في 6 آذار/مارس الفائت، نشرت الجريدة الرسمية الفلسطينية مرسومًا أصدره الرئيس محمود عباس يستبدل فيه قانونًا قديمًا يعود إلى حقبة الأردن بشأن إجراءات الدعاوى المتعلقة بدوائر الدولة.

أثار هذا المرسوم بلغته الجافة بعد صدوره في مطبوعة تقنية موجة من الانتقادات على المستويَين السياسي والقانوني. فصلاحية عباس في إصدار مراسيم تعاملها الهيئات الفلسطينية الرسمية معاملة القوانين تلقى رفضًا في أوساط أولئك الذين يعتبرون أن تعليق الحياة البرلمانية خطوة غير شرعية، وتثير حفيظة آخرين يعتبرون أن إصدار القوانين بهذا الشكل يندرج ضمن الأساليب السلطوية، فيما لا يولي لها البعض الآخر أهمية تُذكر لأنهم يعتبرون أن القيادة الفلسطينية عاجزة ومجرّدة من أي استراتيجية. ففي ظل غياب دولة تقوم بعملها، ما جدوى تعديل القوانين الخاصة بالتقاضي؟ لكن هذا السؤال مألوف. ماذا كانت إذًا النقاط المثيرة للجدل في هذا النص القانوني؟

تنبئ هذه الخطوة بإلغاء الدور المؤسسي الذي تؤدّيه منظمة التحرير الفلسطينية. والدولة التي يغطيها هذا القرار بقانون هي "دولة فلسطين" برئاسة محمود عباس، وهو يدرج منظمة التحرير الفلسطينية والمؤسسات التابعة لها كافة ضمن دوائر الدولة ووكالاتها ووزاراتها، باعتبارها جزءًا من الجهاز البيروقراطي الفلسطيني ومركزه رام الله. إذًا، بدا أن هذا القانون يسعى إلى إلحاق هيئة تُعتبر الممثّل الشرعي الوحيد للفلسطينيين والناطق باسمهم كشعب، بدوائر السلطة الوطنية الفلسطينية المقيّدة والسلطوية والتي تعاني عجزًا كبيرًا.

أثار البند المتعلّق بمنظمة التحرير الفلسطينية بلبلة كبيرة، ما دفع إلى إصدار هذا المرسوم مرتَين. فالمرسوم الأول الذي تم تسريبه من دون أن يُنشر رسميًا، اكتفى بذكر منظمة التحرير الفلسطينية. ثم أصدر عباس مرسومًا ثانيًا أصبح رسميًا وساري المفعول، وتضمّن جملة حدّدت أن إدراج اسم منظمة التحرير الفلسطينية أتى "لغايات تطبيق أحكام هذا القرار بقانون". لكن هذا لم يخفّف وطأة الانتقادات الموجّهة إليه.

لماذا يهتم الناس لذلك؟ فلطالما تعامل عباس مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ذراعًا لمكتبه يستخدمها كلما دعت الحاجة. فهو يرى أن المنظمة عبارة عن مجموعة مكاتب قادرة على ممارسة الدبلوماسية الدولية (مع الدول التي تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية وليس بفلسطين)، وتصادق هيئاتها على القرارات أحيانًا. هذا القرار بقانون يحوّل هذا السلوك إلى نص قانوني حاكم.

ويتعارض ذلك مع الطريقة التي ينظر فيها معظم الفلسطينيين إلى منظمة التحرير، أقلّه على المستويات النظرية والتاريخية والرمزية. لا أحد يتوهّم على الأرجح بأن منظمة التحرير تؤدّي دورًا نشطًا في الوقت الراهن، لكنها كانت في السابق عنصرًا أساسيًا في بناء توافق وطني وقد تعود لتؤدّي هذا الدور من جديد، من خلال وضع استراتيجيات، واتّخاذ قرارات يُعتد بها، والتنسيق بين الشتات الفلسطيني في جميع أنحاء العالم. وفي حال قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، فعليًا وليس فقط على الورق، قد تتسلّم منظمة التحرير مقاليد قيادة هذه الدولة. مع ذلك، يبدو أن عباس استغلّ منصبه المزدوج بصفته أيضًا رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لطي الصفحة على دور المنظمة في الدولة الفلسطينية الواهنة.

