صدرت مذكرات فؤاد عجمي عن مرحلة الصبا التي قضاها في لبنان على مشارف الذكرى الثامنة لوفاته في 22 حزيران/يونيو المقبل. وهي تقدّم سردًا مؤثِّرًا جدًّا عن مرحلة في حياة عجمي غالبًا ما كان يكتفي بذكر القليل عنها، لأن علاقته بوطنه الأم كانت ملتبسة على الدوام. وأبرز ما تكشفه لنا هذه المذكرات أنه حين كتب عن التجربة اللبنانية الشيعية، كان يصف ما عاشه بنفسه، بطريقة حميمة ومكثّفة.

كان عجمي، لفترة طويلة، شخصية مثيرة للجدل في أوساط الأكاديميين الشرق أوسطيين في الولايات المتحدة. فقد اعتبر منتقدوه أنه تحوّل إلى مفكّر في خدمة القوة الأميركية، مشيرين إلى دفاعه عن الاجتياح الأميركي للعراق وترويجه له. ورأوا أن عجمي بدّل موقفه أيضًا حيال إحدى القضايا العربية الكبرى، فتخلّى عن اهتمامه بالفلسطينيين واصطفّ إلى جانب عدوّهم إسرائيل. وينتقدون بصورة خاصة ابتعاد عجمي عن أصوله العربية مفضِّلًا التعريف عن نفسه بأنه أميركي ورافضًا الهويّة المزدوجة من النوع الذي يسود في الثقافة الأميركية ذات الطابع الاستقطابي على نحو متزايد.

لكن مع مرور الوقت، لم يعد هذا السجال يحظى بقدر كبير من الاهتمام. لذا، تُعتبر مذكرات عجمي السياق الصحيح لتحويل الانتباه عنه. كانت المذكرات التي تحمل عنوان When Magic Failed: A Memoir of a Lebanese Childhood, Caught Between East and West (حين أخفق السحر: مذكرات طفولةٍ لبنانية عالقة بين الشرق والغرب) لا تزال مخطوطة غير منقّحة حين توفّي عجمي. وقد جهّزتها زوجته ميشيل للنشر بمساعدة من صديق زوجها ليون ويسلتير والمحرّر بنجامين كرافيتز. والنتيجة هي مذكرات انطباعية (يبدو أن كلمة "سحر" في العنوان تشير إلى "الواقعية السحرية" التي تحدّث عنها بصورة أساسية كتّاب أميركيون لاتينيون، وفيها يمتزج الواقع مع الخيال).

لكن اللافت بصورة خاصة هو مدى اختبار عجمي عن كثب لدورات الدمج الشيعي في الدولة اللبنانية بعد نيل الاستقلال في العام 1943. أبصر عجمي النور في أرنون في العام 1945، وأمضى سنواته الأولى في قريته الواقعة في ظلال قلعة الشقيف. انتقل لاحقًا إلى حي برج حمود الفقير في ضواحي بيروت الشرقية التي تحوّلت إلى مقرٍّ لشيعةٍ آخرين شقّوا طريقهم إلى العاصمة، ومنهم السيد محمد حسين فضل الله وأسرة حسن نصر الله عندما كان فتى صغيرًا. في تلك السنوات، عاش عجمي وشقيقه مع والدتهما التي هجرها والدهما بعد تعرّفه إلى امرأة أخرى. كان الصبيّان يقصدان المدرسة التي سبق أن ارتادها والدهما في الحي، لكن حياتهما لم تكن مستقرّة، فكانا "[ابنَي زوج] من دون إمكانات مادّية، ومن دون مطالب كبيرة..."

إحدى المفارقات في هذا السياق هي مسألة الحرَكية الاجتماعية. من المواضيع الرئيسة التي يتطرق إليها الكتاب أن الإنسان في لبنان يبقى عادةً أسير وضعه الاجتماعي. لكن عجمي ينقل في الواقع رواية مختلفة. فحين كان صبيًا صغيرًا يعيش مع والدته، كان فقيرًا ويعيش وسط النازحين من الأرياف واللاجئين الأرمن في برج حمود. كانت والدته تخيط الملابس لتأمين معيشتهم، وحرصت على أن يكون لولدَيها مستوى معيشي مقبول، وكانت تصرّ "على تميّزها وتميّزنا". يستشعر القارئ، على امتداد صفحات الكتاب، استياء عجمي مما فعله والده بوالدته. بعد سنوات كثيرة، قال أمام تلاميذه إن الثقافة العربية يمكن أن تكون قاسية حيال الزوجات المهجورات وأولادهن، حتى لو أن قدره حمل له واقعًا مغايرًا.

حين عاد والد عجمي بعد سنوات من عمله الناجح في السعودية، ارتقى فؤاد وشقيقه فجأةً إلى مصاف الطبقة الوسطى المدينية. وانتقلوا إلى مبنى اشتراه* والدهما في بيروت الغربية بفضل مدخوله، وسُجِّل فؤاد في مدرسة إنترناشونال كولدج المرموقة. لم يكن مسارًا غير اعتيادي على نحوٍ خاص، لكنه ساهم في أمرَين اثنَين: نال عجمي تحصيلًا علميًا أميركيًا أعدّه للمغادرة إلى الولايات المتحدة في مطلع الستينيات، تاركًا وراءه بلدًا وجده خانقًا بصورة متزايدة؛ وسمح له ذلك بالقطيعة مع أصوله الريفية، على الرغم من حبّه لقريته أرنون، فتشرّب التطلعات التي تراود حديثي النعمة في المدينة، والأشخاص الساعين إلى تسلّق السلّم الاجتماعي. وجعله ذلك ينأى بنفسه أكثر فأكثر عن مجتمعٍ أحبط كل الطموحات.

