حين أطلق الغضب الشعبي الناجم عن التدهور الاقتصادي الحادّ شرارة المظاهرات المناهضة للحكومة في العام 2019، كان للجنديات النساء دورٌ حاسمٌ في تعزيز جوٍّ من الحوار وخفض التصعيد. وبالمثل، بُعيد الانفجار المدمّر الذي شهده مرفأ بيروت في شهر آب/أغسطس 2020، والذي أسفر عن تداعيات ألقت بظلالها على النظام السياسي والاقتصادي اللبناني المتأزّم أصلًا، كُلّف الجيش اللبناني بحفظ الأمن في الشوارع وتوزيع المساعدات الإنسانية.

ترى جمانة زبانة من هيئة الأمم المتحدة لشؤون المرأة أن انضمام النساء إلى صفوف الجيش اللبناني أثّر بشكل كبير في الحفاظ على ثقة اللبنانيين، والحدّ من خطر تعرّض النساء ضمن الفئات المستضعفة إلى التحرّش الجنسي. وتضيف قائلةً: "كلما ازداد عدد النساء في الجيش، أصبحت هذه المؤسسة أكثر استجابةً وشمولًا، وازداد وعيها بقضايا النوع الاجتماعي. وهذا ما شهدناه مؤخرًا في لبنان".

بدءًا من العام 2017، أطلق الجيش اللبناني مساعٍ حثيثة من أجل تجنيد النساء ودمجهنّ في صفوف المؤسسة العسكرية وتعزيز أدوارهنّ فيها، ولا تزال هذه الجهود مستمرةً على الرغم من الأزمات الكثيرة التي تعصف بالبلاد. فقد ازداد تمثيل النساء في صفوف الجيش اللبناني من 1 في المئة في العام 2017 إلى 5.5 في المئة بحلول نهاية العام 2021، من أصل إجمالي عديده البالغ 75,000 عسكري تقريبًا.

ستبلغ هذه المساعي أوجها هذا الصيف مع تخرّج دفعة العام 2022 من الكليّة الحربية، وهي كليّة التلامذة الضباط في الجيش اللبناني. فإضافةً إلى مراعاة قاعدة المساواة بين المسيحيين والمسلمين الراسخة منذ فترة طويلة، تراعي الدفعة الحالية أيضًا التوازن بين الجنسين تقريبًا، إذ تضم 53 رجلًا و47 امرأة. وستُسنَد إلى الغالبية الساحقة من النساء مهمات قتالية ومهمات دعم قتالي، من ضمنها في قوة المشاة، وفوج المدرّعات، وفوج المدفعية، والقوات الجوية والقوات البحرية. ومع اكتسابهنّ خبرة قيادية في الخطوط الأمامية، سيصبحن تدريجيًا أهلًا لتبوُّؤ مناصب قيادية على مدى السنوات الثلاثين المقبلة، وبالتالي قد ينجحن في إحداث تحوّلات استراتيجية كبرى من داخل الجيش اللبناني.

ثمة أربعة دوافع أساسية لهذه المساعي، أوّلها الالتزام الشخصي لقائد الجيش العماد جوزيف عون الذي تمّ تعيينه في العام 2017 لولاية تدوم عادةً ست سنوات. وقال عون لفريق بحثنا: "لا شكّ في أن العسكريات قد أغنَينَ [الجيش] بقدراتهنّ وإمكاناتهنّ، ولا شكّ أيضًا في أن هذه هي الطريقة الصحيحة لتحسين المؤسسة العسكرية. لقد أثبتت العسكريات مرارًا وتكرارًا أنهنّ يتمتعن بالقدر نفسه من الكفاءة تمامًا مثل نظرائهنّ الذكور، أو حتى بكفاءة أكبر".

وأشارت رئيسة قسم النوع الاجتماعي في الجيش اللبناني العقيد مروة سعود إلى أن "العماد عون يؤمن ليس فقط بالمساواة الأساسية بين الرجل والمرأة، بل أيضًا بالدور المهم الذي يمكن أن تؤدّيه المرأة [في الجيش] لضمان مستقبله". ولفت في هذا الإطار أحد القياديين الرجال في المؤسسة العسكرية إلى أن عون جعل فكرة دمج المرأة في صفوف الجيش اللبناني أمرًا طبيعيًا، وكذلك فكرة دعم العسكريين الرجال لجهود دمج المرأة في المؤسسة العسكرية. فقد تحدّث العسكريون، في المقابلات التي أجراها معهم فريق بحثنا، مرارًا عن العدد الكبير من مناصري مبدأ مراعاة النوع الاجتماعي في المستويات العليا للمؤسسة العسكرية، الأمر الذي يسهم في تغيير ثقافتها.

