في يومٍ بطيءٍ بأنبائه مباشرةً قبل عيد الأضحى، تسلل خبر صغير إلى وسائل الإعلام المصرية التي نقلته جميعها بحرفيته (مثلما تُنقَل أنباء كثيرة هذه الأيام). وتضمّن الخبر تعدادًا، بالأسماء، للأشخاص الذين عُيِّنوا في المحكمة الدستورية العليا في مصر. كان خبرًا مملًّا حتى وفقًا لمعايير الأخبار المملة في وسائل الإعلام المصرية. لكن أُغفِل ذكر الجانب الأكثر أهمية في الخبر، وهو إسقاط شخصية عسكرية بالمظلة في المحكمة التي كانت سابقًا من الهيئات القضائية الأكثر نشاطًا في التاريخ القانوني العربي، في مسعى ربما لاستكمال إخضاع المحكمة للسلطات العسكرية.

غالب الظن أن إغفال هذه المعلومة لم يكن مجرّد صدفة. فالتعيينات السابقة كانت أقل تكتمًا بعض الشيء، وغالبًا ما كانت تترافق مع سيَر ذاتية موجزة. ولكن هذه المرة لم يعرف القرّاء شيئًا عن الأشخاص الذين عُيّنوا حديثًا في المحكمة، لأنهم وُصِفوا فقط بلقب "قاضٍ". وحتى من يتمتعون بالفضول الكافي، وهم قلّة على الأرجح، للبحث على محرّك غوغل لم يجدوا شيئًا عن صلاح محمد عبد المجيد يوسف الذي لا تتوافر معلومات عنه على شبكة الإنترنت. فالمكان الوحيد الذي خرج فيه اسمه إلى العلن كان في مرسوم التعيين الذي نُشِر في الجريدة الرسمية، حيث كُشِف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي عيّن القضاة الجدد عملًا بقانون المحكمة الدستورية العليا بعد اجتماع عقدته الجمعية العامة للمحكمة – في إشارة إلى أن القضاة الحاليين وافقوا على انضمام الزميل الجديد.

سرت شائعات بأن ثمة أمرًا غير مألوف في أحد التعيينات. ولكن لم يخرج السر على الملأ إلا حين كشف صحافي مبادِر وشديد العناية بالتفاصيل في موقع "مدى مصر" أن صلاح محمد عبد المجيد هو اللواء صلاح الرويني، رئيس هيئة القضاء العسكري. فحذف اسم عائلته، الرويني، من جميع المقاطع الإخبارية جعل من الصعب التعرف على هويته، لكن الصحافي تمكّن من تأكيد أن الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا أقرّت فعلًا ضم القاضي العسكري الأول في البلاد إلى صفوفها.

لماذا تكتسي هذه الخطوة أهمية بالغة إلى درجة تكبُّد كل هذه المشقة في التكتم عليها؟

تمتلك مختلف الأنظمة السلطوية في مصر، بصورة عامة، درْجًا مليئًا بالأدوات التي تتيح لها التهرب من الهيكليات والآليات القانونية حين تدعو الحاجة إلى ذلك. ولديها درج ثانٍ مليء بالأدوات التي تستخدمها لتطويع الهيكليات والنظم القانونية بما يتناسب مع حاجاتها حين تسعى إلى تجنّب الإقدام على التخلّص من القواعد المتّبعة دفعةً واحدة – وتشمل هذه الأدوات فرض حالات الطوارئ، وإنشاء المحاكم الاستثنائية، والحجز قبل المحاكمة، وما شابه. قد تُثار حفيظة القضاة العسكريين حين يُقترَح أنهم يشكّلون جزءًا من هذه المجموعة الثانية من الأدوات. فهم لا يشكّلون محاكم استثنائية لأن لوجودهم، كما يزعمون، أساسًا دستوريًا وكذلك أساسًا في القانون. هذا صحيح بما فيه الكفاية، لكن الأنظمة تمكنت من استخدامهم ضد المدنيين الذين يسبّبون لها المشاكل، و(بناءً على إصرار الجيش)، أُبقي على هذا التدبير، لا بل جرى توسيعه، في الدستور المصري للعام 2014.

لكن النظام الحالي يذهب أبعد من ذلك بقليل. فليس غريبًا أن يُسمَع عن إحالة إجراءات رسمية (حتى رحلة إلى الخارج يقوم بها نائب في البرلمان) إلى الأجهزة الأمنية للموافقة عليها أو رفضها. وفي معظم الأحيان، لا يقتضي مثل هذا التدبير أي إجراء قانوني، ما يتسبب بتأخير العمل الحكومي بمختلف أشكاله. لكن يبدو أن هيكليات الدولة تشعر الآن بالحاجة إلى التأكد من أن تحظى بعض المسائل الروتينية حتى بموافقة أحد الأجهزة الأمنية المصرية. وكأنّ الأجهزة الاستخبارية والأمنية المختلفة تزوّد الغرف السرّية المترامية الأطراف في جهاز الدولة بأشخاص أشبه بالمفوّضين.

لكن تعيين الرويني يقطع شوطًا إضافيًا من خلال إقحام ضابط عسكري في المحكمة الدستورية العليا. بالطبع سيكون للقاضي الجديد صوت واحد. وبما أن الأحكام في المحاكم المصرية المتعدّدة القضاة تُلفَظ دائمًا من دون الكشف عن الآراء المخالِفة (أو حتى توزيع الأصوات)، فلن يكون هناك سجل قضائي عام يُحكَم على القاضي الجديد من خلاله. ولكن من غير المرجح أن يجد نفسه في عداد الأقلية حين يخلع زيّه العسكري ويرتدي بذلة القاضي، ولا سيما في المسائل التي تتعلق بالأمن، أو ما يُشار إليه أحيانًا بالأجهزة "السيادية". وهذه الأجهزة كناية عن القوى العسكرية والأمنية التي تعتبر أن مهمتها هي حماية الدولة المصرية.

يُعتبر إقحام شخصية عسكرية في مؤسسة كهذه خروجًا عن المعايير والتقاليد القضائية. وغالب الظن أن الطبيعة المفاجئة للتعيين هي السبب خلف نشر الخبر بطريقة حالت دون تصدّره العناوين.