بعدما أطلق حزب الله طائرات مسيّرة فوق منصة التنقيب الإسرائيلية عن الغاز مؤخرًا، بدا واضحًا أن المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل حول حقول الغاز البحرية تحوّلت إلى مسألة إقليمية تتدخّل فيها إيران. للإيرانيين رأيٌ أساسي على جبهات عدة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط – في اليمن وسورية والأراضي الفلسطينية والعراق ولبنان – وقد فتحوا للتو مسألة جديدة للتفاوض بشأنها.

في وقتٍ تعمد أوروبا إلى خفض اعتمادها على النفط والغاز الروسيَّين، رفعت إيران الرهانات من خلال تأكيدها بأن أمن إمدادات الغاز الإسرائيلية المحتملة إلى أوروبا قد يكون معرّضًا للخطر في حال لم تؤخَذ المصالح الإيرانية على محمل الجد – سواء في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، أي الاتفاق النووي مع إيران، أو في لبنان وأماكن أخرى. وتتعزز أيضًا قدرة إيران على تفعيل مطالبها في المفاوضات النووية إذا سعت أوروبا والولايات المتحدة إلى السماح لها بصورة عاجلة بضخ نفطها في السوق من أجل التعويض عن الحظر المفروض على الإمدادات الروسية.

بغضّ النظر عن الحسابات والاعتبارات، من الواضح أن الغاز اللبناني بات إلى حدٍّ كبير امتدادًا للغاز الإيراني. في مرحلة معيّنة، تنافس الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري للسيطرة على ملف الغاز، لكن تبيّن أن ذلك مجرد ضجيج صغير. فاللعبة الحقيقية تدور على المستوى الإقليمي، وحتى على مستوى الاقتصاد العالمي، حيث وطّدت إيران نفوذها على إمدادات الغاز المحتملة إلى الغرب. وهذا يساوي الكثير بالنسبة إلى المسؤولين الإيرانيين، ويمكن أن يسهم في تحقيق مكاسب في المحادثات حول مستقبل الشرق الأوسط.

يجب النظر إلى المنطقة الأوسع لفهم ما يجري. فعلى الرغم من مزاعم العداء العربي لإيران، تخوض معظم الدول العربية الكبرى على ما يبدو - السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة - حوارًا مع طهران، في الغالب بوساطة عراقية. وفي حين أن هذه التبادلات لا تزال غير واضحة النتائج، فإن واقع حدوثها منطقي تمامًا. في الواقع، ترى الدول العربية أن إعادة العمل بالاتفاق النووي تشكّل إنجازًا بارزًا لإيران سيؤدّي إلى الإفراج عن مليارات الدولارات للبلاد بعد رفع العقوبات. ومن شأن الاتفاق أن يقرّ أيضًا بالأهمية الإقليمية لطهران، وهو ما سعى إليه الرئيس باراك أوباما حين تفاوض في البداية على خطة العمل الشاملة المشتركة.

لذا والحالة كهذه، يُعتبر فتح قنوات اتصال مع إيران ضروريًا. لكن العكس صحيح أيضًا. ففي حال فشلت المفاوضات حول خطة العمل الشاملة المشتركة، يُرجَّح أن تمضي طهران في تطوير قدرتها على حيازة أسلحة نووية، ما سيؤدي إلى زيادة حدّة الاستقطاب في الشرق الأوسط. لذلك، تدرك الدول العربية التي تتسّم جميعها بالواقعية، أن عليها التحاور مع الإيرانيين، الذين يملكون الوسائل اللازمة لتأدية دور تخريبي في أنحاء كثيرة من المنطقة. وقد أوضحت الحرب في اليمن للسعوديين والإماراتيين أن خوض مواجهة مباشرة مع إيران وحلفائها الإقليميين قد تكون له عواقب غير متوقّعة، ما يُفضي في نهاية المطاف إلى تعزيز قوة الإيرانيين بدلًا من إضعافهم.

ما موقع الخلاف اللبناني الإسرائيلي على الغاز من كل ذلك؟ يبدو التفاؤل الذي عبّر عنه عون ووزير خارجيته عبد الله بو حبيب بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق وشيك مثيرًا للسخرية على ضوء الأنباء الواردة من جهود الوساطة التي يبذلها آموس هوكستين، كبير مستشاري إدارة بايدن لشؤون أمن الطاقة. وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها المبعوث الأميركي إلى لبنان، ذُكر أن المسؤولين اللبنانيين اقترحوا تعديل الخط 23، وهو الخط الذي عرضه لبنان رسميًا على الأمم المتحدة باعتباره الخط الفاصل للحدود البحرية المتاخمة لإسرائيل، ليشمل كامل حقل قانا للغاز، من دون تقاسم هذا الحقل مع إسرائيل. وأوردت تقارير صحافية أن إسرائيل حدّدت شرطين للتنازل عن حقل قانا: الأول هو أن يمنح لبنان إسرائيل تعويضًا ماليًا متى بدأ باستخراج الغاز، والثاني هو أن تحصل إسرائيل على حصة أكبر من البلوك 8 المجاور لحقل قانا من أجل التعويض عمّا تنازلت عنه.

قد لا يقبل حزب الله بالشرطَين الإسرائيليَين، ولا سيما الشرط الأول. والأسوأ من ذلك أن اللبنانيين يستندون إلى أسس قانونية واهية، لأنهم فيما حدّدوا الخط 23 كمطلبهم الرسمي، أقدم عون على التصريح علنًا بأن لبنان يتمتّع بحق الحصول على منطقة بحرية أكبر، أي تلك التي يشملها ما يُعرف بالخط 29. لكن لبنان لم يسجّل الخط 29 لدى الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق، يجد لبنان نفسه في منطقة رمادية، نظرًا إلى أنه يُطالب بمساحة أكبر من تلك المتضمّنة في الخط 23، لكن من دون وضع أي أساس قانوني لمطلبه هذا. وفي الوقت نفسه، يرسم حزب الله، الذي أقحم نفسه في المفاوضات، خطوطًا حمراء إيرانية حول كيف ينبغي أن تسير الأمور.

باتت السلطات اللبنانية، نتيجة انعدام كفاءتها، عالقة بين حزب الله من جهة، والأميركيين من جهة أخرى. فوفقًا لصحيفة معروفة بمواقفها المُنتقدة لحزب الله عمومًا، أُفيد بأن هوكستين حذّر اللبنانيين بعد إطلاق الطائرات المسيّرة، من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى إجراءات عقابية، بما في ذلك فرض عقوبات على استثمارات لبنان في مجال النفط والغاز. بغضّ النظر عن صحة هذه الادّعاءات، أدان المسؤولون اللبنانيون إرسال الطائرات المسيّرة، وسط مؤشرات على أن هذه الخطوة أتت استجابةً لطلب مسؤولين أميركيين.

لا بدّ أن يتساءل المرء حول السبب الذي يدفع عون وبو حبيب إلى التفاؤل. لا بل يبدو أن كلامهما يخفي حقيقة أن استراتيجية لبنان التفاوضية غير المتناسقة كانت فاشلة تمامًا. لكن قد لا يكون ذلك مهمًّا في مطلق الأحوال نظرًا إلى أن لبنان لا يمسك اليوم بزمام المفاوضات التي باتت في يد إيران، فيما تواصل التفاوض بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة وتسعى إلى إرساء ترتيبات مع نظرائها العرب تعود عليها بالفائدة.