شهد هذا الشهر، خلال ثلاثة أيام متتالية، ثلاث مناسبات مختلفة سلّطت الضوء على أهمية استذكار الأحداث، وتأثير ذلك على مسار البحث عن الحقيقة والحفاظ على الذاكرة الجماعية. ويرتدي هذا الأمر جانبًا كبيرًا من الأهمية لأن السبيل الوحيد لتجنّب تكرار الأحداث المأساوية هو إحياء ذكراها.

13 نيسان/أبريل تاريخٌ اختاره اللبنانيون لإحياء ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في العام 1975 وامتدّت خمسة عشر عامًا. صحيحٌ أن التاريخ الذي يمكن أن تُنسب إليه بداية الحرب الأهلية هو موضع جدل في أوساط المؤرّخين، إلا أن الكثيرين يُجمعون على أن مجزرة بوسطة (حافلة) عين الرمانة، وهي ضاحية من ضواحي بيروت، حدثت يوم 13 نيسان/أبريل 1975 وشكّلت الشرارة التي أشعلت الاشتباكات المسلحة التي سُرعان ما عمّت مختلف أرجاء لبنان.

خلال فصول الحرب الأهلية، خاضت الميليشيات والجيوش اللبنانية والأجنبية معارك للسيطرة على المناطق، ما أسفر عن مقتل أو إصابة مئات الآلاف من الأشخاص، وتهجير مئات آلافٍ آخرين. وشكّلت الحرب الأهلية أطول فترة عنف شهدها لبنان، ومع ذلك لم يتم إطلاق أي عملية مصالحة وطنية للمعنيين بها. بل عمد المسؤولون اللبنانيون في آب/أغسطس 1991 إلى إصدار قانون عفو عام أدّى إلى طيّ صفحة أحداث الحرب ومحو ذاكرة اللبنانيين.

عارض كثرٌ هذه الخطوة، من مثقّفين وفنّانين وناشطين، ونظّموا حملات تهدف إلى الحفاظ على الذاكرة الجماعية. فانضمّوا على سبيل المثال إلى لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين الذين نظّموا منذ الثمانينيات حراكًا تلو الآخر لمعرفة الحقيقة حول مصير أحبّائهم المفقودين. وفي الكثير من الحالات، سعى الأهالي إلى دعم قانونٍ يسمح لهم بإعلان وفاة المفقودين الذين يخصّونهم، نظرًا إلى العراقيل القانونية التي يطرحها اعتبار أنهم لا يزالون على قيد الحياة. ومع ذلك، ما من نصب تذكارية شُيِّدت لإحياء ذكرى الحرب، وما من مراكز أبحاث وطنية أو نقاشات عامة حول تلك المرحلة. كان لقمان سليم الذي اغتيل في شباط/فبراير 2021 من الأشخاص القلائل الذين انهمكوا بلا كلل بتوثيق ذاكرة الحرب الأهلية.

14 نيسان/أبريل الجاري هو اليوم الذي اختاره مجلس الوزراء اللبناني، على الأرجح من دون أي وعي أو اكتراث للصدفة، ليُعلن موافقته على هدم أهراءات الحبوب المتضرّرة من جرّاء انفجار مرفأ بيروت الذي أسفر في آب/أغسطس 2020 عن مقتل ما لا يقل عن 218 شخصًا ونزوح عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم الواقعة في الأحياء المجاورة للموقع. وحتى الآن، لا يزال لبنان عاجزًا عن تبنّي سردية موحّدة ومقنعة لما حدث، ولا يبدو أن الدولة اللبنانية والجهاز القضائي سيكشفان عن ملابسات هذا الانفجار في وقت قريب. وبعد مرور سنتَين على هذه الجريمة، لم يخضع أحد للمحاسبة عن مأساة تُعتبر أحد أكثر الأحداث إيلامًا في تاريخ لبنان.

يرى كثرٌ أن هذه الأهراءات تشكّل أطلالًا شاهدة على جريمة لم تُكشف حقيقتها في بلدٍ تسود فيه حالة الإفلات من العقاب. لذلك، يُعتبر قرار هدمها بحجة أن أساساتها أصبحت ضعيفة ومعرّضة للانهيار، مثيرًا للجدل، إذ رفض نقيب المهندسين في بيروت هذا الادّعاء. ويعتبر أهالي ضحايا انفجار المرفأ والكثير من المواطنين اللبنانيين أن هذه الأهراءات تشكّل وصمة عار على جبين المسؤولين اللبنانيين ولا ينبغي تدميرها. ويتخوّف اللبنانيون من أن يكون قرار الطبقة السياسية بهدمها مجرّد محاولة إضافية لمحو الذاكرة الجماعية للبنانيين، كما فعلت في السابق لعدد لا يُحصى من الجرائم على الصعيد الوطني. إن أهالي الضحايا وداعميهم هم الجهة الوحيدة التي تناضل من أجل استمرار التحقيق في جريمة المرفأ، والإبقاء على ذكرى الانفجار حية في ضمائر الناس.

