جذبت الإمارات العربية المتحدة اهتمام العالم حين قامت امرأة، هي الرائد الطيار مريم المنصوري، بضربة جوية ضد محاربي تنظيم الدولة الإسلامية في سورية في العام 2014. كذلك، أسهم بروز الجنديات الإماراتيات اللواتي يؤمّنّ الحماية للفعاليات الدولية التي تنظّمها الإمارات في تعزيز صورة البلاد كنموذج لتجنيد النساء في جيش عربي يتمتع بالكفاءة ويحمل تطلعات عصرية.

وضع الرئيس الأول لدولة الإمارات والحاكم السابق لإمارة أبو ظبي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بلاده على هذا المسار من خلال تأسيس مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية للنساء في العام 1990. وأشاد نجله الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي عُيّن نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية في العام 2005 ثم أصبح القائد الأعلى لهذه القوات مع تسلّمه سدة الرئاسة في 14 أيار/مايو 2022، بالدور الذي تضطلع به النساء الإماراتيات اللواتي "أثبتن جدارتهن في أحد أهم مجالات العمل الوطني، أي القطاع العسكري". كذلك، أُطلق تحت قيادته برنامج الخدمة الوطنية والاحتياطية في العام 2014، الذي فتح الباب أمام الإناث للتطوع في الخدمة العسكرية، التي تُعتبر إلزامية للمواطنين الذكور.

إن التبنّي الملكي لدور النساء في الجيش خطوة مهمة لا ينبغي الاستهانة بها. ويتجلّى هذا الدعم من خلال التصريحات المتكررة التي تطلقها على وسائل الإعلام شخصيات بارزة في العائلة الحاكمة والحكومة حول "بطولة وتضحيات" النساء في القوات المسلحة و"إنجازاتهن"، وتروّج لها وكالة أنباء الإمارات (وام) ومجلة "درع الوطن" الشهرية الصادرة عن القيادة العامة للقوات المسلحة. كذلك، شاركت الشيخة فاطمة بنت مبارك والدة الشيخ محمد بن زايد شخصيًا في إعداد برنامج القوات المسلحة المخصّص لتدريب النساء العربيات وغير العربيات على عمليات حفظ السلام.

مع ذلك، ثمة فجوة واضحة بين التصريحات العلنية الرنّانة وبين السياسات والممارسات الفعلية. فالحرص الكبير الذي أولاه الشيخ محمد بن زايد لتعزيز قدرات القوات المسلحة كي تصبح في طليعة الجيوش العربية على مدى العقدَين الماضيَين، يتناقض مع الخطط المبهمة والفضفاضة الرامية إلى تجنيد النساء في صفوف المؤسسة العسكرية، وخصوصًا إلى تعزيز انخراطهن في مختلف قطاعات الخدمة العسكرية وترقيتهن إلى الرتب القيادية. يمكن القول باختصار إن تجنيد النساء لا يعكس حتى الآن استراتيجية متّسقة لتعميم مراعاة النوع الاجتماعي في القوات المسلحة.

تُعتبر التصريحات الرسمية مبهمة على نحو لافت في ما يتعلق بالوقائع والأرقام عن خدمة النساء في القوات المسلحة. ولكن عندما تكون البيانات متوافرة، فهي غالبًا ما تُبرز أوجه القصور التي تشوب هذا المسعى. وينطبق ذلك حتى على مسألة النساء الطيارات التي تلقى اهتمامًا كبيرًا، إذ لا يضم سلاح الجو الإماراتي حاليًا أكثر من أربع نساء طيارات وفقًا لبيان حقائق نشرته السفارة الإماراتية في واشنطن. وإذا افترضنا أن نسبة الطيارين إلى الطائرات القتالية الثابتة الأجنحة والمروحية هي 1:1، وهي نسبة محافظة جدًّا، هذا يعني أن 2.25 في المئة من الطيارين هم من النساء. ولكن هذا الرقم ينخفض إلى حدٍّ كبير عند اعتماد نسب أكثر واقعية. ومن أجل تكوين فكرة عن النطاق الحقيقي، تُظهر الصورة الجماعية لفوج تخرّجي واحد من كلية خليفة بن زايد الجوية في آذار/مارس 2020 تلامذة عسكريين يربو عددهم على المئتين. وأشار بيان الحقائق نفسه الصادر عن السفارة إلى وجود 30 امرأة مجنّدة في القوات الخاصة التي هي جزء من الحرس الرئاسي في دولة الإمارات، والتي يبلغ عديدها 12,000.