وتستمد منظمة التحرير الفلسطينية سلطتها من المجلس الوطني الفلسطيني، وهو هيئة تجتمع من وقت إلى آخر لتمثيل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. وقد نجحت المنظمة في نيل اعتراف دولي بالفلسطينيين كشعب، وتمثيلهم لسنوات على المستوى الدولي، وسمحت بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، الكيان الذي أصبح دولة فلسطين. وحين منحت الأمم المتحدة فلسطين صفة الدولة المراقبة في العام 2012، فعلت ذلك "من دون المساس بحقوق منظمة التحرير الفلسطينية المُكتسبة وامتيازاتها ودورها في الأمم المتحدة بصفتها ممثّل الشعب الفلسطيني".

باختصار، تُعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الهيئة المُشرفة. ويُجمع معظم الفلسطينيين بالتأكيد على أن دولة فلسطين تستحق اعترافًا دوليًا، لكن تحجيم منظمة التحرير عبر إلحاق مكاتبها ومؤسساتها كافة بسائر دوائر السلطة الوطنية الفلسطينية يؤدّي إلى إضعاف مكانة المنظمة، وتقويض هيئة تأسّست لتكون الممثّل الشرعي للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ناهيك عن وضع الأمور كلها تحت سيطرة رئيس يعمل من دون الخضوع لأي رقابة أو مساءلة. فقد تجاوزت خطوة عباس الأخيرة العملية التشاورية المعنية بإصدار القرارات بقوانين، ما شكّل مفاجأة لجميع المعنيين.

لا شك في أن العلاقة بين مختلف هذه الهيئات مبهمة. وفي بعض الأحيان، تبدو النقاشات نظرية وغير قابلة للحل، وقد تبقى كذلك إلى أن تصبح فلسطين واقعًا مؤسّسيًا ثابتًا ومستقرًا. لكن الكثير من الفلسطينيين شعروا بالقلق من خطوة عباس لسببَين أساسيَين، إدراكًا منهم للتداعيات العملية الناجمة عنها والرمزية المؤذية المرتبطة بها.

أولًا، يُرجّح أن تؤدي منظمة التحرير الفلسطينية دورًا أساسيًا في أي عملية مصالحة وطنية مُحتملة. ومن شأن تحويل المنظمة على المستوى القانوني إلى مجرّد ذراع لقيادة رام الله أن يقوّض قدرتها على تأدية دورها كهيئة توافقية. وقد أثار القرار بقانون الصادر في 6 آذار/مارس انتقادات مبكرة من المعسكر الإسلامي لهذا السبب تحديدًا.

وثانيًا، لا تزال آليات انتقال السلطة غير واضحة في الوقت الراهن. فعباس يتولى رئاسة دولة فلسطين، وحركة فتح، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ويبدو أن القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية يرعى شؤون دولة فلسطين، لكن أحكام انتقال السلطة الواردة فيه مبهمة، إذ تمّ حلّ البرلمان ويبدو أن آفاق إجراء الانتخابات تواجه صعوبات سياسية ولوجستية (وقد تفاقمت هذه المشاكل بسبب قرار الرئيس إلغاء الانتخابات البرلمانية العام الماضي). أما حركة فتح، فتمزّقها الانقسامات الداخلية. ويبدو أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية باتت خاضعة لدولة فلسطين. مع ذلك، من شأن منظمة التحرير الفلسطينية التي تتمتع ببعض الحيوية (ولو على المستوى الرمزي) أن تبارك أي عملية انتقال للسلطة.

فعلى سبيل المثال، عندما توفي ياسر عرفات، أتى عباس خلفًا له بطريقة سلسة على المستويَين القانوني والسياسي من دون اعتراض الهيئات الثلاث.

مع ذلك، قد يعني التعامل المتعالي مع منظمة التحرير الفلسطينية الآن، رمزيًا وعمليًا، أن المكاتب التابعة للرئاسة في رام الله يمكنها حرفيًا وضع الختم والمصادقة على أي قرار يُتخذ بطريقة عشوائية وجائرة خارج أي إطار مؤسسي حقيقي.

وفي ظل المشاكل التي تواجهها الحركة الوطنية الفلسطينية، من المستبعد اعتبار هذا المرسوم المثير للجدل خطوةً حاسمة بأي شكل من الأشكال. لكن ينبغي النظر إليه حتمًا على أنه خطوة إضافية في إطار سلسلة من الممارسات المؤسّسية المتزايدة التي تكرّس ترتيبات وُضعت في ظروف محدّدة وكان من المفترض أن تكون مؤقتة، وتجعلها راسخة في حالة اللادولة الفلسطينية.