"اضطررت إلى مغادرة لبنان كي أتمكن من إعالة نفسي وعائلتي. لا مكان كالوطن، لكن البقاء هناك لم يعد خيارًا آمنًا"، هذا ما قالته ميشيل التي تبلغ 26 عامًا وتعمل مديرة فنية في شركة ناشئة متخصّصة في إنتاج المحتوى الرقمي في دبي، الإمارات العربية المتحدة.

تعبّر ميشيل بكلامها هذا عن لسان حال عدد كبير من الشبان والشابات اللبنانيين الذين غادروا وطنهم الأم على مدى السنتَين الأخيرتَين بحثًا عن فرص أفضل في الخارج. منذ نحو ثلاث سنوات، في ذروة الحراك الاحتجاجي الذي عمّ المناطق اللبنانية كافة، نزلت ميشيل مع عدد كبير من اللبنانيين إلى الشارع للتنديد بالحكومة والمطالبة بمستوى معيشي أفضل. وهي شاركت في مظاهرات بلدة ذوق مصبح التي تقع في قضاء كسروان في جبل لبنان. وأسوةً بالناشطين الشباب الثلاثة الذين تحدّثوا إلى "ديوان" آنذاك، عبّرت ميشيل عن تفاؤلها حيال الحراك الاحتجاجي.

كان ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 بعد أن بلغ سعر صرف الليرة اللبنانية2,200  ليرة للدولار الواحد، ما شكّل قفزة كبيرة من شهر آب/أغسطس حين كان سعر الصرف لا يزال على حاله منذ أواخر التسعينيات، أي 1,500 ليرة للدولار الواحد. أما اليوم فبات سعر الصرف أقرب إلى 30,000ليرة للدولار، أي خسرت الليرة 95 في المئة من قيمتها الشرائية تقريبًاأمام الدولار مقارنةً مع سعر الصرف الرسمي المثبّت. يُعتبر انهيار قيمة العملة اللبنانية من الدوافع الأساسية للتدهور المالي والاقتصادي في لبنان خلال العامَين السابقَين. يُضاف إلى ذلك أن لبنان، كسائر دول العالم، عانى من تداعيات انتشار وباء كورونا وسياسات الإقفال العام التي قوّضت زخم الحراك الاحتجاجي. وازدادت الأوضاع سوءًا عقِب الانفجار الضخم الذي ضرب مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020 وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص ودمار ثلث العاصمة.

لا عجب إذًا أن عددًا كبيرًا من الشباب اللبنانيين اضطرّوا، مثل ميشيل، إلى الهجرة. ويُرجّح أن يستمر هذا المسار في المرحلة المقبلة، نظرًا إلى أن نسبة كبيرة من اللبنانيين الذين لا يزالون في لبنان يفكّرون في الهجرة.

نور، البالغ من العمر 29 عامًا، كان أيضًا من بين الناشطين في مظاهرات العام 2019، وتحديدًا في مدينة صور الساحلية الواقعة جنوب البلاد. على غرار الكثير من اللبنانيين، انتقل نور للإقامة في إسطنبول، تركيا، حيث عثر على عمل في مجال اختصاصه، وهو التدريب على الفنون القتالية. يرى نور أن الوضع في لبنان يصعب تجاوزه وأنه لا يملك ترف العودة إلى بلاده في الوقت الراهن. صحيحٌ أنه استمرٌّ في دعم مطالب متظاهري العام 2019، إلا أن عزيمته أُثبِطت مع الوقت. عبّر عن ذلك قائلًا: "فقدت الأمل بسبب الخلل الكبير في توازن القوة مع المنظومة. ليس سهلًا أن تعارض طبقة حاكمة تسيطر على كل شيء، بدءًا من الجهاز القضائي ووصولًا إلى قوى الأمن. وتملك الأحزاب ]السياسية[ المقرّبة من المنظومة الضوء الأخضر لفعل كل ما تشاء".

أبدى نور أيضًا قلقه حيال هيمنة حزب الله في لبنان، متسائلًا: "كيف يمكنك أن تتوقع حدوث تغيير مهم في ظل وجود حزب سياسي مسلّح في البلاد؟"

مع ذلك، قرّر شباب لبنانيون آخرون، مثل ماريا، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 26 عامًا، البقاء في البلاد. وقد شرحت قرارها قائلةً: "نعم، ما زلت في لبنان، وسأبقى هنا لأطول فترة ممكنة، حتى أصبح عاجزة عن ذلك". عندما تخرّجت ماريا من الجامعة في العام 2020، انضمت إلى نقابة المهندسين، ودعمت خلال انتخابات نقابة المهندسين في العام 2021 الحملة الانتخابية الخاصة بلائحة تابعة للحراك الاحتجاجي. وقد سجّلت هذه اللائحة فوزًا حاسمًا في وجه اللوائح المُنافسة المرتبطة بالأحزاب السياسية التقليدية.