وفي 15 نيسان/أبريل، بعيدًا عن سواحل بيروت، أحيى سكان مدينة مرفئية أخرى،وهي مدينة ليفربول، الذكرى السنوية لكارثة هيلزبرة. وعلى خلاف ما حدث في لبنان، أثمرت جهود سكان ليفربول في الحفاظ على الذاكرة الجماعية في المدينة. وقعت كارثة هيلزبرة في العام 1989 خلال مباراة كرة قدم بين نادي نوتينغهام فورست ونادي ليفربول ضمن الدور النصف النهائي من بطولة كأس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم في ملعب هيلزبرة في مدينة شيفيلد، حين تداعى مدرّج مزدحم كان مخصّصًا لمشجّعي ليفربول، ما أودى بحياة 97 شخصًا وخلّف 766 جريحًا. وأسفرت هذه الحادثة عن أكبر عدد من الضحايا في تاريخ الرياضة البريطانية. وقد أصرّت الشرطة في البداية على أن جماهير ليفربول هم سبب الحادثة، ليتّضح لاحقًا أن هذا الأمر غير صحيح.

جميع سكان ليفربول يعرفون شخصًا أو أكثر طالته هذه المأساة، ولا يزال أهالي الضحايا يعتبرون أن العدالة لم تتحقّق من جانب الدولة. فطوال ثلاثين عامًا، بقيت أسر ضحايا هيلزبرة تناضل بلا كلل للوصول إلى الحقيقة والعدالة، لكن لم تتم محاسبة أحد لا عن الحادثة التي وقعت ولا عن المساعي الحثيثة التي بذلتها الشرطة ووسائل الإعلام لتحويل اللوم وتحميل الضحايا أنفسهم مسؤولية الكارثة. إن عبارة Justice for the 97 (أي العدالة للضحايا الـ97) مألوفة جدًّا لمشجّعي نادي ليفربول، وكل قمصان فريقه تحمل في الخلف الرقم 97 تكريمًا للضحايا الذين سقطوا.

ثمة شعار يعبّر خير تعبير عن روحية المناضلين من أجل العدالة لضحايا هيلزبرة، مكتوب على لافتة ضخمة رُفعت على مدرّج الـKop الأشهر في ملعب أنفيلد، وهو: We Climbed the Hill in Our Own Way (أي تسلّقنا التلة على طريقتنا)، وهو مُقتبس من أغنية Fearless التي أصدرتها فرقة الروك الشهيرة بينك فلويد في العام 1971، واستخدمت فيها مقطعًا لجماهير ليفربول وهم يغنّونها بصوت واحد على مدرّج الـKop). ويشرح الصحافي دان كاي من ليفربول أن كلمات هذا الشعار "هي تكريم للجهود الجبّارة التي بذلها عدد لا يُحصى من الأشخاص وفعلوا المستحيل من أجل تغيير السجل العام لما جرى في هيلزبرة وتصحيح أخطاء التحقيقات الأولية التي اعتبرت أن ما جرى كان حادثًا عرضيًا".

صحيحٌ أن العدالة لم تتحقّق لضحايا كارثة هيلزبرة، غير أن ذكراهم ستبقى حية طالما يبقى المجتمع ونادي ليفربول حريصَين على تخليدها. وقد أدّى هذا الرفض القاطع لمحو الذاكرة الجماعية إلى إعادة تصميم ملاعب كرة القدم البريطانية من أجل الحؤول دون تكرار مأساة كتلك التي شهدها ملعب هيلزبرة.

إن الأسباب الكامنة وراء المآسي في كلٍّ من لبنان وبريطانيا مختلفة للغاية، ومن الصعب جدًّا إحداث تغيير فعلي في السياق اللبناني. مع ذلك، سواء في بيروت أو في ليفربول، يبدو أن المبادرات المجتمعية الرامية إلى إحقاق الحق على الرغم من الظروف المعاكسة تبقى هي المسار الجدّي والأوحد لصون الذاكرة الجماعية ومنع تكرار مآسي الماضي. لذا، لا بدّ لنا من دعم هذه المبادرات، على الرغم من التلال الوعرة التي علينا تسلّقها لتحقيق ذلك.