عمومًا، لا يبدو أن أدوار النساء قد اتّسعت كثيرًا خارج نطاق أدوار الدعم التقليدية في الخدمات الطبية والإدارية. فقد أشارت دراسة أجرتها الباحثة في علم الاجتماع سعاد زايد العريمي في العام 2008 إلى أن معظم المتدربات اللواتي تخرّجن من مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية أصبحن جنديات أو عاملات في مكاتب سواء في المدرسة العسكرية أو في منشآت عسكرية أخرى. وبعد ثماني سنوات، لفتت دراسة أجراها جون ألترمان ومارغو بالبوني اللذان كان لديهما مداخل مباشرة إلى القوات المسلحة، إلى أن المؤسسة العسكرية تواصل إعداد النساء للاضطلاع بأدوار غير قتالية كمسعفات طبيات، وسائقات، وعاملات لوجستيات. وخلُصا إلى أنه "حتى في أوساط النساء اللواتي يتبوّأن مناصب رفيعة في هرمية هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية، يقوم المسار الحالي على استحداث فرص للنساء كي يقمن بـ"أعمال نسائية" في الجيش بدلًا من تحقيق قبول أكبر لمسألة اضطلاع المرأة بأدوار غير تقليدية". يبدو أن فتح الباب أمام التحاق النساء بالخدمة الوطنية اختياريًا في العام 2014 لم يعزّز قدرة القوات المسلحة على استقطاب المجندات النساء والاحتفاظ بهن. بل تراجع عدد المجندات الجديدات اللواتي يلتحقن بالجيش سنويًا، من 150 في العام 2014 إلى 50-70 بحلول العام 2016، و30-60 منذ ذلك الوقت (بحسب ما يظهر في مقاطع الفيديو التي تبثها وسائل الإعلام عن التجنيد وعروض التخرج).

تعترض عوائق عدة عملية انخراط المرأة بشكل فعّال في القوات المسلحة. ويتمثّل أحدها في المقتضى القانوني الذي يفرض على المتطوعات – سواء المنتسبات بعقود أو مجنّدات الخدمة الوطنية – الحصول على موافقة الأوصياء الذكور. وعلى نطاق أوسع، فإن سياسة تعميم مراعاة النوع الاجتماعي لا تترافق على نحو منهجي مع خطط تنفيذ متماسكة. في هذا الصدد، يلفت ألترمان وبالبوني أيضًا إلى أن الجيش الإماراتي "يسعى إلى تحقيق مشاريع كبيرة من دون أن يدأب على تحديد الأولويات بينها. فقد تكون بعض هذه الأهداف أكثر قابلية للتحقيق من سواها، وليست جميعها متآزرة في ما بينها. وما يزيد المسألة تعقيدًا أن الكثير من هذه الأهداف يصعب قياسه". وفي ذلك مؤشر أيضًا إلى أنه لم تظهر قيادات رجالية في الإمارات مؤيدة لمشاركة المرأة في القوات المسلحة من النوع الذي نشهده في الحالتَين اللبنانية والأردنية، بغض النظر عن الدعم العلني الصادر عن الشيخ محمد بن زايد أو وزير الدولة لشؤون الدفاع محمد بن أحمد البواردي.

يبدو أن عملية دمج النساء في الجيش الإماراتي اصطدمت بحاجز. تشكّل النساء 3 في المئة من عديده بحسب التقديرات، لكن أكثريتهن الساحقة يؤدّين أدوار دعم أو أدوارًا إدارية. لتغيير ذلك، ينبغي على القوات المسلحة إرساء مسار واضح يتيح للنساء أن يصبحن ضباطًا ويتولّين مناصب قيادية، من أجل تأمين دعم أقوى لهذا التحول من أعلى الهرم إلى أسفله. فهذا شرط أساسي لحدوث تحول جوهري في التصورات والسلوكيات لدى العسكريين الرجال. ومن شأن انتهاج سياسة متماسكة أن يقود إلى إنشاء مديرية لشؤون المرأة، وإلى تنسيق وثيق مع الدوائر المركزية وقيادات فروع الخدمة الأساسية لتقييم الحاجات التي يمكن للعسكريات النساء تلبيتها، وإلى تحديد الأهداف المتوخاة من حيث أعداد النساء النظاميات في القوات المسلحة ووزارة الدفاع (أو نسبهن المئوية)، إضافةً إلى وضع أهداف مرحلية وجداول زمنية واضحة. أخيرًا وليس آخرًا، ينبغي إجراء تعديلات دورية على القوانين والتنظيمات التي يخضع لها قطاع الدفاع كي تعكس عملية دمج النساء في صفوفه وتعزّزها. ومن شأن هذه التعديلات أن تطال معايير التجنيد والترقية، والرواتب والمعاشات التقاعدية، وإجازة الأمومة، والشؤون التأديبية، ومسائل التحرش والاعتداء الجنسي، والفصل من الخدمة.

تتمتع الإمارات العربية المتحدة بإمكانيات هائلة تتيح لها أن تشكّل نموذجًا يُحتذى به لدمج النساء في القوات المسلّحة بما يتوافق مع نظرتها لنفسها على أنها من الدول الرائدة في مجال تحقيق المساواة بين الجنسين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن في ظل غياب استراتيجية واضحة ومتماسكة ومتّسقة لتعميم مراعاة النوع الاجتماعي في القوات المسلحة، قد تثير القيادة السياسية في الإمارات انطباعًا بأن تصريحاتها عن دور المرأة في المؤسسة العسكرية هي مجرّد عملية علاقات عامة من أجل نيل استحسان الجمهور الغربي، بدل أن يكون مجهودًا مستمرًا هدفه تلبية حاجات عملياتية محددة.