لكن يُخطئ مَن يقرأ مذكرات عجمي على أنها تصفية حسابات مع لبنان. على النقيض، يَبرز بوجهٍ خاص في كتابه كيف أنه لم يتمكّن، بعد انقضاء عقود عدة، من أن يطرح عنه موطنه القديم. وقد روت زوجته، في صفحة الشكر والتقدير، كيف أنه أصرّ على تدوين كلمة "أرنون" على شاهد قبره. راود عجمي، طوال مسيرته المهنية، شعورٌ غريب بالانجذاب إلى لبنان والنفور منه، في علاقةٍ تجمع بين الحب والكراهية من دون أن ينحسر التفاعل بين الشعورَين.

مما لا شك فيه أن أبحاثه عكست هذا الهاجس. فحين التقيتُ عجمي للمرة الأولى في أيلول/سبتمبر 1985، أمضى 20 دقيقة في الحديث عن نهضة الشيعة في لبنان، قبل أن يعطيني مقاله الأخير الصادر في مجلة "فورين أفيرز" بعنوان Lebanon and its Inheritors (لبنان وورثته). كان يعمل آنذاك على وضع كتابه The Vanished Imam, Musa al-Sadr and the Shia of Lebanon (الإمام المغيّب موسى الصدر وشيعة لبنان)؛ وحين نقرأ مذكرات عجمي، نفهم كيف أنه بات ينظر إلى حياته المغمورة آنذاك في سياق تيار شيعي أوسع وحتمي. كان عدد كبير من الشيعة يشعرون بأنهم جزء من شيء أكبر، لذلك استطاع موسى الصدر أن يجمع أبناء الطائفة حول السعي إلى تثبيت الوجود.

تتناول جميع كتب عجمي الرئيسة موضوعًا معيّنًا هو بمثابة متابعة للموضوع الذي أثاره في كتابه السابق. فقد روى في كتابه The Arab Predicament (المأزق العربي) حكاية انهيار القومية العربية في الحرب العربية-الإسرائيلية في حزيران/يونيو 1967. وانطلاقًا من ذلك، كانت خطوة طبيعية له أن يركّز على موسى الصدر والتعبئة الشيعية، نظرًا إلى أن الهوية الشيعية كانت من نتاج إخفاق الدولة العربية وظهور هوية عربية أوسع نطاقًا. تذهب رائعته The Dream Palace of the Arabs: A Generation’s Odyssey (قصر أحلام العرب: ملحمة جيل) أبعد في تجسيد حكاية المحنة، إذ تُظهر كيف أن جيلًا من العرب هو جيل المتفائلين الذين انبثقوا من سنوات الثورات العربية والتحرر العربي وسعوا إلى تحقيق أحلام "القومية العلمانية والحداثة"، تعرّض في نهاية المطاف للسحق على أيدي الأنظمة العربية التي ابتلعت أولاده. وبحثَ عجمي في كتابه The Foreigner’s Gift (هدية الأجنبي) الذي أشاد بالولايات المتحدة لإطاحتها نظامًا استبداديًا في العراق، عن بصيص أمل صغير في المنطقة. لكن عجمي أدرك لاحقًا أنها كانت فترة وجيزة جدًّا اعتبرها معظم الأميركيين خطأً فادحًا. ويُبيّن كتابه عن سورية بعنوان The Syrian Rebellion (التمرد السوري) كيف ابتعدت الولايات المتحدة عن طرح أي نوع من المشاريع التحررية في الشرق الأوسط. ففيما كان السوريون يُقتَلون، وقفت إدارة أوباما مكتوفة اليدين.

في المذكرات، تقطع مسيرة عجمي الفكرية دورةً كاملة لتعود أخيرًا إلى وطنه. عند وفاته، لفت عدد كبير من أصدقائه الأميركيين إلى أنه كان أميركيًا جدًّا في الصميم. وكأن استخدامه المتكرّر لعبارة "نحن" في وصفه لأميركا، وكأن الفترة الزمنية الطويلة التي أمضاها بعيدًا عن لبنان من دون أن يزوره، تخوّلانه أن يكون "واحدًا منا". لكن هذا الاعتبار ينطوي على مبالغة.

أميركا مسكونية في احتضانها للأشخاص ويمكن أن تكون وافرة السخاء. لكن كتاب عجمي يذكّرنا لماذا بقي جزءٌ منه في الوطن ولم يغادره مطلقًا. كان يعلم تمامًا أن توقه إلى التحرّر كان مدفوعًا بنبض عربي، لا بل لبناني، وهو توق لم تكترث له أكثرية كبرى من الأميركيين. كتب عجمي أن الحبّ الذي يكنّه لمسقط رأسه كان فقط "وفاءً للطفولة – لتلك الشذرات من حياتنا التي نتوق إليها ونخشاها". لكن هل يقتصر الأمر على ذلك؟ أغلقتُ كتابه وقد تكوّنت لديّ قناعةٌ بأنه عجمي لا بدّ أنه ظلّ مدركًا تمامًا لمدى اختلافه عن الأميركيين، ويُستشَفّ من مذكراته أنه بقي لبنانيًا إلى حدٍّ كبير. فلا شيء آخر يفسّر الخوف من بلاده الذي يقول إنه لا يبارحه إن أكثر ما نهابه هو الأشياء المتجذّرة في داخلنا.

* تم تغيير هذه الكلمة لأن المعنى كان خاطئًا.