لبنان على موعد مع الاستحقاق النيابي في الخامس عشر من شهر أيار/مايو المُقبل، فما مواقف الأرمن اللبنانيين من هذه الانتخابات؟ وهل يشعرون بأنهم منخرطون بما فيه الكفاية في المشهد السياسي للمشاركة فيها؟ وهل يأملون أو يرغبون في إحداث تغيير في الأحزاب التي مثّلت طائفتهم تاريخيًا؟

يُقدَّر إجمالي عدد الناخبين الأرمن في لبنان رسميًا بنحو 106,476 ناخبًا، موزّعين بشكل أساسي بين 86,163 ناخبًا من الأرمن الأرثوذكس و20,313 ناخبًا من الأرمن الكاثوليك. ولكن، لم يشارك في الانتخابات الأخيرة التي جرت في العام 2018 سوى 28 في المئة من الناخبين المسجّلين. وفي الأقضية التي يسكنها عدد كبير من الأرمن، مثل بيروت، شارك 10,800 ناخب من أصل 44,703 ناخبًا في الانتخابات؛ وفي قضاء المتن في محافظة جبل لبنان، شارك 10,400 ناخب من أصل 31,839 ناخبًا، في حين لم يتجاوز عدد الأرمن الذين أقبلوا إلى صناديق الاقتراع في زحلة 3000 شخص من أصل 10,000 ناخب مسجّل.

عمومًا، يمكن تقسيم الناخبين الأرمن إلى ثلاث فئات. تتألّف الفئة الأولى من الأفراد الذين يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالأحزاب الأرمنية الكبرى ويخشون التغيير، وحتى عندما يحاولون الابتعاد عنها، يقلقون من تبعات ذلك، كحرمانهم من المساعدات والخدمات الصحية التي تقدّمها المنظمات الاجتماعية الأرمنية على سبيل المثال. ويعتقد هؤلاء الناخبون الذين يعيشون بمعظمهم في أحياء أرمنية خاضعة إلى الأحزاب السياسية الرئيسة، أن عدم انتخاب مرشحي الأحزاب قد يؤثر سلبًا على الهوية واللغة الأرمنية، ويُضعف طائفتهم.

فقد قال أحد الناخبين، وهو سائق سيارة أجرة يقيم في بلدة برج حمود ذات الغالبية الأرمنية: "سأصوّت للمرشّحين الذين يختارهم حزبي. لقد وقف الحزب إلى جانب الشعب الأرمني لفترة طويلة. أين ستكون الطائفة الأرمنية اليوم لولا وجود حزب قوي؟ أعتقد أن ما يريده الحزب هو الأفضل للأرمن اللبنانيين".

أما الفئة الثانية من الناخبين الأرمن فتتكوّن من أشخاص كانوا في السابق يدعمون الأحزاب الأرمنية الكبرى، لكنهم أدركوا لاحقًا مدى فسادها واستغلالها المؤذي لسياسات الهوية لضمان بقائها في السلطة. وقد شارك عدد كبير من هؤلاء الناخبين في انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، آمِلين بتغيير نظام الحكم في لبنان. وعندما باء ذلك بالفشل، لم ترحّب الأحزاب بعودتهم إلى كنفِها، فانضمّوا إلى مجموعات المجتمع المدني.

إن ما جمع ناخبي هذه الفئة وحفّزهم على مثل هذه الخطوة هو الرغبة في التغيير وقضايا خاصة بجيلهم. وتأكيدًا على ذلك، يقول هراتش سورمينيان الذي يعمل مدير صيانة: "لن أصوّت للأحزاب الأرمنية التقليدية، فهي لم تعد تمثّل طموحات الشباب. بتنا نشعر بالاشمئزاز من رؤية الوجوه نفسها على الدوام. نحن بحاجة إلى التغيير، وإلى أفكار جديدة ومرشحين جدد بإمكانهم أن يصبحوا قادةً في المستقبل".