وأنبأت انتخابات نقابة المهندسين آنذاك باحتمال حدوث خروقات في الانتخابات النيابية التي جرت في جميع أنحاء البلاد هذا الشهر. فقد نجح أكثر من خمسة عشر مرشحًا ينتمون للحراك الاحتجاجي (الذي يسمّيه اللبنانيون الثورة) في حصد مقاعد في البرلمان المؤلّف من 128 نائبًا. ويُعدّ ذلك إنجازًا تاريخيًا، إذ لم يحصل المستقلون الإصلاحيون من قبل على هذا العدد من المقاعد. ولا بدّ من الإشارة إلى أن المغتربين اللبنانيين، الذين بات نور وميشيل جزءًا منهم الآن، أدّوا دورًا كبيرًا في انتخاب هؤلاء المرشحين. فقد أدلى أكثر من 135,000 مغترب لبناني بأصواتهم في الانتخابات، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف عدد المغتربين الذين شاركوا في انتخابات العام 2018. على سبيل المثال، صوّتت ميشيل، التي تتحدّر عائلتها من عاليه في جبل لبنان، لصالح لائحة "توحّدنا للتغيير" المؤيدة للثورة، والتي فازت بثلاثة مقاعد من أصل ثلاثة عشر مقعدًا مخصّصًا لدائرة جبل لبنان الرابعة (الشوف-عاليه).

أما أحزاب السلطة، مثل حزب الله الشيعي والقوات اللبنانية المسيحية، إلى جانب حركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي، فحصلت على غالبية مقاعد مجلس النواب، في ظل مقاطعة تيار المستقبل بزعامة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، والذي تمكّن في العام 2018 من حصد 20 مقعدًا.

عبيدة، 32 عامًا، كان ناشطًا في طرابلس خلال مظاهرات العام 2019، وقال لـ"ديوان" آنذاك: "كي نقطع خطوات نحو الأمام، يجب أن تُقرّ هذه الطبقة السياسية بأنها ارتكبت أخطاء". ومنذ ذلك الحين، أصبح عبيدة عضوًا بارزًا في حركة مواطنون ومواطنات في دولة، وهو حزب سياسي إصلاحي برئاسة وزير العمل السابق شربل نحاس. وفي الانتخابات التي جرت مؤخرًا، طرحت الحركة عشرات المرشحين، بمن فيهم عبيدة الذي ترشّح عن أحد المقاعد في طرابلس، لكنها لم تتمكّن من حصد أي مقعد. مع ذلك، يشعر عبيدة بالسرور والرضى حيال التقدّم الذي أحرزته الحركة على الصعيد التنظيمي.

لكن عبيدة بدا متشائمًا بعض الشيء حيال البرلمان الجديد. فهو يرى أن "الانتخابات مجرد محطة وحفلة نظّمتها السلطة لإعادة تشكيل نفسها، ومجرد تأكيد على قطبية النظام [المنقسم] بين حزب الله والقوات اللبنانية. وهذان القطبان مصرّان على النهج نفسه: إرغامنا على التسوّل من الخارج وتهجير هذا المجتمع".

على عكس عبيدة، لا تدعم ماريا مجموعة محدّدة في الثورة، وقالت: "أعتقد أن عددًا كبيرًا من الأفراد في مجموعات الثورة المختلفة يمتلكون إمكانات وقدرات مهمة". وعلّقت على الانتخابات بالقول: "إن النتائج إيجابية بشكل عام وتجاوزت توقعاتي، مع العلم أنها لم تكن مثالية. لكنها تشير إلى أن التغيير آتٍ لا محال، لكن العملية طويلة جدًّا".

في خريف العام 2019، بدا الحراك الاحتجاجي اللبناني من دون قيادة، وكان ذلك خياره. في الواقع، بدا وكأنه يرفض حتى فكرة انتخاب أي شخص لقيادته أو تمثيله. لكن الحراك انتخب اليوم عددًا من النواب للتحدّث باسمه. وينبغي الانتظار لنرى ما إذا سينجح هؤلاء النواب في توجيه البلاد في الاتجاه الصحيح وتشجيع من هاجر، مثل ميشيل ونور، على العودة إلى حضن الوطن.