازداد الوضع تأزّمًا في العام نفسه، ما أدّى إلى شلل عملية صنع القرار. وبدا واضحًا أن الطرفَين يستعدان للمواجهة، لكن السؤال تمحور حول من سيوجّه الضربة الأولى. وفي 13 كانون الثاني/يناير 1986، تحرّك علي ناصر، واستدعى خصومه إلى اجتماع حزبي، وقام حرّاسه الشخصيون بقتل عنتر والمقرّبين منه. وتمكّن إسماعيل (والبيض) من الهرب، لكنه لقي حتفه في وقت لاحق من ذلك اليوم.

وعلى الرغم من وفاة عنتر وإسماعيل، تمكّن خصوم علي ناصر من حشد دعم بعض النخبة من الجيش والوحدات المدرّعة في عدن ومحيطها. ودامت المواجهات العنيفة في عدن ثلاثة أيام، واستمرّت لفترة أطول في مناطق أخرى من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لكن بحلول منتصف كانون الثاني/يناير كان واضحًا أن علي ناصر قد مُني بالهزيمة. وأسفرت هذه الحرب الأهلية عن مقتل ما لا يقل عن 5000 شخص، وهلاك عدد كبير من قادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وفرار بعض منهم إلى الجمهورية العربية اليمنية مع علي ناصر، ودمار أجزاء كبيرة من عدن، ناهيك عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد وبشرعية نظام الحزب الاشتراكي اليمني. وتزامن تقهقر الدولة مع تنامي قوة نظام علي عبد الله صالح في الجمهورية العربية اليمنية. وتولّى البيض منصب أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني وأصبح حيدر العطاس رئيسًا في دولة ضعيفة للغاية، مع الإشارة إلى أنهما من الحضارمة. ومنذ العام 1986، نصح الاتحاد السوفياتي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بأن تحذو حذوها في اعتماد سياسات إصلاحية عُرفت بالغلاسنونت والبيريسترويكا. وأنهى انهيار الاتحاد السوفياتي الدعم الاقتصادي والعسكري من موسكو وحلفائها. ولم يعد أمام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من خيار آخر سوى السير قدمًا في مسار الوحدة الذي انطلقت به من دون استعداد مسبق وخلال فترة قصيرة. أما الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1994 ووقفت فيها الميليشيات المرتبطة بعلي ناصر محمد إلى جانب صنعاء، فقد دقّت المسمار الأخير في نعش ما تبقّى من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

يونغ: من برأيك كانت الشخصية أو الشخصيات الأبرز في تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ولماذا؟

برهوني: سالم ربيع علي وعبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد، نظرًا إلى الدور الذي أدّوه في تأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والحفاظ عليها، على الرغم من الأخطاء التي ارتكبوها. ويُضاف إليهم أشخاص كانوا بعيدين عن الأضواء لكنهم كانوا مؤثرين للغاية، مثل رئيس الحزب الشيوعي في عدن المعروف باسم الاتحاد الشعبي الديمقراطي، عبد الله باذيب، الذي ساهمت أفكاره وآراؤه في تشكيل إيديولوجيا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية؛ وجارالله عمر، الذي كان مفكّرًا وشخصية بارزة في الفرع الشمالي السرّي للحزب الاشتراكي اليمني وساهم في رسم فكر كلٍّ من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية خلال سنواتها الأخيرة، والجمهورية العربية اليمنية حتى اغتياله في العام 2002.

غالبًا ما يُنسى أن الجبهة القومية للتحرير لم ترث دولة، بل تعيّن عليها بناء دولة قادرة على بسط سلطتها على أجزاء الجنوب كافة، على الرغم من خسارتها جزءًا كبيرًا من إيراداتها من ميناء عدن بسبب إغلاق قناة السويس بين العامَين 1967 و1975، ولا سيما أن الطرقات أو الخدمات الحكومية المتوافرة خارج عدن كانت محدودة للغاية. في غضون ذلك، كانت السعودية تقوم بتمويل الهجمات عبر الحدود في محاولةٍ لإسقاط النظام. ولم تمتلك الجبهة الوطنية للتحرير الوقت الكافي لتشكيل حكومة، واعتبر المراقبون أن نظامها لن يصمد لفترة طويلة. لكنها، على الرغم من ذلك نجحت في أوج حكمها أوائل الثمانينيات، في تقديم خدمات الدولة على نحو فعّال، ومنحت المرأة حقوقها أسوةً بتونس، وأنشأت إدارة علمانية غير فاسدة.