مع ذلك، ستواجه اللوائح الانتخابية التي شكّلتها مجموعات المجتمع المدني جملةً من التحديات بسبب عدم امتلاكها روابط عميقة مع المجتمع المحلي الأرمني. ولن تتمكّن هذه المجموعات للأسف من استبدال الأحزاب الكبرى، التي تأسست قبل قرن من الزمن ولها تأثير كبير في وجدان الأرمن بسبب انخراطها في النضال الأرمني في أعقاب الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بين العامين 1915 و1917.

أما الفئة الثالثة فتضمّ الأفراد الذين يعيشون خارج الأحياء الأرمنية وتجمعهم علاقة قوية بطائفتهم، لكنهم لا ينتمون إلى أي حزب سياسي ولا يؤمنون بمرشحي المجتمع المدني. فيشعر هؤلاء الناخبون بانتماء كبير إلى لبنان ويدركون جيّدًا المخاطر التي قد تهدّد المجتمع المحلي الأرمني في حال فاز المرشحون غير المناسبين في الانتخابات. وينبع عدم انسجامهم مع مجموعات المجتمع المدني من إدراكهم بأن هذه المجموعات لا تستطيع مساعدة الأرمن في لبنان بالطريقة نفسها كما الأحزاب الأرمنية، وأنها لا تريد أساسًا العمل مع الأحزاب.

وعبّرت مارلين سالباشيان التي تعمل في مجال الرعاية الصحية خير تعبير عن هذا الموقف، وهي أمٌّ لابنتين تدرسان خارج البلاد. فعند سؤالها عما إذا كانت ستشارك في الانتخابات المُقبلة، أجابت قائلةً: "لماذا أضيّعُ وقتي بالتصويت وأنا أعلم أنه سيتمّ انتخاب المرشحين نفسهم. لكن إذا اضطررت إلى التصويت، فسأصوّت ضدّ مرشحي المجتمع المدني، الذين لا يعرفون شيئًا عن النضال الأرمني ولا يستطيعون حتى إلقاء خطاب باللغة الأرمنية".

أسهم انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 على الأرجح في التأثير على تصويت الأرمن. فقد دمّر الانفجار عددًا كبيرًا من الأحياء والبلدات التي يقطنها الأرمن، مثل مار مخايل ونور هاجين وبرج حمود والأشرفية. هزّ هذا الانفجار المجتمع المحلي الأرمني، وطال الدمار نحو 1,500 شركة ومتجر أرمني وأكثر من 3,000 منزل. وفضّلت شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى، التي كانت تعاني أساسًا من تداعيات انهيار الاقتصاد اللبناني منذ العام 2019، الهجرة من البلاد بدلًا من إعادة إعمار ما تهدّم. أما أولئك الذين قرّروا البقاء، فقد وفّرت لهم الأحزاب الأرمنية الرعاية الاجتماعية ونظّمت حملات لجمع التبرعات، ما ساهم في تعزيز نفوذها في أوساط مجتمعها. وحدث أمرٌ آخر يخدم هذه النتيجة، وهو أن القوائم الانتخابية تغيّرت بعد مغادرة الناس البلاد، لكن الدولة لم تحدّثها، الأمر الذي سيصبّ على الأرجح في مصلحة الأحزاب الأرمنية الكبرى، التي يُمكن أن تستفيد من خلال تأمين أصوات الناخبين الغائبين بطريقة غير مشروعة.

تدلّ أرقام انتخابات العام 2018، وتزايد أعداد الأرمن الذين يغادرون لبنان أن هذا المجتمع المحلّي آخذٌ في الزوال. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الأرمن المقيمين في لبنان اليوم لا يتجاوز عددهم 55,000 شخص، مقارنةً مع 156,000 شخص في العام 2018. وتدلّ هذه المعطيات أن الغلبة ستكون على الأرجح للأحزاب التقليدية، حتى مع التراجع المطّرد في أعداد الناخبين الأرمن الذين تعوّل عليهم هذه الأحزاب. ويثير هذا الأمر تساؤلات حول ما إذا كانت الأحزاب ستحتفظ بتأثيرها في عملية التصويت ككُل كما كان عليه الحال في السابق.