يقوم الرئيس الأميركي جو بايدن بزيارة المنطقة بعد أيام عدة وقد كثرت التحليلات حول أهداف هذه الزيارة. وتركز النقاش بصورة أساسية على ما إذا كان الهدف من الزيارة إقامة حلف شرق أوسطي عسكري يتضمن إسرائيل، هدفه الأساسي التصدي لإيران والنظر إليها على أنها العدو الرئيسي لكافة دول المنطقة.

ومما لا شك فيه أن حالة من التوتر والترقب تسود الشارع الأردني، وأن هناك تخوفًا كبيرًا من أن يتم الضغط على الأردن لدخول تحالف مع إسرائيل التي تنظر إليها الغالبية العظمى من الأردنيين على أنها العدو الرئيسي لهم لأسباب عدة استعرضتها في مقالات سابقة.

طالب الملك عبدالله الثاني في مقابلة تلفزيونية أن تكون أهداف أي تحالف عسكري واضحة من دون أن يدخل في التفاصيل، بينما نفى وزير الخارجية الأردني نية الأردن الدخول في تحالف عربي عسكري مع إسرائيل لمواجهة مخاطر إقليمية، كما نفى الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نية الإدارة الأميركية إنشاء ناتو شرق أوسطي. يبدو لي أن كل ذلك لم ينجح في طمأنة الشارع الأردني المتخوف من وجود خطط غير معلنة للجانب الأميركي.

من الضروري هنا الوقوف على الموقف الشعبي الأردني. ما من شك أن إيران تسعى للعب دور أكبر على الساحة الإقليمية وتحاول أن تبسط نفوذها من خلال التدخل في الشؤون الداخلية في المنطقة عن طريق حلفائها في العراق وسورية ولبنان وغيرها. لكن هذا لا يجعلها في نظر الشعب الأردني العدو الرئيسي، كما لا يشكل حيازتها للأسلحة النووية خطرًا وجوديًا بالنسبة للأردن. وذلك بعكس إسرائيل التي تمتلك أسلحة نووية منذ العام 1967، ما يشكل تهديدًا وجوديًا ليس للأردن فحسب، ولكن للمنطقة بأسرها. كما أن رفض إسرائيل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني يمثل تهديدًا وجوديًا من نوع آخر للأردنيين والفلسطينيين على حدٍّ سواء. لكل هذه الأسباب، ولنوايا إسرائيل العدوانية على الفلسطينيين والمنطقة، لا يفهم ولا يقبل الشارع الأردني أن يتم زج الأردن في تحالف مع عدوه الأول مهما تكن الأسباب والدوافع.

تذكرنا هذه المرحلة بحقبة حلف بغداد في الخمسينيات، الذي شكلته بريطانيا من إيران والعراق والباكستان وتركيا بالإضافة لها، وبدعم من الولايات المتحدة، للوقوف ضد الاتحاد السوفياتي، وأرادت بريطانيا حينها دخول الأردن في هذا الحلف. لم يقتنع الشارع الأردني بأهداف هذا التحالف إذ لم ير في حينه الاتحاد السوفياتي عدوه الأول، ونزل إلى الشارع بمظاهرات دامت عدة أسابيع حتى أعلن الأردن رفضه الدخول في حلف بغداد.

من الأهمية بمكان استخلاص الدروس من الماضي، وبخاصة مع بروز أصوات تبريرية لدى البعض تقول إن الأردن لا يملك أن يقاوم الضغوط الأميركية. فإن استطاع الأردن في الخمسينيات مقاومة الضغوط البريطانية وإيجاد البدائل حين كانت بريطانيا هي الممول الخارجي الرئيسي له، وخرج منتصرًا ومساندًا للموقف الشعبي، فإنه يستطيع أن يفعل ذلك بعد سبعين سنة من حلف بغداد. ليس هذا فحسب، بل إن المغفور له الملك الحسين طرد غلوب باشا بعد أقل من ثلاثة أشهر على مظاهرات حلف بغداد، ولم يحصل للأردن شيء جراء ذلك.

ثمة ثقافة مستكينة بدأت بالظهور لدى بعض الأوساط الرسمية هدفها تبرير كل المواقف غير الشعبية بحجة عدم قدرة الأردن مقاومة الضغوط الخارجية وبالأخص الأميركية. وهي ثقافة خطيرة يجب التصدي لها. يستطيع الأردن وبسهولة شرح الأسباب التي تمنعه من الدخول في مثل هذه التحالفات، كما يستطيع الأردن البحث عن البدائل، إضافةً إلى اعتماد سياسات اقتصادية وسياسية تجعله قادرًا على الوقوف من دون مساعدات خارجية. وقد أظهرت العديد من الخطط التي تم وضعها في السابق إمكانية ذلك شرط توفر الإرادة السياسية واعتماد التشاركية الحقيقية عنوانًا ليس فقط لوضع الخطط، ولكن لتنفيذها أيضًا والتغلب على كافة الصعوبات الإدارية والسياسية والاقتصادية المعيقة.

في نظري لا يستطيع الأردن الدخول في تحالف عسكري يضم إسرائيل، كما لا أرى إمكانية تقبل الشارع الأردني كما المنطق السياسي مثل هذا التحالف. أعتقد أن حجة الأردن قوية في هذا المجال. إن أرادت أميركا الدخول في تحالف عسكري ضد إيران مع بعض دول المنطقة بما فيها إسرائيل، فهذا شأنها مع تلك الدول. إلا أن المصلحة الأردنية لا تنصب في الدخول في مثل هذا الحلف بأي شكل من الأشكال، ولا من مبررات من أي نوع تجعل مثل هذا التحالف مقبولًا أردنيًا.