ويتمثّل الدافع الثاني في أن لبنان باشر في العام 2017 ببلورة أول خطة عمل وطنية لتطبيق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 للعام 2000 بشأن المرأة والسلام والأمن. وحدّدت هذه الخطة التي أُطلقت في العام 2019 هدفًا واضحًا لقطاع الدفاع اللبناني بزيادة مشاركة المرأة بنسبة 1 في المئة سنويًا، إضافةً إلى توصيات من أجل تعميم مراعاة النوع الاجتماعي في المناصب العليا، وإجراء تعديلات على البنية التحتية، ومقاييس إعداد التقارير السنوية، وتحديد الإجراءات الرامية إلى حماية النساء والفتيات من العنف المُمارَس على أساس النوع الاجتماعي. واستجابةً لمتطلبات خطة العمل، شكّلت المؤسسة العسكرية لجنة توجيهية معنية بالنوع الاجتماعي لتنسيق سياساتها، تحولت رسميًا في كانون الأول/ديسمبر 2021 إلى قسم النوع الاجتماعي، ما شكّل مؤشرًا مهمًا في إطار المساعي الرامية إلى تعميم مراعاة النوع الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية.

وشدّد العميد الركن يوسف حداد، رئيس لجنة مراقبة وضبط الحدود في الجيش اللبناني وأحد مناصري انخراط المرأة في المؤسسة العسكرية، على أهمية التداخل الحاصل بين الزخم المحيط بخطة العمل على الصعيد الوطني، والتزام الجيش بتعزيز دور النساء في صفوفه على الصعيد الاستراتيجي، والأدلة الملموسة على أهمية دور المرأة في وحدات الخطوط الأمامية على الصعيد العملياتي.

أما الدافع الثالث للجهود التي يبذلها الجيش اللبناني من أجل تعزيز انخراط النساء في صفوفه، فيكمن في الخبرة العملياتية التي كشفت مدى تأثير انخراط المرأة في مهمات الخطوط الأمامية. فعلى سبيل المثال، خلال المعركة التي خاضها لبنان ضد الإرهابيين الذين كانوا يحتلّون أراضٍ على حدوده الشرقية مع سورية من العام 2014 وحتى العام 2017، والتوترات اللاحقة، أُسنِدت إلى الرتباء النساء أدوار على الخطوط الأمامية، فأدَّين دورًا بارزًا في تعزيز التعاون العسكري المدني في أوساط المجتمعات المحلية الحدودية، وفي إجراء عمليات تفتيش للنساء على الحواجز، وفي جمع معلومات عملياتية واستخباراتية.

أثناء تسلّم حداد قيادة فوج الحدود البرية الأول في العام 2019، كان من بين القادة الأوائل الذين عيّنوا عسكريات في مهمات الخطوط الأمامية. وقد تحدّث عن قوّتهنّ وجهودهنّ، مشيرًا إلى أنهنّ حقّقن نتائج أفضل، وأظهرن قدرةً على اتخاذ قرارات أكثر حكمةً، وأسهمن في تخفيف الضغوط المُمارَسة على الوحدات العسكرية في أوساط المجتمعات المحلية.

رابعًا، أفسح صدور قرار وزاري تاريخي في حزيران/يونيو 2021 المجال أمام اللبنانيات للخدمة رسميًا في مهمات قتالية مباشرة أو مهمات الدعم القتالي. وقد مكّن القرار رقم 516 الذي قونَنتْه أول وزيرة دفاع في العالم العربي زينة عكر، قائد الجيش من البتّ في جميع المسائل المتعلقة بتجنيد النساء وخدمتهنّ في المناصب والتخصّصات التي يمكن أن يشْغلنها.

يُشار إلى أن الرغبة في التغيير في أعلى سلّم القيادة العسكرية فاقت أحيانًا القدرة على التنفيذ، على مستويات عدة تراوحت من البنية التحتية كثكنات النساء، إلى آليات التبليغ عن الاعتداءات. ولا يزال على المؤسسة العسكرية إرساء هياكل وعمليات من شأنها أن تترسّخ وتدوم لفترة تتجاوز ولاية الشخصيات الرائدة في المؤسسة. في غضون ذلك، يهدّد الانهيار الاقتصادي الذي يعانيه لبنان بتقويض قدرٍ كبير من التقدّم المُحرز، لأسباب عدة، من بينها التوقف القائم عن تجنيد المزيد من العناصر.

مع ذلك، سيكون من الصعب زعزعة الالتزام الصادق حيال تعزيز أدوار النساء في أوساط القيادة الحالية التي تابعت مساعي العماد جوزيف عون وخطة العمل الوطنية، ولمست عن كثب التغييرات الإيجابية التي حملتها عملية دمج النساء في المؤسسة العسكرية. ويتوقّع حداد أن تتولّى امرأة قيادية فصيلة عسكرية في العام 2023، وأن يتم اختيار أول امرأة برتبة جنرال من وحدة قتالية في غضون 25 عامًا. ويضيف قائلًا: "بحلول العام 2050، من يدري، ربما تتولّى امرأة للمرة الأولى قيادة الجيش"