بعد أن أعلن سعد الحريري انسحابه من الحياة السياسية في كانون الثاني/يناير الماضي، بات الخوف الأكبر في لبنان يتمثّل في أن يقرّر سائر القادة السنّة البارزين القيام بالخطوة نفسها، ما يسفر عن مقاطعة سنيّة فعلية للانتخابات النيابية المرتقبة في أيار/مايو. وها نحن اليوم أقرب بكثير من هذا الاحتمال بعد أن أعلن رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي ورئيسَي الحكومة السابقَين فؤاد السنيورة وتمام سلام، عزوفهم عن الترشّح للانتخابات النيابية، مع الإشارة إلى أن رؤساء الحكومة هم سنّة بموجب الأعراف السياسية.

كيف سيكون ردّ فعل السنّة لواقع أن الحريري وميقاتي والسنيورة وسلام غير مرشّحين للانتخابات؟ والافتراض المنطقي هنا أن يؤدي ذلك إلى عزوف النواب السنّة الآخرين الذين كانوا سيُنتخبون على لوائحهم عن المشاركة في الانتخابات. ومن شأن ذلك أن يرجّح كفة المرشحين السنّة الذين يحظون بدعم أقل من طائفتهم، إنما قد يفوزون في الانتخابات لأنهم سيكونون على لوائح مدعومة من حزب الله.

وإن حدث ذلك، قد يكسب حزب الله وحلفاؤه في الانتخابات المقبلة مقاعد أكثر مما لديهم اليوم. لكن مَن بالتحديد سيكون حلفاء حزب الله أو خصومه هذه المرة؟ وهل سيمتلك أنصار سورية المحليون بالضرورة نفس أجندة حزب الله وإيران؟ قد يكون الواقع أكثر إثارةً للاهتمام من ذلك. وقد تساعدنا الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي على التوصّل إلى فهم أفضل لما قد يحصل في المرحلة المقبلة.

ترى الدول العربية أن السماح لسورية بتأدية دورٍ ما على الساحة العربية، ولا سيما في دول المشرق، قد يسهم في كبح النفوذ الإيراني في المنطقة، انطلاقًا من اعتقادها أن دعم النظام السوري سيحدّ من قدرة طهران على فرض أجندتها في سورية ولبنان. في الماضي، سمح هذا التفكير لنظام الأسد بتأليب الدول العربية على إيران، وبالتالي الاستفادة من الطرفين. أما اليوم، فيخوض الأسد غمار بيئة أشدّ تعقيدًا تؤدّي فيها روسيا وإسرائيل أدوارًا خاصة بهما.

ولكن، هل عودة النفوذ السوري إلى لبنان احتمال واقعي؟ قد يثير هذا السؤال استهزاء الكثيرين، على افتراض أن النظام السوري أضعف من أن يقف في مواجهة مع إيران في الداخل السوري أو في لبنان. لكن هذا الاستهزاء يخفّ بعض الشيء إذا أخذنا في الحسبان روسيا، التي تسعى إلى الاستفادة من الفرص المتاحة في سورية ولبنان لتعزيز مصالحها الخاصة. وليس المقصود أن دمشق وموسكو وطهران ستدخل في مواجهة مع بعضها البعض، فهي لن تفعل ذلك، بل على العكس ستسعى كل واحدة منها إلى تحقيق أولويات قد تتضارب مع أولويات الأخرى. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى عملية إعادة اصطفافٍ للقوى قد يكون لها تأثير كبير على المنطقة.

وفي الوقت الراهن، نشهد بوتيرة متسارعة بروز علاقات إقليمية قد تطرح مشاكل كبيرة لإيران. فالدول العربية الكبرى التي تسعى إلى تحسين علاقاتها مع سورية والحفاظ على روابط جيدة مع موسكو، تربطها علاقات جيدة جدًّا بإسرائيل سواء بشكل رسمي أو غير رسمي. وقد أبقت إسرائيل قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا، على ضوء تحسُّن علاقاتها مع دول الخليج. إذًا، يبدو أن ثمة مسعى غير رسمي آخذٌ في التشكُّل ويضمّ أطرافًا مختلفة قادرة على وضع حدّ لتوطيد إيران سلطتها في سورية ولبنان.

وبهذه الطريقة، ستستفيد الدول العربية، ولا سيما دول الخليج الكبرى ومصر والأردن، من خلال قلب مكاسب إيران الإقليمية. وستُتاح الفرصة أمام سورية لتوفير التمويل اللازم لإطلاق عملية إعادة الإعمار، والعودة إلى الحضن العربي، وإعادة إحياء دائرة نفوذها في لبنان (ولا يختلف الأمر عمّا تسعى إليه روسيا في أوكرانيا). وستدعم إسرائيل المساعي العربية والروسية الرامية إلى تحجيم طموحات إيران في لبنان وسورية من خلال المكوّن العسكري. وستحاول روسيا شيئًا فشيئًا إعادة التوازن إلى علاقتها مع إيران، فيما تضطلع بدور محوري ضمن مجموعة واسعة من الأفرقاء في الشرق الأوسط.

ماذا يعني هذا للبنان؟ في البداية، يشير ذلك إلى أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون على الأرجح المؤشر المهم الأول على التوجّه الذي ستسلكه هذه الديناميكيات. فسترغب سورية في وصول سليمان فرنجية إلى سدّة الرئاسة، إذ سيشكّل انتخابه ورقة ضغط مهمة لإعادة فرض سطوتها في البلاد. في المقابل، قد يفضّل حزب الله وإيران كبح تأثير سورية من خلال تفضيل تولّي جبران باسيل رئاسة البلاد، وهما يبذلان قصارى جهدهما لضمان نجاحه في الانتخابات النيابية المقبلة. وإن تسبّب ذلك بحدوث توترات، قد تختار سورية وإيران مرشّحًا ثالثًا يشكّل حلًّ وسطًا.

يشير عدم اهتمام الدول العربية بتوجيه الطائفة السنيّة في لبنان إلى أنها قد تسعى إلى القيام بذلك عبر دمشق. ويبدو هذا أمرًا مخالفًا للمنطق، نظرًا إلى العداء الذي يكنّه الكثير من السنّة تجاه نظام الأسد. لكن في مواجهة هيمنة إيران وحزب الله، من المرجّح أن يفضلوا سورية، إن كانت مدعومة من الدول العربية وروسيا. وفي حال أصبح على حزب الله التعامل مع طائفة سنيّة استعادت زخمها، قد يضطر عندئذٍ إلى تقديم تنازلات.

في هذا السياق، لن تؤدي إعادة إحياء الاتفاق النووي مع طهران سوى إلى تسريع وتيرة توافق المصالح بين الدول العربية وروسيا وإسرائيل، فيما تفكّ الولايات المتحدة ارتباطها في المنطقة تاركةً المجال أمام أطراف أخرى لملء الفراغ الذي تخلّفه. لكن لا يجب المراهنة على احتمال نشوب نزاع مع إيران. فجُلّ ما تريده الدول العربية وروسيا، وبدرجة أقل إسرائيل، هو المناورة بطريقة ترغم إيران على قبول أن أطرافًا أخرى أيضًا لديها مصالح في سورية ولبنان وأن عليها احترام ذلك.